ضحايا السيطرة.. مسلمو بورما كنموذج للاضطهاد السياسي

صحيح أنّنا نتأثر بعمق تجاه مَشاهد العنف والتنكيل بالأبرياء في هذا العالم؛ لكن في ذات الوقت علينا ألا نبقى مشوشين طويلاً أمام هكذا مَشاهد! معظم هذه الملاحم التي تدور رحاها على الأرض اليوم ليست سوى نتيجة حتميّة لصراع محتدم وغير مباشر حتى الآن بين القوى العظمى؛ ومن الممكن جداً أن نواجه كوارث إنسانية أخطر عشرات المرات إذا تطورت الأمور ونشب صراع مباشر بين المحور (الإنجلو-أمريكي) والمحور (الروسي-الصيني)، الأزمات المشتعلة في سوريا وأوكرانيا وميانمار الآن والشيشان والبوسنة مسبقاً هي أمثلة حية على صراع النفوذ بين القوى العظمى وعلى هوامش ذلك الصراع يتولد العنف الديني والطائفي والعرقي وتبقى الحقيقة الأبرز هنا أنّ الأبرياء ومهما كان دينهم أو عرقهم ومهما كان المحور الذي يستخدمهم ليسوا سوى ضحايا للأطماع الاستعمارية المغلفة بألوان الانتصار للإنسانية ونشر الديمقراطية هنا وهناك .لكن السؤال الذي يحتاج إلى إجابة شافية هنا هو:

 

 لماذا المسلمين هم غالباً ضحايا هذه الصراعات العالمية؟! 
الجواب ببساطة أنّ فاتورة الصراعات دائما ما يسددها الطرف الأضعف، وفي عالم السياسة الطرف الأضعف هو من يفتقر لدول أو دولة قوية وفاعلة على الساحة الدولية تقف لحماية مصالحه وهذا تماماّ ما يفتقر إليه المسلمين إلى الآن على العكس من المسيحية والبوذية والهندوسية واليهودية، ولعل المسلمين أفضل من غيرهم أحيانا فمثلا أزيدي الموصل عبر التاريخ لم يجدوا دولة واحدة تحميهم من تبعات صراع النفوذ في العراق في حين أن من مسلمي بورما مثلا تقف معهم تركيا وقفة تاريخية مشرفة تؤسس بلا شك لدور تركي أكبر في قيادة العالم الإسلامي.

 

بالرغم من ذلك فإن صراع القوى العظمى مزّق أوكرانيا الدولة ذات الغالبية المسيحية وكانت التبعات إزهاق العديد من الأرواح هناك، أمريكا أيضاً وقفت مع مسلمي البوسنة ضد المسيحين الصّرب ومع المجاهدين الأفغان ضد المسيحين الروس وهذا يأكد أن الاعتبار الأساسي للاقتتال في هكذا أزمات هو مصالح القوى العظمى السياسية وليس التوترات العنصرية.

ضمن هذه المقدمة كيف يمكن فهم قضية بورما؟!
ما يحدث اليوم في ميانمار جزء من هذه اللعبة لأن القضية بمجملها مجرد محاولة من المعسكر الغربي (الإنجلو-أمريكي) لتحويل إقليم أراكان لجيب تحت نفوذه في خاصرة الصين الجنوبية المطلة بشكل استراتيجي على المحيط الهندي، ميليشا من مسلمي أراكان تحت مسمى جيش إنقاذ الروهينغيا تشكلت بهدف ردع العدوان البورمي البوذي على المسلمين؛ إلّا أنّ هذه الميليشيا يقودها عناصر من الروهينغيا تعيش في دولة مسلمة حليفة للولايات المتحدة وبريطانيا حسب مجموعة الأزمات الدولية (ICG) ، وبالمقابل التحالف الوثيق اقتصاديا وسياسيا بين الجيش البورمي والصين يدفع بورما لرد فعل عنيف جدا وغير متخيل تجاه أي هجمات من مسلمي أراكان وهذا العنف جزء طبيعي من هوية دولة شمولية كالصين وحلفيتها بورما.

إقليم أراكان الذي كان بالفعل مملكة مستقلة لمدة ثلاثة قرون ونصف (١٤٣٠-١٧٨٠)م وقع تحت سيطرة حكومة ميانمار بعد استقلالها عن بريطانيا عام ١٩٤٨م؛ وبسبب أغلبية المسلمين المطلقة في الإقليم التي تمكنه من الاستقلال في حال إجراء استفتاء شعبي؛ تسعى بورما لتهجير أهله وتغيير الخارطة السكانية فيه دفاعا عن مصالحها ومصالح الصين من ورائها وفي ذات الوقت تندد أمريكا وبريطانيا بالعنف والتهجير وتطالب بالسماح بإدخال المساعدات الدولية وفريق تقصي الحقائق إلى أراكان. مسرحية لا أخلاقية بعنوان الإنسانية يحاول تقديمها الغرب وعنف صريح بلا مسرحيات يقدم عليه الشرق والهدف الأساسي هو الصراع على النفوذ.

لا أرغب بالمرور عن الدور التركي الذكي الذي استطاع ابتداءً أن ينتصر على كل الأطراف إنسانيا عبر المساعدات الضخمة التي قدمها لضحايا الروهينغيا، لكن السؤال لماذا سمحت ميانمار بإدخال المساعدات التركية ومنعت نشاط الهيئات الدولية الأخرى؟!

ما يعنينا كبشر ابتداءً وكمسلمين بداهةً بعد واجب الوقوف الإنساني مع ضحايا النزاعات بالعالم أن نفهم حقيقة أي صراع كي تخدم ردود فعلنا مصلحة الأبرياء دون أن توظف قوى الاستعمار تلك الردود في صالحها

بتحليلي أن تركيا نجحت مؤخرا في عقد تفاهمات غير مسبوقة مع الشرق وخصوصا مع روسيا حيث تجاوز البلدان في وقت قصير أزمة عميقة نشأت بعد حادثة إسقاط الطيار التركي لمقاتلة روسية في سوريا، إضافة إلى قطع البلدان أشواط مهمة لصفقات سلاح ضخمة مع السعي التركي الحثيث للانضمام للمنظمات الاقتصادية الآسيوية، هذا الانفتاح التركي باتجاه الشرق سمح للمحور الروسي الصيني بالثقة بقدرة تركيا على لعب دور حيادي وتقديم مساعدات إنسانية مجردة من السياسة الغربية على عكس المنظمات الخيرية التابعة للأمم المتحدة والمخترقة غربيا إلى حد بعيد.

لكن هل المساعدات التركية فعليا يمكن أن تكون خالية من السياسة؟!
الدور الحيادي الذي تلعبه تركيا يجعل منها عنصرا ثميناً لدى طرفي الصراع العالمي فميانمار والصين تتمنيان على تركيا إيصال رسالة إلى مسلمي أراكان أنهم ضحايا لعبة دولية وأن بإمكانهم العيش بأمان مثل أكثر من ثلاث مليون مسلم آخر يعيشون في بورما خارج إقليم أراكان، وفي المقابل ترتجي أمريكا وبريطانيا أن يستقوي مسلمي الروهينغيا بالدعم الإنساني التركي لتتصاعد المواجهات مع الجيش البورمي مما قد يمهد لدور دولي في الإقليم. ولا ننسى أن تركيا باتت تستحوذ على مساحة أكبر في قيادة العالم الاسلامي بسبب هكذا مواقف إنسانية.

أخيراً ما يعنينا كبشر ابتداءً وكمسلمين بداهةً بعد واجب الوقوف الإنساني مع ضحايا النزاعات في العالم أن نفهم حقيقة أي صراع كي تخدم ردود فعلنا مصلحة الأبرياء دون أن توظف قوى الاستعمار تلك الردود في صالحها، فمثلا من السذاجة المطلقة أن نكون جزءا من التجييش الديني في قضية أراكان لأننا نخدم مباشرة المخطط الغربي، ومن السذاجة أيضا التبخيس من هول الاضطهاد البورمي لمسلمي الروهينغا لأن في ذلك خدمة مجانية للمحور الشرقي، المطلوب هو الاستمرار في توضيح البعد السياسي للأزمات الذي بدوره سيسهم في تخفيض التوتر والعنصرية الدينية ويوفر بداية ممكنة للخروج بحلول إنسانية وسياسية تحفظ أرواح الأبرياء وتحول دون احتكار القوى الاستعمارية لحلول الصراعات.



حول هذه القصة

ناشدت واحدة من كبرى المنظمات الإسلامية بألمانيا حكومة برلين التدخل عاجلا لإيقاف ما يتعرض له مسلمو الروهينغا بميانمار من قتل وتهجير، كما تظاهر العشرات بالعاصمة الألمانية تضامنا مع الروهينغا.

10/9/2017

رفضت حكومة ميانمار هدنة أعلنها جيش “أرسا”، وواصل جيشها استهداف المدنيين في أراكان والفارين باتجاه الحدود مع بنغلاديش، كما انتقل التوتر إلى وسط البلاد إثر مهاجمة عشرات البوذيين لممتلكات المسلمين.

11/9/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة