شعار قسم مدونات

بورما.. مدخل لدراسة الوعي الجمعي وأسس التفكير

Rohingya refugees are seen waiting for a boat to cross the border through the Naf river in Maungdaw, Myanmar, September 7, 2017.REUTERS/Mohammad Ponir Hossain
مثّلت أحداثُ بورما التي نعيشها هذه الأيام حديثَ السّاعةِ في العالم الإسلامي، ولا داعي لذكرِ ما يحصُل للمسلمينَ هناكَ لأنّها معلومٌ للجميعِ، لكن ما يُهمّنا هو دراسة أسبابِ هذه الظاهرة وخاصّةً تعلّقها بطائفة ليس في فلسفتها تأسيسٌ لمفهوم (العنف) ولا يُعرف من آبائها المؤسسين سبّ أو طيشٌ أو غضب حتى.

(1)
"سندهارتا" أو ما سيُعرف بعد ذلكَ ببوذا كان أميرًا شابًّا يعيشُ حياةَ التّرفِ، توالت النّبوءاتُ حولَهُ منذُ ولادتهِ على ما تذكُر المصادر بأنّهُ سيكونُ إمّا ملكًا عظيمًا أو (بوذا) يرفعُ الغشاوة عن أعينِ النّاسِ ويُرشدهم للحقّ. وقد ذكرت أيضا أنّهُ خلعَ زيَّ البذخِ، في سنّ التاسعة والعشرين، وبدأ رحلتهُ في البحثِ عن المعنى.. المعنى الحقيقي للحياةِ التي تتخلّلها حتميّة الآلام والشّيخوخةُ والموت، ظلّت هذه الحتّميّات، في حياةِ الفردِ والمجتمع، تسكُن عقلَ الشّابِّ حيثُ لم يستطع معها الفِكاكَ منها حتى حوّلتهُ زاهدًا باحثًا في الرّياضات الرّوحيّة ما يُغذّي فيه هذا البحثَ، مارسَ خلال سبعٍ سنواتٍ منها شتى أنواعِ الرّياضات والمجاهداتِ للتّخلّي عن سلطةِ المادّة، حتى سنِّ الرّابعة والثلاثين حين تخلّى عن التّقشّف واتّخذَ طريقًا وسطًا مُوازنا بينَ الحياةِ الدّنويّة وحياةِ الزّهاد.

كانت عادتهُ الجلوس تحت شجرةِ تينٍ، عُرفت بعد ذلكَ بشجرةِ الحكمةِ، حيثُ إنَّ استيقاظهُ أو بلوغهُ المرتبة الأعلى في التّأملِ والفكرِ كانَ تحتها، فأخذ يدعو إلى مذهبهِ مُكوّنًا بذلكَ جمعًا عريضًا من المناصرينَ وكثيرًا من الأتباع.

(2)
مثّلت تعاليمُ بوذا الأصيلةِ خلاصًا للنّاس من حيثُ كونها شاملةً للمعيشي (الواقع) ومآلهم بعد الموتِ، فمن تعاليمهِ الأساسيّةِ، على ما تذكرُ النّصوص المقدّسة للبوذيّة: أنّ التّخلّص من المعاناةِ لا يتمّ إلّا بالكفّ عن التّعلّق بالحياةِ والشّهواتِ والأنانيّة، وذلكَ عبر اتّباعِ السّبيلِ الأسمى والأنبلِ المُتمثّلِ أساسًا في: الإدراك السّليم، والخلوّ من نزعةِ الشّهوةِ والهوى والاضطرابِ في الفعلِ الذي يجبُ أن يكونَ على مقتضى والعلم والحقّ، وكانَ يحثّ أتباعهُ على حريّةِ الفكرِ وأن "المرء ملجأ نفسه"، وأن لا شيءَ "في قبضة المعلّم المغلقة" وأنّهُ يلزمُ (المُسنيرَ) أن يعرف بنفسهِ الأمورَ السّيئة فيجتنبها، والأمورَ الجيّدة فيقبلها ويتّبعها.

كان بوذا
كان بوذا "محبًّا للسّلامِ، متحمّسا للسّلام، متحدّثا بكلماتِ تُهيّءُ للسّلام". فنزعةُ السّلامِ باديةٌ على التّعاليمِ البوذيّةِ منذُ ظهورها، وحتى قبل "سندهارتا" ممّا أثّر في المجتمعاتِ البوذيّة كلّها، وهذّبها.

ولذلكَ لا نجدُ في البوذيّة أي عقيدة ثابتة يجبُ الإيمانُ بها أصلا، وإنّما هي إيمانٌ ذاتيّ يتعلّقُ بالأفرادِ ومستوى إبصارهم الرّوحي، ولزمَ عن ذلكَ أنّنا لا نجدُ في التاريخِ البوذي دمًا يُسفكُ لهدايةِ النّاسِ على امتدادِ تاريخها الطويلِ وانتشارها الواسع، فهي لا تُعادي الأديانَ من حيثُ هي أصلا، إلّا من حيثُ هي تقليدٌ لا نظر، وتعتبرُ الإيمانَ الأعمى عائقًا لدركِ الحقيقة، لأنّها عندهُ كشفٌ ورُؤيةٌ لا روايةٌ أو ميلٌ.

وكذلكَ يُؤمنُ بوذا بالتّناسُخ؛ أي أنّ الإنسانَ يمرُّ بعدّة حيوات (جمعُ حياةٍ) ينتقلُ فيها بحسبِ عملهِ واتّباعهِ للخيرِ وتجنّبهِ للشّر، فمن النّاسِ من يولَدُ من جديدٍ في هيئةٍ حسنةٍ وحالٍ جيّد، ومنهم من يولدُ على هيئةِ حيوانٍ، كلٌّ بحسبِ عملهِ في حياتهِ السّابقةِ. وهذا أدّى لتثبيتِ نزعةِ السّكون والالتزام، ممتنعًا مع كلِّ ذلكَ من قتلِ جميعِ الكائناتِ الحيّةِ أو ما يُسمّى (الأهمسا)، وخلعَ عن نفسهِ الهراوة والسّيفِ في إحدى رواياتِ أتباعه، مع أنّهُ كانَ يومًا من طبقةِ المقاتلين وكان "محبًّا للسّلامِ، متحمّسا للسّلام، متحدّثا بكلماتِ تُهيّءُ للسّلام". فنزعةُ السّلامِ باديةٌ على التّعاليمِ البوذيّةِ منذُ ظهورها، وحتى قبل "سندهارتا" ممّا أثّر في المجتمعاتِ البوذيّة كلّها، وهذّبها.

في أحداثِ توانغو 2001م، انتشرَ كتابٌ بينَ البوذيين بعنوانِ "الخوف من ضياع العرق" ومنشورات عديدة مناهضة للإسلام. والخوفُ ردُّ فعلٍ غريزيّ

(3)
بعد أن عرفنا حياةَ (البوذا) وتعاليمهُ وعلاقتهُ بالأفكار والأديان وأنّه داعيةٌ لإبصارِ عينِ الحقيقةِ دونَ شوائبِ الشّهواتِ والعاداتِ، الآنَ يجبُ أن نطرَحَ السّؤال الأهمّ في مقالنا هذا: ما الذّي يُغذّي هذهِ النّزعة الوحشيّة لدى بوذيّةِ بورما؟ وإجابةُ هذا السّؤال الذي أرّقني منذُ زمنٍ، ما الذي يجعلُ مجتمعًا مسالمًا يتحوّلُ لمُبيدٍ للأعراقِ والأقليات؟ أوّلا، علينا سردُ تاريخِ المسلمينَ الحديثِ في الدولة البورميّة، بإيجازٍ، ليتسنى لنا الإجابةُ بإنصافٍ عن السؤال المركزي.

أوّلُ الاضطهادِ كان على عهد الملك باينتوانغ حيثُ منعَ الذّبحَ وبعضَ شعائر المسلمين كعيدِ الأضحى، وتواصل ذلكَ مع ألاينجبايا منتصف السّبعينيات بقتلِ بعضِ أئمّةِ المُسلمينَ بسبب رفضهم أكلِ لحم الخنزير. وبحلولِ سنةِ 1972 برزت للسّطحِ حملة ضدّ المهاجرين الجدد (المسلمين) تحت اسم "بورما للبورميين فقط" تسبّب في ذبحِ وقتلِ المسلمين وحرق مساجدهم ومنازلهم ونهبِ متاجرهم. وبعد فرض "يو نو" في مرسومٍ لهُ البوذية دينا للدولة، عقيبَ التحرّر، ازدادت أحوالُ المسلمينَ سوءًا هناك، حتى بلغت في منتصف السّتينياتِ مع "ني وين" المُنتهي فطُردوا من الجيش، وتعرّضوا للتّهميش والإقصاء ووُصفوا بأوصافِ نابية ومُسيئة من قبل الأغلبيّة البوذيّة.

سكنَ ذلكَ قليلًا حتى عادَ في منتصف شهر ماي 2001 بينَ الطّائفتنِ إثرَ أحداثِ الإسلاميين في أندونيسا وطالبان في أفغانستان، فوقع الحضر على تبادلِ الأفكارِ والشّعائرِ واتّهامِ المنظماتِ الإسلاميّة بالإرهاب، على حسب ما نقلت منظمة حقوق الإنسان، وخُتمتَ بأحداثِ ميانمار الأخيرة بحملات إبادة عرقيّة ودينيّة للمسلمين حيثُ "تراجعت فيها نسبة مسلمي البلاد، من 3.9 % من إجمالي تعداد السكان لعام 1983، إلى 2.3 %، في حين لم يشمل التعداد حوالى 1.2 مليون نسمة من مسلمي الروهينغا. وأشارت نتائج التعداد إلى أن المسلمين المسجلين، يقدرون بمليون و147 ألف و495 نسمة، من تعداد سكان البلاد البالغ 51.5 مليون نسمة" (جريدة اللواء في مقال لها حول الموضع).

(4)
إذن، نزوعُ البوذي للحالةِ الأولى (البدائية/الوحشية) نتيجةٌ حتميّةٌ للخوفِ، ولعلَّ (الأنا البوذي) شعرَ بتهديدٍ حقيقي على ذاتهِ وتاريخهِ من الوجودِ الإسلامي فكانت النتيجةُ ((فرض)) التّوازن الاجتماعي بتجريدِ (الآخر المسلم) من هويّتهِ ودينهِ، يتجلّى ذلكَ في أحداثِ توانغو (2001) حيثُ انتشرَ كتابٌ بينَ البوذيين بعنوانِ "الخوف من ضياع العرق" ومنشورات عديدة مناهضة للإسلام. والخوفُ ردُّ فعلٍ غريزيّ ينحى بالإنسانِ، الذي هو أعلى هرم الكون حسب الفلسفة البوذية، إلى التّعاملِ بالعاطفةِ والوقوعِ في المحظوراتِ التي نهى عنها بوذا في حياتهِ وتلاميذهُ بعد موته. وممّا يؤكّدُ لي ذلكَ، أنّ كلّ الأحداثِ التي سردناها آنفًا تخلّلها أو دبّرها رُهبانٌ حاملونَ لتعاليمِ بوذا وأُسسِ المذهبِ. فكانَ ذلكَ سببًا في انتكاسِ الوعيِ الجمعي، واضطرابِ أُسس التّفكير، والوقوعِ في الدّنس، على حدّ التعبيرِ المقدّس البوذي.

*نتعرّض في المقالةِ الثانية إلى نظامِ الوعي الجمعي وكيفَ يتقدّمُ بناءً على أحداثِ بورمَا المؤلمة، ونبيّنُ إن شاء الله كيفَ تتكوّنُ الفكرةُ فيه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.