كيف أفسدت الفلسفة العلوم الإسلامية؟

قد يكتفي بعض الناس بقراءة عنوان هذه التدوينة ليحكم بأنني من أعداء العقل والتفكير، وليسرد علينا ما حفظه من ديباجات سطحية تقول إنّ نقد الفلسفة نموذج للتخلف والتحجّر. لكن هذه التدوينة غير موجّهة لهذه الفئة، إلا لو أعملتْ عقلها وقررتْ أن تقرأ، فهي موجّهة للذين يُحاكمون الأفكار بعلم وعدل.

 

ماذا نعني بإفساد الفلسفة للعلوم الإسلامية؟

إنّنا حين نقدّم نقدنا لدور الفلسفة في إفساد العلوم الإسلامية فإنّما نقصد ثلاثة محاور بشكل أساسي:

الأول: جَعْلُ الطرائق الفلسفية أحد مصادر المعرفة في القضايا الغيبية؛ كالعقيدة في الله وحقيقة الوحي والنبوة واليوم الآخر وما شابهها، فهذه القضايا الغيبية لا سبيل لمعرفتها إلا من طريق الوحي، وكل محاولة للوصول إليها عن طريق العقل والرأي فهي مخالفة لما قرّره الوحي أولا، ومخالفة أيضًا لما تحدّده الأدوات العلمية من أنّه لا سبيل للعقل في معرفة الغيبيّات والخوض فيها، وكلُّ خوضٍ للعقل فيها بمعزل عن الوحي فهو خبطٌ في التيه بلا دليل.

 

الثاني: تناول قضايا العقائد والدين واللغة بقواعد الفلسفة والرياضيات، فإنّ منطق الدين والعربية مختلفٌ عن منطق الفلسفة والرياضيات، وسأطرح في هذه التدوينة بعض النماذج.

 

الثالث: الخوض في قضايا لا يُبنى عليها عمل ولا نفع لها في الدين أو في الدنيا، وهو ما يميّز الكثير من قضايا الفلسفة، بخلاف "الفلسفة العملية للإسلام"، التي تأخذ بالحسبان النفع الأخروي أو الدنيوي من كل علم.

 

نمض بجولة سريعة على بعض مظاهر إفساد الفلسفة للعلوم الإسلامية. وسأتطرّق إلى علمين مهمين هما: علم التوحيد، وعلم النحو. وسنتتبّع الأثر السلبي للفلسفة حين دخلت على هذين العلمين عبر المحاور الثلاثة التي ذكرناها

إنّ كل نقدنا للفلسفة يكاد ينحصر في هذه النقاط الثلاثة، أما إذا كان المقصود بالفلسفة أو الاشتغال الفلسفي بيان الأسس النظرية والمفاهيم الأساسية لمجال ما؛ كالحديث عن فلسفة العلوم في الإسلام مثلا، أو فلسفة الإسلام بمعنى فكرته الكلية عن الله والكون والحياة والإنسان، فهذا تنظيرٌ محمودٌ لا شكّ في ذلك، وهو شيءٌ أمارسه فيما أكتب، فسواء أسميناه اشتغالا فلسفيّا أو فكريّا فلا مشاحة في الاصطلاح. وإنما أذكر هذا ليكون واضحًا أنّني إنما أذمّ من الفلسفة ما كان خبطا في الغيبيّات بلا دليل، أو ما كان تناولا لقضايا الدين بغير أدواتها العلمية الصحيحة، أو ما كان خوضا في قضايا لا تُبنى عليها منفعة دينية أو دنيوية. وهذا هو تحديدا الذي ساهم -في نظري- في إفساد العلوم الإسلامية، وليس مجرّد التنظير أو وضع الأطر المفاهيمية لمختلف الظواهر والمجالات الفكرية.

 

إذا اتّفقنا على ذلك، وكان القارئ على بيّنة ممّا أقصد، فلنمض بجولة سريعة على بعض مظاهر إفساد الفلسفة للعلوم الإسلامية. وسأتطرّق إلى علمين من العلوم الإسلامية المهمة، نشآ وتطوّرا في ظلال الحضارة الإسلامية وبأثر من الوحي، وهما: علم التوحيد، وعلم النحو. سوف نتتبّع الأثر السلبي للفلسفة حين دخلت على هذين العلمين عبر المحاور الثلاثة التي ذكرناها، وإنْ كان أثر الفلسفة السلبي قد تعدّاهما لعلوم أخرى كعلم أصول الفقه وغيره، ولكنّ المقام ليس مقام استقصاء.

 

علم التوحيد الذي تخلّى عن التوحيد!

أبرز القضايا التي يقدّمها القرآن الكريم من أوله إلى آخره هي قضيّة التوحيد بمعناه الواضح الميسّر: إفراد الله سبحانه بالعبادة، وما يشتمل عليه ذلك من إفراده سبحانه بالمحبّة والولاء والتعظيم والنسك والخوف والرجاء والخضوع والانقياد والطاعة وغير ذلك من أصناف العبادة. ولكن ثمّة مفاجأة يجدها المرء حين يطالع الكُتب التي كُتبت في إطار ما سمّاه المتكلّمون المسلمون "علم التوحيد"، وهي أنّه سيجد الجانب الاعتقادي من التوحيد، مع الكثير من الغبار عليه من القضايا التي لا علاقة لها بالتوحيد، ولكنه لن يجد الغاية العظمى التي من أجلها خلق الله الجنّ والإنس وأرسل الرسل وأنزل الكتب، وهي إفراده سبحانه بالعبادة، ومضامين تلك العبادة.

 

كتب الإمام الغزالي في مقدمة كتابه الكبير "إحياء علوم الدين" عن مجموعة من الألفاظ التي انحرف مفهومها عند العلماء، ومنها ألفاظ "العلم" و"الفقه" و"التوحيد"
 

جاءت إحدى الملاحظات المبكّرة لهذا الخلل العظيم في كتب علم الكلام من أحد أئمة أهل الكلام وعباقرتهم، وهو الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله. كان الرجل عبقريّا لدرجة أنّه لاحظ الظاهرة من داخلها، وهذا مستوى فذّ من العبقرية لا يتوفّر إلا لقلّة في كل عصر. كتب الإمام الغزالي في مقدمة كتابه الكبير "إحياء علوم الدين" عن مجموعة من الألفاظ التي انحرف مفهومها عند العلماء، ومنها ألفاظ "العلم" و"الفقه" و"التوحيد".

 

 قال الغزالي عن التوحيد في كتابه "وقد جُعل الآن عبارة عن صناعة الكلام ومعرفة طريق المجادلة والإحاطة بطرق مناقضات الخصوم والقدرة على التشدّق فيها بتكثير الأسئلة وإثارة الشبهات وتأليف الإلزامات حتى لقّب طوائف منهم أنفسهم بأهل العدل والتوحيد، وسُمّيَ المتكلمون العلماء بالتوحيد، مع أنّ جميع ما هو خاصة هذه الصناعة لم يكن يُعرف منها شيء في العصر الأول، بل كان يشتدّ منهم النكير على من كان يفتح بابا من الجدل والمماراة… وكان التوحيد عندهم عبارة عن أمر آخر لا يفهمه أكثر المتكلمين، وإنْ فهموه لم يتصفوا به وهو: أن يرى الأمور كلها من الله عز وجل رؤية تقطع التفاته عن الأسباب والوسائط فلا يرى الخير والشر كله إلا منه جل جلاله، فهذا مقام شريف إحدى ثمراته التوكل كما سيأتي بيانه في كتاب التوكل، ومن ثمراته أيضا ترك شكاية الخلق وترك الغضب عليهم والرضا والتسليم لحكم الله تعالى…".

 

لقد عبّر الإمام الغزالي بهذه الكلمات القليلة عن أزمة علم التوحيد الذي كان شائعا في عصره، والذي استمر في عصرنا في إطار علم الكلام، وهي إغفال أبرز ما في التوحيد من مضامين ومعانٍ

ثم يقول "والتوحيد جوهر نفيس وله قشران: أحدهما أبعد عن اللبّ من الآخر، فخصّص الناس الاسم بالقشر وبصنعة الحراسة للقشر وأهملوا اللبّ بالكلية. فالقشر الأول: هو أن تقول بلسانك لا إله إلا الله، وهذا يسمى توحيدا مناقضا للتثليث الذي صرّح به النصارى، ولكنه قد يصدر من المنافق الذي يخالف سرّه جهره.

والقشر الثاني: أن لا يكون في القلب مخالفة وإنكار لمفهوم هذا القول، بل يشتمل ظاهر القلب على اعتقاده وكذلك التصديق به وهو توحيد عوام الخلق، والمتكلمون كما سبق حراس هذا القشر عن تشويش المبتدعة.

والثالث: وهو اللباب: أن يرى الأمور كلّها من الله تعالى رؤيةً تقطع التفاته عن الوسائط، وأن يعبده عبادةً يفرده بها فلا يعبد غيره. ويخرج عن هذا التوحيد أتباع الهوى؛ فكلّ متبع هواه فقد اتخذ هواه معبوده، قال الله تعالى: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ } (الجاثية: 23)…". ا.ه

 

 لقد عبّر الإمام الغزالي بهذه الكلمات القليلة عن أزمة علم التوحيد الذي كان شائعا في عصره، والذي استمر في عصرنا في إطار علم الكلام، وهي إغفال أبرز ما في التوحيد من مضامين ومعانٍ، فكيف حدث ذلك؟

 

كيف أفسدت القواعد الفلسفية مفهوم التوحيد؟

حدث ذلك عندما تبنّى المتكلّمون المسلمون قواعد الفلسفة والمنطق الأرسطي في تناول قضايا الإيمان، فحين تدخل قضية الإيمان إلى مضمار الفلسفة تفقد مضمونها الحقيقي الفاعل. كان على المتكلّمين -وبحسب طرائق أهل الفلسفة- أن يعرّفوا الإيمان تعريفًا جامعًا مانعًا. وكان الانحراف عن منهج الدين هنا هو البحث عن "ماهية" الإيمان، تلك التي إنْ ذهبتْ ذهبَ الإيمان كلّه، غافلين عن كون الإيمان حقيقة مركّبة كما يظهر في كتاب الله. وقد لجأ المتكلّمون في هذا السياق إلى التعريف اللغوي للإيمان، وكأنّ الإيمان الذي هو تكليفٌ شرعي في كتاب الله ليس له تعريف شرعي كما هو حال الصلاة والزكاة والحجّ وغيرها من التكاليف الشرعية التي يؤخذ تعريفها من الشرع، فكان الخطأ هو سلوك مسلك الفلاسفة في التعريف، وتنكّب طريق الشرع ومنطق العربية.

  

لقد كان الغالب على مفهوم الإيمان في كتاب الله هو إفراده سبحانه بالعبادة مع تصديق كلّ ما أخبر به على ألسنة رسله. لكنّ هذا المفهوم اقتصر عند المتكلّمين في الغالب -وبأثر من منهج الفلاسفة- على مفاهيم نظرية يجب اعتقادها
 

ومن أجل بيان الطريق المختلف الذي اتخذه المتكلّمون في علم العقائد، فلنعقد مقارنة بينه وبين علم الفقه، وهو علم لم يتأثر إلا قليلا بمنهج الفلسفة، سنجد أنّ الفقهاء لم يعرّفوا الحجّ بأنّه القصد، ولا الزكاة بأنها الطهارة، ولا الصلاة بأنها الدعاء (وهي معان لغوية لها) بل عرّفوا هذه الاصطلاحات وغيرها بتعريفها الشرعي، أي كما عرّفها الله في كتابه وعلى لسان رسوله، ولم يقدّموا عليه التعريف اللغوي. ولكن المتكلّمين سلكوا مسلكًا آخر على النحو الذي قدمناه. ومن هنا نتج لديهم أنّ الإيمان هو التصديق، أو الإقرار، أو غير ذلك على خلاف بينهم. ولكن الذي يجمع بين الكثير منهم هو حصر قضية الإيمان في الشأن "العلمي" و"الاعتقادي"، وضمور الشأن "العملي" و"الإرادي"، رغم أنّ هذا الشأن العملي الإرادي هو أساس قضية الإيمان ولبّ لبابها.

 

أما حيادهم عن منطق العربية فهو أنّ الألفاظ في العربية لا تدلّ دائما على معناها الأصلي في القاموس، بل يدخل عليها معنى اصطلاحي عرفي، كلفظ "الدابّة" مثلا؛ فقد كان في أصل اللغة لكلّ ما يدبّ على الأرض، حتى أصبح في عُرف العرب اسما لِما يُركب من الحيوان، وأصبح في بعض إطلاقاته في الشرع اسما للدابّة المخصوصة التي هي من علامات الساعة. فمن قرأ آية الدابّة أو حديثًا عنها لا يلجأ للتعريفات اللغوية، ولا للطرائق الفلسفية لمعرفة ماهيّتها، بل يلجأ إلى ما عرّفها به كتاب الله وسنّة رسوله، وكان هذا الذي ينبغي فعله لمعرفة ما هو الإيمان.

 

لا يمكن للعقل أن يستخلص معرفةً بتلك المعاظلات الذهنية حول الله والقدر واليوم الآخر والملائكة وغيرها، ولا مصدر لمعرفة ما يحتاجه الإنسان من تفاصيل حول هذه القضايا الإلهية الغيبية إلا الوحي

لقد كان الغالب على مفهوم الإيمان الذي يكون به الإنسان مؤمنا ناجيا يوم القيامة في كتاب الله هو إفراده سبحانه بالعبادة مع تصديق كلّ ما أخبر به على ألسنة رسله. ولكنّ هذا المفهوم للإيمان أو التوحيد اقتصر عند المتكلّمين في الغالب -وبأثر من منهج الفلاسفة- على مفاهيم نظرية يجب اعتقادها. وكأنّ كتاب الله سبحانه كان مجرّد أخبار يجب العلم بها وتصديقها فحسب، ولم يكن -إلى جانب الأخبار- أوامرَ ونواهيَ يجب قبولها والالتزام بها. قال سبحانه: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام: 14). وقال عزّ وجلّ: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} (الأنعام: 114). فلم يكن الغرض من هاتين الآيتين المبيّنتين لبعض أصول التوحيد مجرّد العلم بذلك وتصديقه، وإنما كان المراد "ابتغاء" و"اتخاذ"، وهي أعمال مبنية على إرادات، فمن يتخذ غير الله وليّا  كان من المشركين بحسب الآية ولم يكن مؤمنا، ومن ابتغى غيره سبحانه حكما يقبل شرعه فهو من المشركين كذلك ولم يكن مؤمنا. من هنا نعلم كم نُغفل من أصولٍ وحقائقَ حين يصبح الإيمان مجرّد اعتقاد وتصديق!

 

لقد كان أثر الفلسفة على علوم العقائد الإسلامية هائلا ابتداء من هذه النقطة، أي نقطة تعريف الإيمان والتوحيد وسلوك مسلك الفلسفة في ذلك دون مسلك الشرع ومنطق العربية، لينحصر موضوع الإيمان والتوحيد في المجال "العلمي" و"الاعتقادي"، وليُترك المجال العملي ابتداءً من القرن الثالث للتوجّهات الصوفية، التي كانت صادقة جدّا في البداية في ملاحظة هذا الفراغ الإيماني في طرح المتكلّمين، ولكنّها لم تلبث أن بدأت تنهل هي الأخرى من الفلسفات والعقائد غير الإسلامية، ليتحوّل التوحيد عند الحلاج إلى اتحاد الناسوت باللاهوت، وليصبح عند ابن عربي شيئا مختلفا عن توحيد القرآن، وهو أنّه لا شيء موجودا على الحقيقة غير الله!

 

وليست هذه القضية الخطيرة إلا أثرا واحدا من آثار منهج الفلسفة على الطرح العقدي عند المسلمين، فقد تأثر هذا الطرح بالفلسفة تأثرا بالغا حين خاض في قضايا الغيب – كصفات الله وأفعاله مثلا – بالعقل المجرّد، دون أن يدرك بأنّ القواعد المنطقية والأدوات العلمية لا يمكنها تناول قضايا الغيب، وأنّ العقل لا يمكنه أن يستخلص معرفةً بتلك المعاظلات الذهنية حول الله والقدر واليوم الآخر والملائكة وغيرها، ولا مصدر لمعرفة ما يحتاجه الإنسان من تفاصيل حول هذه القضايا الإلهية الغيبية إلا الوحي. أما العقل فمجاله الحيوي لإنتاج معرفة جديدة أو استخلاصها هو ما تدركه الحواس.

 

كيف أثّرت الفلسفة على علم النحو؟

نشرتُ عام 2012 دراسة صغيرة كنت قد كتبتها أثناء دراستي لموضوع التعليم والتدريس في الجامعة، وكانت بعنوان "مشكلات تدريس النحو العربي وعلاجها". كنت في تلك الفترة مدركًا لطبيعة الخلل في تدريس علم النحو، وتحدّثت عن إحساسي "بوجود فجوات عميقة يتخلَّلها الدرس التقليدي للنحو العربي، تعود جذورُها إلى تاريخ هذا العلم وتطوُّره عبر العصور"، ولكني لم أربط ذلك بالفلسفة. كتبت في تلك الدراسة بأنّ "النظرة إلى درس النحو في هذا البحث، تَتَّجه نحو وضْعه الوظيفي السويّ، ووضعُه الوظيفي السويّ هو دراسة ما يمكِّن الطالبَ من فَهْم النصوص العربية، ومن تقويم لسانه وقلمه حين يريدُ إنشاء النصوص تحدُّثًا وكتابةً، بعكس ما هو سائد -إلى حدٍّ ما- من التركيز الكبير على إتقان "الإعراب" كما وصل إلينا في شكله الأخير، المليء بالتعقيدات، وما يمكن التنازل عنه في طريقنا نحو فَهم النصوص أو تقويم اللسان والقلم". ا.هـ

 

تمثال لابن خلدون في ساحة الاستقلال بتونس  (مواقع التواصل)

 

ولقد أشار العلامة ابن خلدون في مقدّمته الشهيرة إلى أصل الخلل في دراسة العربية، وقال إنّ ملكة اللسان العربي أصبحت شيئًا غير صناعة العربية، وعلّل ذلك بقوله "والسبب في ذلك أنّ صناعة العربية، إنما هي معرفة قوانين هذه الملكة ومقاييسها خاصة، فهو علم بكيفيَّة، لا نفس كيفيَّة، فليست نفس الملكة، وإنما هي بمثابة مَن يَعرف صناعة من الصنائع علمًا، ولا يُحكِمها عملاً، مثل أن يقول بصيرٌ بالخياطة غير مُحكِم لمَلَكتها -في التعبير عن بعض أنواعها-: الخياطة هي أن تُدخل الخيط في خَرْت الإبرة، ثم تَغرزها في لفقي الثوب مجتمعين، وتُخرجها من الجانب الآخر بمقدار كذا، ثم تردَّها إلى حيث ابتدأت، وتخرجها قدَّام مَنفذها الأول بمطرح ما بين الثقبين الأوَّلين، ثم يتمادى على وصْفه إلى آخر العمل، ويعطي صورة الحبْك والتنبيت والتفتيح، وسائر أنواع الخياطة وأعمالها، وهو إذا طُولِب أن يعمل ذلك بيده، لا يُحكِم منه شيئًا". ا.هـ

 

 ثم يستمرّ ابن خلدون في بيانه مشبّها ذلك بما حدث في علم النحو قائلا "وهكذا العلم بقوانين الإعراب مع هذه المَلكة في نفسها، فإنّ العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفيَّة العمل، وليس هو نفس العمل، وكذلك تجد كثيرًا من جهابذة النحاة والمَهَرة في صناعة العربية، المحيطين علمًا بتلك القوانين، إذا سُئِل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذي مَودته، أو شكوى ظُلامة، أو قصدٍ من قصوده، أخطأ فيها الصوابَ، وأكثَرَ من اللحن، ولم يجد تأليف الكلام لذلك والعبارة عن المقصود فيه على أساليب اللسان العربي، وكذا نجد كثيرًا ممن يُحسن هذه المَلَكة، ويُجيد الفنَّين من المنظوم والمنثور، وهو لا يُحسن إعراب الفاعل من المفعول، ولا المرفوع من المجرور، ولا شيئًا من قوانين صناعة العربية" ا.هـ

 

فلسفة الإسلام العملية

لم يربط ابن خلدون هذا الخلل الصارخ الذي لاحظه في علوم العربية وعلم النحو تحديدا بالفلسفة، ولكن من يراجع تطوّر علم النحو والدراسات التي كُتبت حوله سيدرك إدراكًا لا شبهة فيه أنّه تأثر بالفلسفة، وذلك حين تم تكثيف التعريفات والقوانين الكثيرة لكل ظاهرة من ظواهر العربية، وأصبح الشغل الشاغل للمشتغلين بهذا العلم تعريف هذه الظواهر وتخصيصها وتحليل أسبابها، وهو ما نلاحظه بشدّة في علم الإعراب، والذي لا زال الكثير من مدرّسي العربية يعدّونه معيار القوة والإتقان للعربية، فالطالب الماهر بالإعراب هو الماهر بالعربية، حتى لو كان عاجزا عن إنشاء نصّ عربي سليم أو التحدّث بالعربية بطلاقة!

 

ولقد أغرق النحاة منذ سيبويه في تقعيد علم النحو إلى درجة الخوض في تحليل أسباب تلك الظواهر التي في لسان العرب، فخرجوا بتحليلات فلسفية لا طائل وراءها أولا، ولا سبيل إلى التوثّق من صحّتها بمنهج علمي ثانيا. وهاتان الآفتان تحديدا -عدم النفع، والتحليل بلا دليل علمي- هما ممّا ذكرنا من محاور الفلسفة التي أثرت سلبًا على العلوم الإسلامية في بداية التدوينة.

 

لم يكن ابن خلدون بدعًا في رأيه، بل كان معبّرا عن الفلسفة العملية للتعليم في الحضارة الإسلامية، ولقد تعلّم سيبويه نفسه العربية حين خالط الأعراب في أسواق البصرة، وكذلك كان فحول العربية الأوائل

إنّ حفظ قواعد الإعراب ليس هو الطريق إلى إتقان العربية فهمًا وكتابةً ونطقًا (وهو الهدف من تعلّمها)، حتى لو ساهم في تجنّب الأخطاء النحوية. وكذلك تحليل الظواهر ومعرفة سبب وجودها هو ضرب في التيه بلا دليل، ولطالما تبسّمتُ في دروس النحو من تحليلات سيبويه وابن جنّي رحمهما الله – على جلالة قدرهما وعظيم فضلهما – لِما يسردانه من تحليلات لا دليل عليها، كمحاولة منهما لتفسير سبب هذا الاستخدام اللغوي أو تلك الحالة الإعرابية عند العرب! فما نفعُ هذه التحليلات لدارس العربية وكلُّ ما يريده هو أن يتعلّم العربية فهمًا ونطقًا وكتابة؟

 

لقد أشار ابن خلدون إلى "الفلسفة العملية" لدراسة العربية، تلك الفلسفة التي هي ألصق بالفطرة الإنسانية وأقرب للتعلّم النافع من طرائق الفلسفة. قال رحمه الله "ووجْهُ التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويَروم تحصيلها، أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث، وكلام السلف، ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم، وكلمات المُولَّدين أيضًا في سائر فنونهم، حتى يتنزَّل -لكثرة حِفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور- منزلةَ من نشَأ بينهم، ولَقِن العبارة عن المقاصد منهم، ثم يتصرَّف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره على حسب عباراتهم، وتأليف كلماتهم، وما وعاه وحَفِظه من أساليبهم، وترتيب ألفاظهم، فتحصُل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال، ويَزداد بكثرتها رسوخًا وقوة، ويحتاج مع ذلك إلى سلامة الطبع والتفهُّم الحسَن لمنازع العرب وأساليبهم في التراكيب، ومراعاة التطبيق بينها وبين مُقتضيات الأحوال، والذوق يَشهد بذلك، وهو ينشأ ما بين هذه المَلكة والطبع السليم فيهما كما نذكر بعدُ. وعلى قدر المحفوظ وكثرة الاستعمال، تكون جودة المقول (المؤلّف) نظمًا ونثرًا، ومن حصَل على هذه المَلكات، فقد حصل على لغة مُضَر، وهو الناقد البصير بالبلاغة فيها، وهكذا ينبغي أن يكون تعلُّمها، والله يهدي من يشاء". ا.ه

 

 لم يكن ابن خلدون بدعًا في هذا الرأي، بل كان معبّرا عن الفلسفة العملية للتعليم في الحضارة الإسلامية، ولقد تعلّم سيبويه نفسه العربية حين خالط الأعراب في أسواق البصرة، وكذلك كان فحول العربية الأوائل، أتقنوا العربية وتركوا لنا نصوصًا باهرة فيها دون أن يعرفوا علم النحو وقواعد الإعراب، بل بمخالطتهم لقبائل العرب ومعايشتهم لهم.

 

***

بعد هذه المراجعة السريعة لعِلمين مهمّين من العلوم الإسلامية، ندرك كيف أثّر منهج الفلسفة (بمحاوره التي ذكرنا في أول التدوينة) في إفساد هذين العِلمين. ولستُ أهدف في هذه التدوينة إلى هدم هذه العلوم أو شطبها من حساباتنا، بل المراد إصلاحها بمعايير علمية. وفي إطار جهدي المتواضع قدّمت في بيان منهجية دراسة العقائد الإسلامية تدوينة تحت عنوان "أين أخطأ علماء العقائد المسلمون؟"، فصّلت فيها أربع قواعد أرى وجوب التزامها في دراسة العقائد الإسلامية. وقدّمت في بيان منهج تدريس النحو العربي، الذي استفدت فيه من ابن خلدون وغيره وسمّيته منهج "معايشة النصوص"، دراستي المذكورة تحت عنوان "مشكلات تدريس النحو العربي وعلاجها". راجيًا الله سبحانه أن ينفع بها ويجعلها لبنة في سبيل النهوض بعلومنا.



حول هذه القصة

يثير كتاب للتربية الإسلامية في مرحلة الدراسة الثانوية في المغرب جدلا وانتقادا واسعين بين مدرسي الفلسفة والتربية الإسلامية، إذ يعد “الفلسفة أس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال ومثار الزيغ والزندقة”.

15/1/2017

أبرز المشاركون في المؤتمر العالمي الأول لتاريخ العلوم التطبيقية والطبية عند العرب والمسلمين، الذي تتواصل أعماله في العاصمة السعودية الرياض، تأثير الثقافة العربية والإسلامية في النهضة الأوروبية والحضارات الأخرى.

4/5/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة