ثلاث فرضيات حول الأخلاق (2)

نواصل في هذا الجزء مناقشة الفرضية الأولى والتي تقول بأن الأخلاق حقيقة مستقلة عن الإنسان عليه أن يخضع لها. أي هي مستقلة ليس فقط لأن المجتمع يفرضها على الفرد، أو لأن طبيعة الإنسان تمليها عليه، وإنما لأنها تملك قيمة في ذاتها، أو أنها تستمد قيمتها من مصدر أعلى من الإنسان هو الإله.

 

هناك سؤال معروف في الفكر الإسلامي حول أصل قيمة الحسن والقبيح، أي هل الفعل الحسن هو حسن في ذاته أم هو كذلك لأن الله قد أمر به، وكذلك الفعل القبيح هل هو كذلك في ذاته أم لأن الله قد نهى عنه. كلتا الإجابتين عن هذا السؤال تقعان في نطاق الفرضية الأولى: الأخلاق كحقيقة مستقلة عن الإنسان. وبالنسبة للإجابة التي تقول بأن الحسن هو كذلك في ذاته، وبالمثل القبيح هو قبيح في ذاته، فهي تنطوي على افتراض آخر هو العقل كشيء مستقل عن الإنسان، قوة خالصة بإمكانها اكتشاف الحقيقة، والتي توجد بدورها كشيء متعالي وثابت ونهائي ولكنه محتجب إلى أن يكتشفه العقل، والذي يعمل كقوة مستقلة عن الإنسان.

 

في نهاية الجزء الأول "المقال السابق" طرحت مشكلة تحديد ما إذا كان "ما يكتشفه" العقل هو حقيقة لها وجود خارج العقل أم أن "ما يكتشفه" العقل هو ليس شيئا سوى العقل نفسه. بالنسبة للأشياء غير المحسوسة والتي لا يمكن اختبارها إلا من خلال العقل تبقى المشكلة بلا حل. وبدون حل هذه المشكلة فإن الكلام عن حقائق محتجبة يكشف عنها العقل يبقى بدون أساس، وعليه يكون الحسن والقبيح هي أمور قد يمليها العقل، ولكن ليس من المؤكد أن هذا الإملاء هو انعكاس لحقيقة متجاوزة للعقل.

 

يدل التاريخ على أن العقل لا يشتغل في الفراغ، وأن ما يُمكن أن يكتشفه العقل محكوم بشروط تاريخية واقعية. أي أن إنسانا يفكِّر في القرن الواحد والعشرين، ليس مثل إنسان يفكِّر قبل الميلاد
 

يبقى السؤال بعد ذلك حول مشروعية سلطة العقل نفسها خصوصا فيما يتعلق بالأخلاق، من أين تأتي، وما هو العقل أساسا؟ مهما تكن إمكانية وجود عقل ذو طبيعة كونية مستقلة عن الإنسان كفرد متعين يعيش في التاريخ، فإن الذي يفكِّر في هذه الإمكانية هو ذلك الإنسان المتعين النسبي والمحدود بالتاريخ، أي أن فكرة العقل المتعالي، أو فكرة العقل كجوهر قائم بذاته، هي في النهاية فكرة في العقل النسبي المحدود، فكرة وُجدت في التاريخ، وهي من إنتاج العقل النسبي المحدود. هل خلقها بنفسه أم أنه اكتشفها يبقى إشكال بلا حل!

بالنسبة للمعرفة، يدل التاريخ على أن العقل لا يشتغل في الفراغ، وأن ما يُمكن أن يكتشفه العقل محكوم بشروط تاريخية واقعية. أي أن إنسانا يفكِّر في القرن الواحد والعشرين، ليس مثل إنسان يفكِّر قبل الميلاد، وإنسان يفكِّر في مجتمع متقدم علميا ليس مثل إنسان يفكِّر في مجتمع بدوي، وإنسان يمتلك أدوات معرفية ومفاهيم لا يفكِّر مثل إنسان آخر في نفس العصر والمجتمع ولكنه يفتقر لهذه الأدوات والمفاهيم. أي أن فكرة العقل الإنساني الواحد الذي يمكنه اكتشاف الحقيقة نفسها، هي فكرة غير صحيحة فيما يتعلق بالمعرفة. ولكن ماذا بشأن الأخلاق؟ ماذا عن الخير والشر والحسن والقبيح؟

 

هل يُمكننا القول بالمثل إن الضمير الإنساني أيضا لا يشتغل في الفراغ، أو لا يشتغل من تلقاء ذاته وإنما هو، مثل العقل، محكوم بشروط تاريخية واقعية، وأن "الحقائق الأخلاقية" -إن صح التعبير- لا تكون في متناول العقل إلا بالقدر الذي تمليه أو تسمح به تلك الشروط؟ معنى هذا الكلام أننا نضع حرية الضمير الإنساني موضع التساؤل. وحرية الضمير هنا ليست شيئا يتعلق بإرادة الإنسان وإنما بالقيود التي يفرضها التاريخ على الوعي الإنساني عموما، مثل تلك التي يوجد فيها العقل.

 

مفهوم الأخلاق أصبح الآن يملك قواما ذاتيا بحيث يتم تطبيقه على الدين نفسه، وذلك حينما يتم التساؤل عن أخلاقية بعض الأفكار أو التشريعات الدينية

بالنسبة للفرضية الأولى، أي الأخلاق كحقيقة مستقلة عن الإنسان، فإن محدودية قدرة الإنسان على الوصول إلى هذه الحقيقة لا ينفي وجودها. فإذا كان التاريخ يدل على نسبية العقل والضمير، فإن هذا بحد ذاته يؤكد الافتقار إلى مصدر من خارج التاريخ يكون مرجعا للأخلاق. الدين يقترح هذا المصدر ولكن بشكل ضمني.

 

في حالة الإسلام لا يتناول الدين الأخلاق من خلال تأسيسات فلسفية. فلم يُعنى الدين بمناقشة "أصل الأخلاق" وما إذا كان القانون الأخلاقي يملك وجودا في ذاته، بمعزل عن الإنسان- وهو الأمر الذي يمكن تشبيهه بوجود قواعد للغة بمعزل عن اللغة كما ناقشنا ذلك في الجزء السابق. وكذلك لم يتطرق إلى كون الأمر الأخلاقي يستمد قيمته من كونه أمرا إلهيا. في الواقع لقد كانت هناك أخلاق سائدة في لحظة الإسلام، وقد عمل على الدعوة اليها وربطها بالجزاء ثوابا وعقابا.

 

ولكن مفهوم الأخلاق أصبح الآن يملك قواما ذاتيا بحيث يتم تطبيقه على الدين نفسه، وذلك حينما يتم التساؤل عن أخلاقية بعض الأفكار أو التشريعات الدينية. هنا أصبحت أوامر الدين في موضع السؤال حول المشروعية الأخلاقية كشيء لا تستمده من تلقاء ذاتها، وإنما من مصدر خارج عنها هو الأخلاق كمفهوم يملكه العقل الإنساني. من الواضح أن هذا المفهوم لا يمكن أن يستمد أساسه من الدين، إلا بشكل ضمني، كأن نقوم بالفصل بين ما هو مطلق وما هو تاريخي في الدين.



حول هذه القصة

تعثرت مساعي الرئيس الأميركي دونالد ترمب لحلحلة الأزمة الخليجية عبر حوار مباشر بين الرياض والدوحة، وذلك بعد إعلان السعودية تعليق الحوار مع قطر.

دعت السلطات العراقية سكان مناطق غربي الأنبار للاستعداد لمعركة استعادة مناطقهم من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، كما شهدت محافظة ديالى أمس مداهمات من الجيش ومليشيات الحشد الشعبي لملاحقة عناصر التنظيم.

أعلن جيش إنقاذ روهينغا أراكان “أرسا” عن هدنة من جانب واحد بدءا من اليوم ولمدة شهر كامل لتسهيل وصول المساعدات والفرق الإغاثية للمتضررين، مطالبا جيش ميانمار “بوقف عملياته العسكرية”.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة