حرفٌ منقبض

كانت لوحة المفاتيح، ترسل الوهج الأخير، للحروف المنتظرة أن تَصُفّها أناملي كلمات، لعلها تستوي جملاً تمتلئ بالاستعارات، وتفيض على الورق والشاشة، شعاباً مملؤة بالدفق، تروي ما أجدب في صدري، وفِي صدور من ينتظر، وما أصعب انتظار الحروف، فلماذا يشح المنبع، وينقبض الحرف؟

 

يتعلق بمدى البوح بصرُ الأفكار، تلك التي يدافع بعضها بعضا، وتنتظر مخاض التجربة، لتفتتح مساحات جديدة من التعبير، ولتخلق مجازات لم تكن في متناول الخيال والحرف والكلم، ويسعى ذاك البوح جاهدا لتجنب ما قيل ووصف، وإعادة تدوير ما انتظم من النظم وانتثر من النثر، وليصارع قوالب التقليد والاتباع، وليتجاوز في حدوده ما عرف من مجازات وما انمضغ من تشبيهات، وما قِيءَ من صور، لذلك تراه ينتظر بهدوء مرور كل ما قيل، أو يترقب بقلق زحام كل ما ذكر، لعله يصفو على مشربِ جديد من مشارب التعبير.

 

ولا تعرف الكتابة معنى أن تطلبها، وليس في قاموسها معنى أن تستحثها، فإما أن تأتي راضية مطمئنة، أو قلقة مُربِكة، أو تستعصم في متاهات التمنع، فتُدرك أنها هناك، لكنها لا تترك موائلها، كفراخ صيد ثمين، لا يترك جحره بسهولة. هذا إن كنت تعلم أنت أيها الكاتب أنها هناك، فكيف إن عرف الآخرون أنها لديك وطلبوها، فأصبح أحرى بها ألا تلبي فهي إن تمنعت عن طلبك وأنت صاحبها، فكيف تستجيب لك إن طُلَبت من قبل غيرك.

 

تؤرقني الكتابة، وتضيق عبارتي بكل ما يمتلئ به صدري، ولست ألوم في ذلك المخزون اللغوي المتنامي الذي لا يعجزه التعبير، ولا التجارب الجديدة المتوالية التي تكتنز بالأحداث والقصص، وإنما هذا الفيض الذي لم يأت بعد

أمسك الآن بأطراف فكرة تؤرقني، وأظن أنها ستكون غزيرة المنبع، وفيرة المصب، حسنة التلقي، وإن كان حُسن التلقي، ليس مناط الأمر ومدار الفكرة، فالمطر لا يستأذن الخصب إذا ما أقبل، ولتخرج كل أرضٍ خبأها، والمطر هو المطر، وإنما هو شعور الري والسقيا والامتداد، وأن ترى فكرتك حروفاً تتلى على ألسنة القارئين وفي أفئدتهم، وأن يصبح أرقك وقلقك واعتمالك الداخلي، نصوصاً تقتبس فيفيض عليها الأخرون ويمنحونها حياة تتجاوز ورقة مكتبك أو شاشتك ويهديها المتلقي أبعادا جديدة، تتجاوز ما كتبت لأجله في الظاهر،  إلى ما يؤوله في باطنها، فيضيف إلى تجربتك تجربة جديدة، وإلى حرفك معنى أعمق، وإلى ذاتك توقداً وانتشاء، ويكون نباتاُ مختلفا.

 

تؤرقني الكتابة إلى هذه الدرجة، وتضيق عبارتي بكل ما يمتلئ به هذا الصدر، ولست ألوم في ذلك المخزون اللغوي المتنامي الذي لا يعجزه التعبير، ولا التجارب الجديدة المتوالية التي تكتنز بالأحداث والقصص، وإنما هذا الفيض الذي لم يأت بعد، وتلك العتبة التي لم تقل لي تجاوزني، وهذه اللحظة التي تهمس "أن بح" والبوح غالٍ ونفيس، فهو حياة الحرف ومقتله، وصعود الكلم وهاويته، وهو امتداد ذاتك ونهايتها.

 

أستحضر هذا كله كلما هممت بالكتابة، وكلما تراءى لي طيف فكرتي، وأتفرس بفزع وجوه المتدفقين وكتابات البائحين، وأغبط الغارفين من محيط صدروهم، لا يردهم عن الدفق إلا امتلاء الصفحة وطيها، ومواقيت المنابر مواعيد التسليم. وأنا المصارع، الراجف، يتقاسمني حرفي كمصلوب على جذوع البوح، تأكل الأفكار من رأسه، حتى إذا ما أطال المكوث، أشاروا إليه بأنه صاحب الحرف، لكنه حرف منقبض.



حول هذه القصة

شطبت منظمة الشرطة الدولية (الإنتربول) اسم رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتور يوسف القرضاوي من قائمة المطلوبين، بعد أن تبينت أن التهم التي وجهها النظام المصري إليه ملفقة.

دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المنظمات الدولية ودول العالم الإسلامي إلى التعاون من أجل إنهاء الظلم الذي يتعرض له مسلمو الروهينغا بإقليم أراكان غربي ميانمار.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة