وحش اسمه.. آونغ سان سو كي

عندما صرحت آونغ سان سو كي في صائفة 1996 أن شركة طوطال النفطية الفرنسية أصبحت أكبر داعم للنظام العسكري الشمولي في بورما لم يكن أحد من المتتبعين للشأن السياسي في ذلك البلد النائي الواقع بين الصين وبنغلاديش والذي يعد 55 مليون نسمة لم يكن أحد يشك أن الزعيمة البورمية كانت تريد ترتيب البيت البورمي البوذي من الداخل في إطار رؤية إيديولوجية ضيقة حريصة على الرقي بالمواطن البوذي والمجتمع البوذي في بورما دون اعتبار لما عداهم من القوميات وخاصة المسلمين منهم!

ولسنا في هذا المقال نريد أن نكرر على القارئ المتتبع نقاطا هو يعلمها مثل نضال آونغ سان سوكي من أجل حقوق الإنسان في بورما تحت شعار اللاعنف متخذة من المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو في ذلك مثالين وقدوتين ولا نريد أن نذكره بما نالت من مكانة دولية بحيث غدت أيقونة عالمية للسلام تغدق عليها الجوائز وتخطب في أعرق الجامعات والبرلمانات الغربية.

لا أذكر تاريخه بالضبط لكني كنت من المتابعين لخطابها الذي ألقته في مجلس اللوردات البريطاني العريق الذي لا يخطب فيه من الأجانب إلا رؤساء الدول والحكومات لكن الحكومة البريطانية أحدثت الاستثناء من أجل هذه الزعيمة وقال النائب الذي قدمها: لي الشرف أن أقدم لكم المرأة التي هي ضمير بلدها ووجه من وجوه الإنسانية! كانت صورتها في ذلك الخطاب بلباسها المتواضع وحركاتها الهادئة وكلماتها المسالمة ووجهها الملائكي تغري وتجبر حتى المتشككين على الإيمان أن هذه المرأة هي فعلا وجه من وجوه الإنسانية.

إذا لم تكن الديمقراطية تعني الحق في الحياة فما هو معناها في تفكير ابنة الجنرال أونغ بطل استقلال بورما الذي نالته سنة 1948 بعد ما حرصت بريطانيا على تسليح البوذيين وإبادة المسلمين

يكفيك أن تكتب اسمها على اليوتيوب لترى فيديوهاتها مع البابا فرانسيس وأوباما وملكة بريطانيا وسائر زعماء الدنيا ولتدرك السمعة العالمية التي بلغتها الزعيمة البورمية حتى حصلت على ما لم يحصل عليه أحد من قبل من النعوت والألقاب: الحلم البورمي أو غاندي بورما أو مانديلا بورما … الخ. ولسنا نريد كذلك أن نتحدث عن التطهير العرقي الواقع الآن في بورما فإن الصور والأرقام تقول كل يوم ما لا يمكن أن تقوله الكلمات مهما بلغت لكننا نريد أن نطرح سؤالا واحداً:

لماذا تسكت آن سان سوكي؟
لماذا تعجز عن الحد الأدنى من النفاق السياسي الذي نسميه في عصرنا دبلوماسية والذي كان يتصف به قدوتها المهاتما غاندي الذي كان يرسل ورود الكلمات للمسلمين بينما هو على ذات الموجة مع الإنجليز فيما يخص الموقف من المسلمين: الإضعاف والإبعاد عن دائرة الحكم والقرار في الهند؟! أيعقل أن هذا الوجه الملائكي يرفض أن يقول نصف كلمة من أجل كل تلك النساء اللاتي اغتصبن (اغتصبت امرأة مسلمة من كل ثلاث نساء) والأطفال الذين قتلوا حرقا وذبحا أو أغرقوا في نهر حتى لا نتحدث عن الرجال الذين هم في خيال سوكي كلهم إرهابيون؟

وإذا لم تكن الديمقراطية تعني الحق في الحياة فما هو معناها في تفكير ابنة الجنرال أونغ بطل استقلال بورما الذي نالته سنة 1948 بعد ما حرصت بريطانيا على تسليح البوذيين وإبادة المسلمين (مذبحة 1948 راح ضحيتها مائة ألف مسلم) الذين كانوا في حقيقة الأمر هم خط المقاومة الأول ضد البريطانيين فيما كان الباقي ممزقين بين الولاء للحلفاء أو لليابان أو يريدون العودة إلى أحضان الهند أو لا رأي لهم البتة في كل ما يجري.

بعض المحللين في الغرب يقولون اننا نطلب من هذه المرأة التي كانت مسجونة منذ سنين قليلة أكثر مما يجب عندما نلومها على عنف كان قبل أن تولد هي وآخرون يقولون إنها لا تستطيع أن تعلن العداء لقومها البوذيين الذين يشكلون 90 في المائة من السكان والذين أوصلوها إلى الحكم ولو فعلت لقضي على مستقبلها السياسي نهائيا.

لكن الحقيقة أبسط من ذلك وتوجد عند آونغ سان سو كي نفسها إذ هي في نهاية المطاف تستجيب لدافعين اثنين: تكوينها الاجتماعي إذ أن كل إنسان إنما هو منتوج اجتماعي قبل أن يكون شيئا آخر والمجتمع البورمي البوذي مجتمع إرهابي دموي لا يريد شيئا أقل من إبادة المسلمين الروهينجا كلهم وهي لن تكون مختلفة جدا عن قومها ولا مخالفة لدينها وملتها. في مجتمعنا الإسلامي نملك قلة من الإرهابيين المتعصبين الدمويين لكن المجتمع البوذي في بورما إرهابي كله وقاتل كله وآونغ سان سوكي هي بورمية بوذية قبل أي شيء آخر بل (إن إيمانها البوذي الذي لا يتزعزع هو الذي يلهم فلسفتها السياسية) كما يقول ديفيد كامرو في كتابه عنها. أما الدافع الثاني فهو الديمقراطية لكنها ليست الديمقراطية المثالية التي يفهمها الطيبون عندنا والتي تعني كما هو مدون في الكتب والمواثيق الدفاع عن الإنسان كل الإنسان مهما كان جنسه أو لونه أو فكره..

الفرق الوحيد بين آونغ سان سو كي والغرب أنها عاجزة عن تلك الدبلوماسية الباردة القاتلة التي يبرع فيها الغرب عندما يقتلك ثم يبكيك ويندد بالجرائم بطريقة تجعل الجاني يتحمس للمزيد ويعد بوقف العدوان

إن آونغ سان سو كي امرأة ديمقراطية بالمفهوم الغربي الذي يتبنى نظرية الIN و الOUT و التي ملخصها أن الالتزام بالمعايير الغربية الديمقراطية يكون تاما وكاملا في الداخل الغربي أما خارج الدائرة الغربية حيث الرجل الغير الأبيض فيخضع تنزيل تلك المعايير للحسابات الاستراتيجية وموازين القوى والموروث التاريخي الغربي الذي عجز عن التخلي عن الروح المسيحية والصراع التاريخي مع المسلمين والذي لم ينس أن المسلمين كانوا هم العقبة الأساسية في السيطرة على الشرق الأقصى وعلى باقي بقاع العالم ولذلك فان موقف الزعيمة البورمية ليس من فراغ وليس شذوذا عن الغرب وفكره ومعاييره وكيف يكون شذوذا والشركات الغربية الشهيرة تعمل في بورما دون حرج والأمم المتحدة لا تريد بعد سنين من الإبادة أن تعلن مجازر بورما جرائم ضد الإنسانية والغرب لا يريد وهو قادر على إيقاف المأساة في يوم أو أقل من يوم!

والغرب يعرف سو كي جيداً ويعرف بورما أكثر من البورميين ويعرف ما يقع فيها من أحداث كل يوم وسفاراته وقنصلياته ترسل التقارير عن كل صغيرة وكبيرة ومثقفوه يجوبون العالم بحثا عن أي موضوع مهما كان صغيرا للدرس والرصد والتحليل.

الفرق الوحيد بين آونغ سان سو كي والغرب أنها عاجزة عن تلك الدبلوماسية الباردة القاتلة التي يبرع فيها الغرب عندما يقتلك ثم يبكيك ويندد بالجرائم بطريقة تجعل الجاني يتحمس للمزيد ويعد بوقف العدوان لكن بعد ان تتغير المعطيات على الأرض وتتبدل موازين القوى ويحرص دائما أن يبقي يديه نظيفتين فيما الآخرون ينفذون له ومن أجله ما يريده ولم يأمرهم به! هذا هو الفرق بينهم وبين الوحش آونغ سان سو كي التي ما هي إلا وجه من وجوه الإنسانية الغربية وقد أعارت وجهها الملائكي للتطهير العرقي في بورما مكذبة بذلك مقولة الكاتبة الروسية زفيتلانا أليكسيفيتش التي تقول إن الحرب لا ترتدي وجه امرأة.



حول هذه القصة

خرج متظاهرون الجمعة في العاصمة المغربية الرباط تنديدا بجرائم الإبادة الجماعية المرتكبة من طرف سلطات ميانمار بحق الروهينغا، في وقفة تضامن دعت إليها هيئات أهلية وحقوقية وإسلامية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة