السوريون في تركيا.. نظرة تأملية

تأملتُ واقع السوريين في تركيا بما فيه تفاصيل حياتهم المعروضة على وسائل الإعلام، والتي تتضمن أحوالهم المادية والنفسية دون النظر – إلا قليلاً – لخفايا المجتمع وأسراره الغائبة عن الطرح، فقناعات وأفكار السوريين بدأت تتغير طبقاً لتقاليد المجتمعات المُضيّفة كنتيجة طبيعية لاندماج الأعراق والأديان والأجناس.

المجتمع السوري المُنقسم على نفسه والفارّ من جحيم الحرب في سوريا بدأ يخوض رحلةً شاقة في تركيا كونها أكثر من استضاف السوريين ومدّت لهم يد المساعدة، ولعلّ رحلة الاستقرار المالي تُعتبر الأصعب في ذهن الفرد السوري لأنها شريان حياته وأسرته، هكذا وصولاً إلى شكل الاندماج وقناعات السوريين بانتمائهم وتراثهم.

دخل السوريون عالم التواصل الاجتماعي أفواجاً وصارت السياسة وأخبار الحرب محور تفكيرهم ومنبت قناعاتهم، فوقعوا بين مطرقة أفكارهم المُتقلّبة والحقائق الماثلة أمامهم في بلادهم من جهة، وسندان الغُربة بتعايشها واندماجها من جهة أخرى. وبالنظر قليلاً إلى وضع من هم في تركيا نجد بأنّ الغالبية العظمى من اللاجئين السوريين تعيش صحوة فكرية دليلها حملات على مواقع التواصل تأخذ أشكالاً متعددة من نُصرة لقضية أو تحريض على فكرة معينة. ومن الشواهد أيضاً على الصحوة الفكرية أنّ السوريين انتبهوا لخذلان العالم لهم وبالأخص من كان صديق الأمس، فابتعدوا عن العواطف وبدأت القناعات تتشكل لديهم من جديد رغم صعوبة المرحلة.

بدأت عديد المشاريع التنموية تظهر للواجهة لاستغلال اليد العاملة في تحقيق مصلحة أكبر للسوريين. حتى النساء السوريات أدركنَ صعوبة الحال وبدأن بتأسيس ورشات عمل

المجتمع السوري اللاجئ بدأ يقتنع بفكرة طول إقامته في بلد اللجوء بعد أنْ كان يرفضها ويترقب أي حل يُعيده إلى بلده الأم (كمثال)، وبدأ يقتنع بضرورة العمل التجاري المستقل إذا ربطنا الفكرة الثانية بالأولى على اعتبار أن مدة إقامته في تركيا ستطول، ومن الصعب حينها تخيل استمرار الفرد السوري بالعمل الشاق الذي يجني به دخلاً مُتواضعاً. كما بدأ الفرد السوري يقتنع بأهمية التخطيط لحياته عموماً بعد أنْ كان تخطيطه مُقتصراً على لقمة العيش أو توفير المسكن والملبس.

وقد رأينا العديد من الشباب يتركون أعمالهم ويلتحقون بالجامعات التركية طمعاً في مستقبلٍ أفضل، وبدأت العديد من المشاريع التنموية تظهر إلى الواجهة لاستغلال اليد العاملة في تحقيق مصلحة أكبر للسوريين. حتى النساء السوريات اللاجئات أدركنَ صعوبة الحال وبدأت الكثير منهنّ بتأسيس ورشات عمل تضمّ كوادر تعليمية ومهنية.

فهم الحياة المادية شيء رئيسي ومتابعة الحالة النفسية للاجئين السوريين أمر ضروري هذا مما لا شك فيه، لكن أيضاً دعونا نقف على القناعات التي تُشكل الأساس لما سبق، وفهم طبيعة التغيرات الفكرية التي عاشها ويعيشها المجتمع السوري عموماً والفرد السوري خصوصاً باعتبار أنّ ضبط هذه التغيرات أو التحكم فيها سيؤدي تلقائياً إلى التغيير المالي والنفسي وما يليه استناداً إلى فلسفة (الأفكار تصنع الأموال) وهي في رأيي تُلخص جذور المشكلة التي عانى منها اللاجئون السوريون وبدأوا بتجاوزها تدريجياً منذ مدة. ويستعدون لمشوار جديد في بلادهم ما إنْ تهدأ عاصفة الحرب والتدمير.



حول هذه القصة

تحتضن جامعة “أدي يامان” التركية يومي 21 و22 أكتوبر/تشرين الأول المقبل النسخة الثانية من مؤتمر علمي دولي بعنوان “اللاجئون السوريون بين الواقع والمأمول” يتطرق لأحوال اللاجئين السوريين وسبل الارتقاء بها.

11/4/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة