المازة اللبنانية.. والشواء

إذا أردت أن ترى مراهقاً تجاوز الستين، فتفضل. تعال كي تراني وأنا أتحدث عن آخر شخص أقوم بذبحه بالسكين.
 

عندما أمسك بتلابيب مؤلف وأُحبه فأنا أظل أغرس سكيني في أحشاء مؤلفاته حتى أستنزف دمه. وتراني مهتاجاً متحمساً كأي مراهق اكتشف شيئاً جديداً. لا أنصحك بأن تجلس إليَّ وأنا في حالة الذبح فسوف أُصدِّع رأسك بالحديث عن المؤلف وأفكاره وكتبه.

 

وضحيتي هذه الأيام بيل برايسون. مسكين! ومساكين أنتم! فهلمَّ أحدثكم عنه. له في السوق عشرون كتاباً، وقد أتيت على الأربعة الأخيرة في الشهرين المنصرمين. وفي الواقع فقد بقي كتاب لم أقرأه بعد. رأيت الرجل يكتب عن ترحاله في أوروبا وأستراليا وأميركا، ساخراً سخرية لذيذة، ساخطاً على أمور صغار، لاهياً عابثاً. هو أميركي عاش 25 سنة في أميركا، و40 سنة في بريطانيا. (لا تتعب نفسك بالحساب، هو الآن في الـ 65 من العمر).

 

كتب عن اللغة الإنجليزية أربعة كتب، والرجل رغم خفته ورشاقة أسلوبه كان وهو في العشرينات من عمره مدققاً في أهم جريدة إنجليزية وقتئذ: "التايمز". هو فحل من فحول اللغة، وهو يسخر من قواعد هذه اللغة وإملائها. لكنه يعرف كيف يسخر، لأنه يعرف اللغة. مبيعاته في بريطانيا هي الأعلى، إذا استثنيت كتب الطبخ وقصص الأطفال.

 

خطر بباله أن يكتب كتاباً عن "العلم". وهو رجل ترك الجامعة في السنة الثانية، وعاد إليها متأخراً ليحصل على البكالوريوس. هو رجل لا يعرف الكثير عن العلم، لذلك كتب كتابه "تاريخ مختصر لكل شيء تقريباً". ولأنه لا يعرف فقد ذهب يسأل العلماء، وابتلع مئات الكتب. وجاء كتابه -وهو فيما أعلم الوحيد الذي ترجم إلى العربية- تحفة من التحف. انتقده أحد العلماء قائلاً "ما يغيظني أنه ليس في الكتاب أخطاء". استغل برايسون جهله فتعلم، وكتب كتاباً رائعاً عن العلم: الكيمياء والفيزياء والجيولوجيا، إلخ. وبسرعة البرق كرمته الجمعية الملكية للعلوم (هذه الجمعية التي كان رئيسها ذات يوم إسحاق نيوتن)، وكلفته بتحرير كتاب كبير عن تاريخ الإنجازات العلمية للجمعية. ولقي التكريم الملكي، وأصبح رئيساً لجامعة دورهام، ونال -حتى الآن- عشر دكتوراهات فخرية. كل هذا وهو رجل ساخر سخرية حلوة، عابث عبثاً جميلاً، يتناول الأفكار بخفة مدهشة.

 

الكاتب الأميركي بيل برايسون وكتابه "تاريخ مختصر لكل شيء"، كما أن له العديد من الكتب في مواضيع شملت السفر واللغة والعلم
  

ماشيته لأرى آخرتها معه، فهذا أميركي أبيض. وأنا مستعد أن "لا" أحبك يا برايسون إذا لم يكن لك موقف من تاريخ أميركا. ويا لروعة ما اكتشفت!

 

كنت قديماً أقرأ تاريخ الولايات المتحدة في كتاب أميركي جامعي من جزأين كبيرين. تاريخ مشذب، مثير للاشمئزاز، مليء بأنصاف الحقائق، وبالأكاذيب أيضاً. المؤسسة الأميركية بالغة الرداءة في تقديم صورة مشرقة لتاريخ مليء بالوحشية. هم في هذا أسوأ من الأنظمة القمعية التي تشوه التاريخ.

 

ترسانة برايسون هي: الجلَد على البحث العميق والواسع، والأسلوب الأخَّاذ، والخفة، وامتلاك ناصية اللغة

وجاء بيل برايسون الساخر، جاء عنيفاً، لكن بكلمات تقطر هزءاً. ورأيت عنده كيف كان الهنود الحمر يساعدون الواغلين البيض في الزراعة، وفي التعرف على البيئة الصعبة، وكيف أمعن "أجداده" البيض في تقتيل الهنود الحمر بعد ذلك. وحدثني عن السود. نقل إلي إعلاناً نشرته جريدة أميركية قديمة "عبيد للبيع. امرأة سوداء، 24 عاماً، وطفلان، في الثامنة والرابعة من العمر. العبيد المذكورون يمكن بيعهم جملة أو فرادى، بحسب الرغبة". وبعبارة صغيرة لفت المؤلف النظر إلى أن حالة التفريق بين الأم وأولادها كانت أمراً سائداً. حتى نحن في عصور الجواري المظلمة كنا إذا ولدت الجارية ارتقت عن مرتبة العبودية، وأصبحت تسمى "أم ولد"، ولم يجز عليها ولا على أولادها بيع ولا شراء.

 

مزق برايسون كثيراً من الأساطير التي حيكت عن "الآباء المؤسسين" وعن الرؤساء المشهورين. اسمعه ينقل لك كلمات محرر العبيد أبراهام لنكولن حرفياً "لست، ولم أكن قط، مع إحداث مساواة اجتماعية أو سياسية بأي شكل بين العرقين الأبيض والأسود… لم، ولن أؤيد أن يصبح السود ناخبين ولا أعضاء هيئة محلفين، ولا أن يتم تأهيلهم لشغل منصب عام، ولا أن يعقد أي زواج بينهم وبين البيض".

 

مزق برايسون أكاذيب التاريخ الأميركي الرسمي بلا رحمة. لكن بالحقائق والاقتباسات، وبغير الانزلاق في النواح. لقد شمخ برايسون في نظري إنساناً طاهراً من دنس العنصرية.

 

ترسانة برايسون: الجلَد على البحث العميق والواسع، والأسلوب الأخَّاذ، والخفة، وامتلاك ناصية اللغة. شيء آخر أقوله لك عن بيل برايسون: قد شاهدت بضع محاضرات له على اليوتيوب، هو خجول، ومتلعثم. وفي اللقاءات يظل خجولاً، ولكن عقله يفيض بالفكاهة الحلوة. وشيء أخير أقوله لك عنه: لم أجد أحداً يملك من سعة المعرفة (العامة) ما يملكه بيل برايسون.    

 

الأمم المتقدمة فيها ملايين ممن لا يطيقون قراءة كتاب. لكن فيها ملايين أخرى ممن يقرأون الكتب. وهنا يمكن الفرق بين أمة متخلفة وأمه متقدمة
 

الإنترنت مثل المازة اللبنانية: يفرشون أمامك على المائدة 57 صحناً صغيراً فيها من السلطات ما تعرفه وما لا تعرفه، وتظل تنقنق، ثم يأتي الشواء فتعافه نفسك.

الإنترنت طريف: ترى فيه أعلى عمارة وأطول جسر، وترى السيارة التي تشقلبت خمس مرات، وترى الرقص الشرقي.. وترى طبعاً أشياء أخرى أنت تعلمها وأنا لا أعلمها. لكن الكتاب هو العمق، وهو المعرفة. وسيظل كذلك مدة من الزمن.

 

توجيه الناشئة نحو الكتاب يجب أن يأتي من الأعلى: من البيت، والمدرسة، وحتى الحكومة. لا ليس من الجامعة، فالذي وصل إلى الجامعة دون أن يكمل قراءة كتاب لن يصبح قارئاً أبداً.

 

فماذا أقول لأحد تلامذتي وقد جاءني يقول "أنا لا أقرأ الكتب، ولن أتغير. وها هو الجدار يا أستاذ فاضرب رأسك به". أقول له: المرء لا يصبح إنساناً بقراءة الكتب. أنت إنسان حتى لو كنت أمياً. وقد يصبح كاره الكتاب تاجراً، أو موسيقاراً، أو عاملاً، أو صاحب مصنع. الكتاب ليس شرطاً لإنسانية الإنسان. وما أكثر المثقفين المتعصبين والقارئين الذين قل نصيبهم من الشهامة والشرف. أنت إنسان بقلبك. والأمم المتقدمة فيها ملايين ممن لا يطيقون قراءة كتاب. لكن فيها ملايين أخرى ممن يقرأون الكتب. وهنا يمكن الفرق بين أمة متخلفة وأمه متقدمة. الأمة المتخلفة فيها قلة قليلة تقرأ بنهم وتملك المعرفة الواسعة، وهذا لا يكفي للنهوض.

 

قد سمعت بالإحصاء الذي يقشعر له البدن: العربي يقرأ ست دقائق في السنة مقابل 200 ساعة للأوروبي. وهذه مبالغة طبعاً، فلا تنقل عني هذا الإحصاء القائم على تخمينات. خذ إحصاء آخر له أساس قوي: في بريطانيا ينشر كل عام 184,000 كتاب مختلف. وهذا أكثر بمئة مرة مما ينشر في المغرب والجزائر معاً (وهما في عدد السكان أكبر من بريطانيا). ففي البلدين العربيين، اللذين ليس فيهما حرب ولا ربيع عربي، ينشر أقل من 1700 كتاب.    



حول هذه القصة

عسر القراءة إحدى صعوبات التعلم، وهي حالة يكون فيها الدماغ غير قادر على التعرف على ومعالجة رموز معينة، وتسمى أيضا الديسلكسيا (Dyslexia).

28/6/2017

كشفت جامعة قطر عن تفاصيل “موسوعة الاستغراب” وهي الأولى والأضخم بالعالم الإسلامي، ومن أهدافها تقديم مشروع عملاق للأجيال تنهل منه بمختلف دراساتها المتعلقة بالغرب، وتُسهم في فهم بنيته الحضارية والاجتماعية.

21/3/2017

توظف الصين فريقا ضخما من عشرين ألف عالم لإنشاء نسخة صينية من موسوعة ويكيبيديا الحرة سيتم نشرها على الإنترنت العام المقبل، لكن هذه الموسوعة الصينية لن تكون حرة تماما.

2/5/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة