إستراتيجية البهلوان.. ترمب وهشاشة البيت الأميركي

blogs ترمب
حولت الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترمب – بما صدر عنها من غريب المواقف ونادر الأفعال – المحللين المتمرسين إلى عامة لا يكادون يصيبون الرأي في واحدة حتى يخطئوا أختها، كما حولت العامة الذين لا عهد لهم بأمور السياسة إلى محللين، حديث مجالسهم وفاكهته هذا الرئيس الجديد الغريب، وأضحت عمليتا التحليل والتنبؤ، أعني تحليل الصادر والتنبؤ بالوارد أشبه بتحليلات مباريات القدم وتنبؤاتها، عقلنة لما لا منطق له، ورجما بالغيب من مكان بعيد. وحتى تكون قراءتنا لهذه الظاهرة قراءة مسددة على المرجو المطلوب أو قراءة مقاربة على الأقل المأمول، علينا أن ننظر إليها بطريقة كلية، متجاوزين في ذلك كل قراءة جزئية لقرار بعينه أو تصرف بذاته، مفترضين في كل ذلك أن ما يحصل الآن في أمريكا استراتيجية جديدة في إدارة الداخل والتعامل مع الخارج.

وبداية، سنسمح لأنفسنا بتسمية هذا الخليط المنظم من القرارات كبناء جدار عازل على حدود المكسيك بأموال المكسيكيين أنفسهم، ومنع مواطني سبع دول مسلمة من دخول الفردوس الأمريكي وإن كانوا من حاملي بطاقات النعيم الخضراء، أو التصرفات الهازلة مع زعماء العالم وقادته مما لم يسبق إليه إلا في النادر مما سيذكر. فلنسم كل هذا وغيره «استراتيجية البهلوان»، ولنجعلها مصطلحا مرجعيا نعود إليه إذا أبعدنا النظر وأغربنا الاصطلاح.

وسياسة البهلوان هذه معروفة منذ القدم، ولكنها لم تُحدِثْ في تجلياتها القديمة والحديثة إلا نوعا من الاستضراف والفرجة، وذلك أن هذا النوع من السياسة لا يصدر إلا عن الدول الضعيفة التي يحكمها مصابون بجنون العظمة أو سفهاء الأحلام، المحكومين بحبال دول أخرى، أو الذين وجدوا في ظروف جعلت غنائم بقائهم أكبر من مغارم فنائهم، ثم سمحت لهم كراسي الحكم أن يفعلوا ما يهوون وأن يقولوا ما يريدون، ولأنهم ضعفاء فإن صداقتهم لا تنفع وعداوتهم لا تضر، ولعلمهم بهذه الحقيقة فقد يتجرؤون على غيرهم بالقول وإن كانوا أقوياء، لما حصل لهم من يقين السلامة.

أميركا سمحت لترمب بتولي الرئاسة مع علمها بمزاجه المتقلب، لأن مراكز الأفكار ومراصده قد قررت انتهاج هذا المسلك من أجل تحقيق مكاسب استراتيجية كبيرة
أميركا سمحت لترمب بتولي الرئاسة مع علمها بمزاجه المتقلب، لأن مراكز الأفكار ومراصده قد قررت انتهاج هذا المسلك من أجل تحقيق مكاسب استراتيجية كبيرة

ولعل من أحسن الأمثلة في العصر الراهن، ما صدر من معمر القذافي في ليبيا أو رئيس كوريا الشمالية وكذا رئيس كوبا، ولقد كانت أنماط حكم هؤلاء أشبه بفاكهة العالم، مما يثير الاستغراب والعجب، لأن الأصل الذي سارت عليه الأمم من قديم العصور، أن هيبة الحاكم من هيبة الحكم،ولقد ذهبت الدول في تعقيد بروتوكولات الحكم إلى حد الجنون، كما كان حاصلا في الإمبراطوريات الآسوية كاليابان والصين وكوريا، أو أعراف الحكم في خلافة الأندلس في أوائلها وأواسطها، كما لا ننسى أعراف الحكم وتقاليده العريقة في الخلافة العثمانية، ومما ينقل في التاريخ هيبة الخلفاء والأمراء وأن بعضهم كان معروفا بها فطرة، من مثل عبد الرحمن الداخل صقر قريش رغم ما عرف عنه من مخالطته للعامة، وعدم احتجابه عنهم ـ أما في الحضارة الغربية فإن بروتوكولات النموذج الانجليزي بحزمه وانضباطه معروف مشهور إلى الآن، وبالمجمل فإن هيبة الحاكم من هيبة الحكم، واستخفاف حاكم أعظم قوة فوق الأرض بقانون راسخ من قوانين الحكم الضاربة في عمق التاريخ، يوجب علينا النظر في الموضوع كرة أخرى.

الرئيس ترمب، بكل حركاته البهلوانية، يعكس بجلاء وصدق المخبوء الداخلي الهش الذي آلت إليه أمريكا الآن، هشاشة في المؤسسات، هشاشة في القيم، وهشاشة في النخب

وتصرفات الرئيس ترمب يمكن أن تحمل على محملين لا ثالث لهما، الأول: أنها تصرفات فردية ذاتية، وأن الولايات المتحدة تسير على نمط الرئيس الذي يحكمها، وليس لها نمط قار ينفذه الرؤساء وحكموماتهم وإن اختلفت توجهاتهم. وأما الاحتمال الآخر: فمفاده أن الولايات المتحدة قد اتخذت من سياسة البهلوان سياسة استراتيجية لتسيير هذه المرحلة، لما لهذه السياسة على غرابتها من بعض الفوائد التي سنذكرها بعد حين.

أما الاحتمال الأول: فإن كان ما يجري الآن هو تسلط مزاج شخص واحد في تسيير أعظم قوة في العالم، فهذا يعني أن أمريكا المؤسسات قد ولت، وأقلبت أمريكا الفرد، إذ تفرد شخص واحد غريب الأطوار، يدير دولة أخطبوطية بمنطق المؤسسة الربحية، ويعامل وزراءه ومدراءه معاملة الخدم والعبيد، مؤشر خطير جدا يدل على تداع داخلي، وهو ما يجعل مجرد وصوله إلى السلطة أمرا مستغربا، بل ومؤشرا على مستوى الفساد في العمق الأمريكي، الذي سمح للمال الفاسد بصناعة القرار السياسي.

وأما الاحتمال الآخر: ومفاده، أن أمريكا قد سمحت لترمب بتولي الرئاسة مع علمها بمزاجه المتقلب، لأن مراكز الأفكار ومراصده قد قررت انتهاج هذا المسلك من أجل تحقيق مكاسب استراتيجية كبيرة، وذلك أن سياسة البهلوان وإن بدت مستظرفة على المستوى العادي، فإنها على المستوى السياسي يمكن أن تفعل أشياء كبيرة، والرئيس الذي يسلك مسلك البهلوان في العلاقات يمكن أن يكسب الأصدقاء في يوم واحد، كما يمكنه أن يخسرهم في يوم واحد أيضا، البهلوان يمكن أن يتخذ قرارات غريبة وسريعة وعاجلة، البهلوان يمكن أن يعلن حربا من أجل سبب تافه، أو يوقفها من أجل سبب أتفه، البهلوان، يمكن أن يحمي نفسه من تبعات أقواله وأفعاله، لأن له عذرا دائما وهو أنه :بهلوان، إنها السياسة التي يمكن أن تأخذ بها أي شيء دون أن تنفق أي شيء، وهذا ما يقودنا إلى التنبؤ بأن أمريكا، إن كانت اختارت ترمب عن وعي، فهذا يعني أنها تريد اتخاذ قرارات كبيرة وسريعة وخطيرة، سواء على الصعيد الأمني أو الاقتصادي أو الاجتماعي، لأن البهلوان يمكن أن يختصر الزمن في مثل هذه الأمور.

وعلى أي معنى حملنا سياسة البهلوان الحاصلة في أمريكا الآن، فهي تدل على هشاشة عميقة في الإدارة الأمريكية، فإن كانت أمريكا تقاد بأهواء الأفراد وأمزجتهم فهذا يعني بأن النهاية أقرب مما يتخيله أي واحد منا، وأن أمريكا لم يبق لها من المؤسسات إلا الرسم ومن القوة إلا الاسم، وقد يتحول هذا الرأي إلى خطأ في حالة ما إذا لفظت المؤسسات الأمريكية هذا الرئيس إما بالعزل وسحب الثقة قبل أن ينهي عهدته الأولى، أو بانتخابات مبكرة أو أي شيء يمكن أن يدل على قوة الداخل وبقائه، وإن كانت أمريكا إنما تسلك هذه الإستراتيجية لأن أفضل عقولها ومراكز الفكر والدراسات فيها أوصت بهذا النمط من أجل تحقيق التغيير السريع داخليا وخارجيا، فهو أيضا يدل على هشاشة عميقة أخرى، إذ لم تجد أفضل العقول في العالم طريقة أحسن لتنفيذ مخططاتها إلا سياسة البهلوان، بأن تحول نفسها إلا مهزلة عالمية ومسخرة كونية .

إن الرئيس ترمب، بكل حركاته البهلوانية، يعكس بجلاء وصدق المخبوء الداخلي الهش الذي آلت إليه أمريكا الآن، هشاشة في المؤسسات، هشاشة في القيم، وهشاشة في النخب، وسأترك مهمة إكمال صورة هذه الأحجية للقارئ النبيه، حتى يمكنه على ضوئها، فهم ما مضى وتوقع ما سيستقبل.