الانتحار.. مرض أم كفر؟

مع كل حادث انتحار لأحد الشباب أو الشابات تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي بردود أفعال متباينة بين التعاطف الشديد مع المنتحر ورفعه لمصاف القديسين الذي دفع حياته من أجل توصيل رسالة احتجاج بذل فيها روحه من أجل أن تصل للناس وبين الإدانة العنيفة والمحاكمة التي توصمه بكل النقائص. وكأي ظاهرة إنسانية فالانتحار من التركيب والتعقيد وتعدد الأبعاد ما يجعل التعامل معه بالتسطيح أو الاستقطاب يتسبب في مزيد من التشوش الذي لا نحتاجه. لذا فسأحاول في السطور القادمة أن أجيب على التساؤلات المطروحة لفك الالتباس الحادث نتيجة أننا نتحدث على مستويات مختلفة نخلط بينها:

 

مستويات الانتحار:

قد يبدو الأمر غريبا هل للانتحار من مستويات؟ نعم نحن نتعامل في الطب النفسي مع ثلاثة مصطلحات:

* التفكير في الانتحار: حيث الأمر فكرة تراود الإنسان وتلح عليه وقد يعبر عنها وقد تظل فكرة داخله.

* محاولات الانتحار: حيث لا تنجح المحاولة في تحقيق هدف الشخص في إنهاء حياته.

* حدوث الانتحار: فعلا وفقدان الشخص لحياته.

 

لا مجال للسخرية أو الاستهزاء لمريض الاكتئاب خاصة بطريقة الاستخفاف بأعراضه أو معاناته وإيعازها لضعف شخصيته أو ضعف إيمانه.. هذه الطريقة بالتعامل تقتل المريض فعليا وتدفعه للانتحار دفعا سريعا
 

نقول إن الانتحار فكرةً ومحاولةً وتنفيذاً يعبر عن حالة اكتئاب شديدة يعاني منها الشخص فأحد محكات التشخيص للاكتئاب الجسيم هو تكرار الفكرة وإلحاحها أو محاولة أو القيام بالفعل. فهو علامة فارقة بين الاكتئاب الجسيم والاكتئاب التفاعلي الناتج عن حالة إحباط أو حزن نتيجة لفشل طارئ أو فقدان حبيب أو عزيز حيث يشعر الإنسان بالحزن وربما يعبر عن ذلك بشكل مباشر أو من خلال عدم رغبته في القيام بأنشطته المعتادة أو مقابلة أصدقائه ولكنه لا يفقد طعم الحياة ولا رغبته فيها ولا يعبر عن رفضه للحياة أو عن رغبته في مغادرتها أو إحساسه بعدم جدواها.

 

وهذه نقطة في منتهى الأهمية لأنه وبشكل مستمر عند مناقشة الانتحار يحاول الكثيرون في معرض البحث عن الأسباب أن يتحدثوا عن الأسباب الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو حتى الأسرية وما تسببه من إحباط.

 

أنواع الاكتئاب:

إذن فنحن نتحدث عن أنواع مختلفة من الاكتئاب ولكننا هنا نبسط الأمر حتى لا ندخل في تفاصيل علمية لا حاجة لنا بها. الاكتئاب البسيط أو التفاعلي وهو تجربة قد نمر بها جميعا مع ضغوط الحياة واحباطاتها ونصبح في مزاج متعكر ونقوم بأنشطتنا بصعوبة وربما تقل شهيتنا للطعام وربما يصبح النوم تجربة صعبة ولكن الإنسان مازال متماسكا يشكو من معاناته ويحاول الخروج مما فيه ويطلب المساعدة وهنا لا مجال لفكرة الانتحار أو محاولته.

 

يختلف الأمر كثيرا مع الاكتئاب الجسيم حيث فقدان طعم الحياة وفقدان الرغبة في عمل أي نشاط وحيث تبدو فكرة عدمية الحياة وبالتالي الإفصاح عن الرغبة في التخلص منها بل ومحاولة التخلص منها فعلا حيث يكون هؤلاء الأشخاص حساسون لضغوط الحياة لطبيعة نفسية خاصة.. فلو عاش هؤلاء الناس في ظروف أفضل إنسانيا وحياة أهدأ لربما لم يعبر الاكتئاب عن نفسه بهذه الصورة فهو نتاج تفاعل الظروف المحيطة مع كيمياء دماغهم الحساس واستعدادهم الوراثي وصفاتهم الشخصية.

 

النوعان من الاكتئاب يحتاجان المساعدة والتدخل ولكن النوع البسيط يكون الدعم النفسي والعلاج المعرفي والسلوكي له الدور الأكبر وتكون علاقات الأصدقاء والأقارب والمعارف خير عون. أما بالنسبة للنوع الثاني فبالإضافة لما سبق لابد من العلاج الدوائي والتدخل المتخصص السريع لأننا بصدد تهديد وخطر على حياة المريض متمثلا في سيطرة فكرة الموت والرغبة في إنهاء الحياة.

 

كيف نتعامل؟

إن المكتئب أصلا يكون مثقل بإحساس زائد من الشعور بالذنب تجاه كل شيء بحياته فإن توجيهنا له كأصدقاء أو معارف أو أهل بأن سبب اكتئابه هو بعده عن الله لن يساعده
 

لتكون الرسالة الواضحة لنا جميعا هو أننا يجب أن نتعامل بجدية وخطورة مع كل من يعبر عن رغبته في إنهاء حياته تصريحا أو تلميحا فنحن لسنا بصدد قضية فلسفية عن حق الحياة واختيارها من عدمه أو جدل حقوقي عن حرية الإنسان في إنهاء حياته، نحن بصدد حالة مرضية نعتبرها نحن الأطباء النفسيين حالة طوارئ تستدعي وضع المريض تحت الملاحظة اللصيقة بما نسميه ملاحظة واحد لواحد ولا يوجد لدينا استثناء لمن يعتبرهم الناس غير جادين أو يسعون لجذب الانتباه فهذا أمر نقدره ونحدده بالملاحظة والمتابعة المتخصصة التي تحدد متى يزول الخطر أو درجة الخطر الفعلية.

 

يعني ببساطة وتحديد أوضح عندما تقابل هؤلاء فالمطلوب منك أن تأخذه إلى الطبيب النفسي على الفور وسيحدد لك الطبيب طريقة الدعم النفسي المطلوبة التي تساعد بها هذا الشخص لأننا في بعض الأحيان قد نحتاج إلى استضافه المريض في مصح نفسي حتى نطمئن أنه لن يؤذي نفسه.

 

لا مجال للسخرية أو الاستهزاء أو الهجوم أو التقريع لهذا المريض خاصة بطريقة الاستخفاف بأعراضه أو معاناته وإيعازها لضعف شخصيته أو ضعف إيمانه وعدم قيامه بواجباته الدينية وبعده عن الله.. هذه الطريقة في التعامل تقتل المريض فعليا وتدفعه إلى الانتحار دفعا سريعا لأن ترجمتها لديه تقول طالما أنا ضعيف الشخصية ضعيف الإيمان فلا أمل في علاجي وقد خسرت الدنيا والآخرة فلا عجل بإنهاء حياتي حيث لا طائل من الاستمرار فيها.

 

الانتحار والتدين

الحديث عن المنتحر الذي فقد أخرته ومات كافرا لا مجال له لأننا نتحدث عن مريض لم تقدم له المساعدة المطلوبة في الوقت المناسب فوصل لهذه المرحلة

لنخلص بعد هذه التطوافة وهذا التوضيح إن الانتحار هو عرض لمرض نفسي شديد هو الاكتئاب الجسيم وأنه لا علاقة له بالتدين أو ضعف الإيمان وأن دور التدين هو في مساعدة المريض المتدين في تجاوز أزمته النفسية من خلال العلاج المعرفي للاكتئاب حيث تكون العلاقة بالله والإيمان به واعتبار المرض ابتلاء نحتاج الصبر عليه أحد العوامل المساعدة لصبر المريض على طول مدة العلاج وتحمل أعراضه بل ويكون دورنا توضيحيا لهذا المريض إذا اشتكى من عجزه عن الصلاة أو فقدانه الإحساس بالقرآن أن هذا جزء من أعراض الاكتئاب وأنه بمجرد تحسنه سيعاود كل أنشطته بما فيها نشاطه الديني.

 

إن المكتئب أصلا يكون مثقل بإحساس زائد من الشعور بالذنب تجاه كل شيء في حياته فهو لا يحتاج إلى سبب جديد لهذا الإحساس وبالتالي فإن توجيهنا له كأصدقاء أو معارف أو أهل بأن سبب اكتئابه هو بعده عن الله لن يساعده لأنه في الحقيقة عاجز عن أداء أي نشاط ديني في هذه المرحلة فنحن نفاقم شعوره بالذنب من حيث نتخيل أننا نساعده.

 

ليصبح الحديث عن المنتحر الذي فقد أخرته ومات كافرا لا مجال له لأننا نتحدث عن مريض لم تقدم له المساعدة المطلوبة في الوقت المناسب فوصل لهذه المرحلة التي لم يكن أمامه من وجهة نظره المرضية إلا أن ينهي حياته. إن الاصبع الذي يتجه بالإدانة للمنتحر تتوجه معه أربع أصابع إلينا وإلى المجتمع لأننا لم نكتشفه ونساعده وننقذه.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة