الذب عن أبي العلاء المعري (1)

كأني في لسان الدهر لفظ
تضمن منه أغراضا بعادا
يكررني ليفهمني رجال
كما كررت معنى مستعادا
أبو العلاء المعرّي.

اللهم وفق وأعن..
منذ فارقت حياة الجامعة في الجنوب الآسيوي وعدت إلى مدن الملح إبان أزمة الخليج وأنا أعيش تيهًا وفراغًا قاتلين، يمر عليّ الشهر والشهران لا يُبرى في بيتي قلم. وعزفت عن الكتابة ونفرت منها نفسي.. كل شيء في وطننا العربي يعزز فيك الشعور بعبثية الحياة وغياب المعنى، تتفتح الأبواب للشباب بعد تخرجهم من جامعاتهم في دول الشمال ونعود لأوطاننا لنجد كل الأبواب مغلقة بثلاثة أقفال وبابًا وحيدًا مواربًا كُتب عليه حياة الروتين.. لا تدخله! يرسل لي موقع المدونات "كاتبنا العزيز ننتظر تدويناتك الجديدة!" ولا جديد عندي..

أتابع الأخبار كما يفعل كل مواطن عربي فنحن العرب كما يقول صديقي ناصر "حيوانات سياسية" لا نستطيع تجاهل نشرة الأخبار. فمصائرنا معلّقة بحكوماتنا، وحكوماتنا عالم غيبيّ لا نعرف عنها إلا عن طريق نشرة الأخبار. آفة الأخبار هنا أنها تملأ عقلك سخفًا وقلبك يأسًا، وبدأت أخشى على نفسي.. فلجأت لمكتبتي. كنت بحاجة لشيء يشعرني بالتعالي على هذه الحياة البائسة، فصحبت أبا العلاء المعري، والمعري رضوان الله عليه رجل تخلق فيك كتاباته سموًا فلا يزال يزيد في عقلك بأدبه وعلمه، ولكن الأهم أنه يغسل قلبك من هذا الناس ويولّد في نفسك شعورًا لازدراء الحياة والسخرية منها ويداويك من داء الأمل والتعويل على من لا معوّل عليه.

جرّبت دهري وأهليه فما تركت ** لي التجاربُ في ودٍ امرئٍ غرضا

صحبته فكان نعم الصاحب. يضحكني ويسليني ويشرح لي اللغة ويحكي لي عن أيام العرب ويأدبني بأدبه ويعظني مواعظ بليغة ويربط قلبي بالله. ثم إنها لما دخلت عشر ذي الحجة وتسابق الناس في التزود من الخيرات ولم يبقَ من عمر الشيخ إلا الصفحات القليلة بين يدي، ذهبت أنظر في صداه في سجّل التاريخ فوجدت أن الحياة ما اكتفت باحتباسه بالعمى والعزلة عن الناس وصدها عنه بالتجني وقالة السوء في حياته، حتى عادت فجعلته حبيس سوء الظنون و القول عليه بغير علم وصارت سيرته عند أهل التراجم سيرة زنديق كافر وملحد حائر، فتوجّعت لذلك أشد الألم، وجعلت من قُرباتي في تلك الأيام الفاضلات الذب عن عرض مسلم لا أشك في أنه إن لم يكن وليًا لله فبسيرة الأولياء عاش، وعارفًا بالله نبذ الدنيا وقد أتته تسعى، وتفرغ لذكر الله وتسبيحه وتمجيده وقضاء حقه عليه. وجعلت وكدي في جمع الفِرى التي رُمي بها والكشف عن باطلها وزورها، وأدخر جهدي ليوم لا تُظلم في نفسٌ شيئا والأمر يومئذ لله.

تمثال لأبو العلاء المعري (مواقع التواصل)

وأنا عارضٌ عليك طرفًا من سيرة الشيخ أولًا، ثم أعطف بذكره في تراجم أهل العلم والأدب مرتبًا ذلك تاريخيًا ليظهر لك التزيّد في رواية بعضهم واضطراب أمرهم، وأحلُّ لك بعون الله ما انعقد من أمره وغاب عن ناقده. وأنا أسير بك فيها إن شاء الله سير المتعجّل القاصد للاختصار من غير إخلال أو قفز إلى نتيجة لم أقدّم لك مقدماتها..

هو أحمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان بن داود بن المطهر بن زياد بن ربيعة بن الحارث بن ربيعة بن أرقم بن أنور بن أسحم بن النعمان بن عدي بن عبدغطفان بن عمرو بن بريح بن جذيمة أو خزيمة بن تيم اللات أو تيم الله كلاهما قيل، وجذيمة أو أبوه هو تنوخ الذي يُنسب إليه أبو العلاء بالتنوخي، وكانت عدة قبائل من قضاعة نزلت البحرين وتجمعت فيها فسميت تنوخًا والتنوخ في اللغة الإقامة هذا ما قاله أهل التراجم في عن نسبه.

ولد سنة 363هـ طفلا سليمًا من العلل حتى جُدر (أصابه الجدري) وهو بن أربع سنين فأظلمت معرة النعمان وإليها يُنسب فإن شئت في النسبة قلت المعرّي فتكون كسائر الناس، وإن شئت الإغراب قل المَعرَّنُمِي، فقد ذكر السمعاني في الأنساب عن أبي نصر الرامشي أن النسبة الصحيحة لمعرة النعمان هي معرَّنُمِي لوجود معرّة أخرى بالشام وهي معرّة مَصْرين ويُنسب إليها معرَّمَصْي. نشأ في بيت علم وقضاء وقد ذكر منهم ياقوت عددَا يشير بذلك إلى شرف ذلك البيت ومكانته "وكان من أبائه وأعمامه ومن تقدمه وتأخر عنه من ولد أبيه ونسله فضلاءُ وقضاةٌ وشعراء، أنا ذاكرٌ منهم من حضرني لتعرف نسبه في العلم كما عرفتَ ما أُعطيه من الفهم".

قرأ على أبيه اللغة وأخذ عن علماء الشام وروى عنهم وأكثر علمه ناله من المطالعة (بواسطة لعماه)، وقد نبت في العلم نموّ الخيزران فقد وهبه الله حافظة عجيبة يعلق فيها كل شيء، وربما حفظ ما لا يفهم وهذا أعجب ما يكون في الحفظ. وقد روى أبوزكريا التبريزي وكان يقرأ عليه فدخل المسجد رجلُ عليه أثر السفر من بلاد ما وراء النهر فرآه التبريزيّ فحنّ لمحادثته وسؤاله عن الديار، وسمع الشيخ أثر الحنين في صوت التبريزي وهو يقرأ عليه فسأله عن حاله فأخبره فقال له قم إليه، ففعل، وأخذا يتراطنان برطانتهما وأبو العلاء مطرقٌ يستمع..

فلما انتهى أبو زكريا من استجواب الوارد وأحاديث الأشواق، انصرف إلى شيخه ليكمل درسه، فقال الشيخ: ما هذه اللغة التي تحدثتما بها؟ فقال له الأذربيجية لسان أهل أذربيجان، فقال ما عرفتها ولكني حفظتُ كلامكما فإن شئت أعدته عليه، فشاءَ التبريزي، وأعاده أبو العلاء كما كان بتمامه، فجلس الطالب وهو يهز رأسه عجبًا من حفظ أستاذه. ولهذه الحافظة الصمغيّة أخبار كثيرة في كتب التراجم تجدها في مظانها.

يذكر الخطيب البغدادي في كتابه تاريخ بغداد "أبو العلاء المعري" فيقول: "كان يتزّهد ولا يأكل اللحم ويلبس الخشن من الثياب".

نشأ أبوالعلاء ولا شغل له إلا العلم، فلما شبَّ وجاز الثلاثين حدثته نفسه بزيارة عاصمة الثقافة الإسلامية، فتوجه لبغداد ودخلها عام 399 وبقي فيها عامًا وسبعة أشهر ثم خرج عائدًا للمعرة (ولزيارته بغداد وخروجه منها شأن خطير في مسيرة أبي العلاء لم يفطن إليه أحدٌ ممن كتب عنه فيما أعلم، ويأتيك بيانه إن شاء الله) فجاء المعرّة وقد ماتت أمه فاعتزل الناس وانطوى في بيته وزهد في الدنيا وعاش على ما تنبته الأرض وترك أكل ما سواه من الحيوان وما ينتج عنه من ألبان وأعسال وبيض وتفرغ للعبادة وسُمي رهين المحبسين (بفقدانه البصر ولزوم بيته) وأخذ يملي ويألف حتى جاءه نداء الحق فلحق بربه سنة 449.

هذا مسار حياته عند جميع من ترجم له، ثم هم يزيدون أو ينقصون في ذكر طرفًا من أخباره في العلم والفهم رميه بالعظائم من الكفر والزندقة والإلحاد ثم الإنابة والتوبة عند بعضهم وكل ذلك بعيد عن التحقيق والإنصاف ولا ينسجم مع حياة الشيخ وآثاره ويجعلها لغزًا مبهمًا غير مفهوم.

وفيما يلي ذكر ما رُمي به في التراجم مما وقفنا عليه مرتبةً على التاريخ:
نبدأ بالمعاصرين له وأولهم الثعالبي ت429 في يتيمة الدهر: ولا نجد عنده شيئًا يرمي به أبا العلاء سوى ما انتهى إليه من خبر "شاعر أعمى ظريف يلعب بالشطرنج والنرد ويدخل في كل فن من الجد والهزل".

ثم نأتي للخطيب البغدادي ت463 في تاريخ بغداد فيذكر في ترجمته "كان يتزّهد ولا يأكل اللحم ويلبس الخشن من الثياب"، "صنّف في اللغة وعارضَ سورًا من القرآن.. وحكي عنه حكايات في اعتقاده حتى رماه بعض الناس بالإلحاد".

يقول ابن الجوزي في قضية زهد أبو العلاء المعري: "وكان ظاهر أمره يدل على أنه يميل لمذهب البراهمة فإنهم لا يرون ذبح الحيوان ويجحدون الرسل"

أما الباخرزي ت467 في دمية القصر: فيبتدأ ترجمته بأسلوب مشرق " أبو العلاء التنوخي.. ضرير ماله في الأدب ضريب ومكفوف في قميص الفضل ملفوف، ومحجوبٌ خصمه الألد محجوج، وقد طال في ظلال الإسلام آناؤه، لكن ربما رشح بالإلحاد إناؤه، وعندنا خبر بصره والله أعلم ببصيرته والمطلع على سريرته وإنما تحدثت الألسن بإساءته لكتابه الذي زعموا أنه عارض به القرآن وعنونه بالفصول والغايات ومحاذات السور والآيات"

أما ابن الأنباري أبو البركات ت577 في نزهة الألبا في طبقات البلغاء فجاء بشيء جديد: فقال "ويحكى أنه كان برهميًا (طائفة من المجوسية" "ويُحكى عنه كلماتٌ وأشعارٌ موهمةٌ توجب التهمة في حقه"

وبعده ابن الجوزي ت597 في كتابه المنتظم ونجد عنده مدرجات لا عهد لنا بها فيقول في قضية زهده "وبقي 45 سنة لا يأكل اللحم ولا البيض ولا اللبن ويحرّم إيذاء الحيوان ويلبس الخشن من الثياب"، فقوله "يحرّم إيذاء الحيوان" زيادة من أبي الفرج رحمه الله يريد أن يحل بها ما أشكل عليه من فعل الشيخ بتركه أكل اللحم وسيأتي دفع هاته الفرية من كلام الشيخ نفسه. قال أبو الفرج بن الجوزي: "وكان ظاهر أمره يدل على أنه يميل لمذهب البراهمة فإنهم لا يرون ذبح الحيوان ويجحدون الرسل"

وذكر أبيات توجب تكفيره:
إذا كان لا يحظى برزقك عاقلُ**وترزق مجنونا وترزق أحمقا.
فلا ذنب يا رب السماء على امرئ **رأى منك مالا يشتهي فتزندقا.


وقوله:

فلا تحسب مقال الرسل حقًا**ولكن قول زورٍ سطّروه.
وكان الناس في عيش رغيدٍ** فجاءوا بالمحال فكدروه.


وقوله:

كونٌ يُرى وفسادٌ جاء يتبعه**تبارك الله مافي خلقه عبثُ
وإن يؤذن بلالُ لابن آمنةٍ**فبعده لسجاحٍ ما دعا شَبَثً


وقال:

صرف الزمان مفرّق الإلفين**فاحكم الهي بين ذاك وبيني
أنهيت عن قتل النفوس تعمدًا**وبعثت أنت لأهلها ملكين
وزعمت أن لها معادًا ثانيًا**ماكان أغناها عن الحالين.

وغيرها من الأبيات. قلتُ وهذه الأبيات ليست في ديواني أبي العلاء سقط الزند ولزوم مالا يلزم وهو من المنحول عليه.

ثم نأتي للقفطي ت646 في إنباه الرواة وقد أطال في ترجمة أبي العلاء وجاء بأشياء جديدة منها: خبر دير الفاروس وأن أبا العلاء اجتاز به واجتمع براهب شككه في دينه وقد تولّى محمود شاكر رحمه الله نقد هذه الرواية في كتابه أباطيل وأسمار فلا مزيد على ما ذكره وانفرد بخبر جديد آخر في شأن مقدمه لبغداد لم أجده عند غيره وهو "ولما دخل العراق قصد إلى أكابرها الإعانة بجاههم على بلوغ أغراضه من كف من تطرق أذاه إليه في أمر وقفه، فلم يجد منهم ذلك" وهذا مخالف لجميع ما كتبه أبو العلاء من شعر ونثر في ذكر سفره لبغداد وخروجه منها!

وفي ترجمة القفطي خبر رؤيا رآها القفطي في أبي العلاء يعاتبه فيها على الوقيعة فيه يقول: "كنت في سن الصبا وذلك في حدود سنة 585 أقدح في اعتقاد أبي العلاء لما أراه من ظواهر شعره وما يُنشد في محافل الطلب، فرأيت ليلة في النوم كأنني قد حصلت في مسجد كبير … وفيه رجل مكفوف سمين متوسط البياض ورأسه مائل إلى جهة كتفه الأيسر وهو مستقبل القبلة في جلسته وإلى جانبه طفل، وكأنني فهمت أنه قائده .. ثم قال في أثناء كلامه مخاطبًا لي: ما الذي يحملك على الوقيعة في ديني؟ ومايدريك لعل الله غفر لي؟

فخجلت من قوله وسألت عنه من إلى جانبي فقال لي أحدهم هذا أبو العلاء المعري، فابتسمت متعجبًا للرؤيا واستغفرت الله لي وله ولم أعد للكلام في حقه إلا بالخير" والطريف أن القفطي لم يلتزم بهذا فحوت ترجمته قدحًا منه ."وصنّف كتابًا في اللغة وعارض سورًا من القرآن" هكذا. وانساق لمن رغبه في نقل ما ذُم به المعري فاستجاب وساق ما ذكره غرس النعمة محمد بن الرئيس هلال الصابي. وفيه يقول: ونحن نذكر لك طرفًا مما بلغنا من شعره ليُعلم صحة ما يحكى عنه من إلحاده فمن ذلك قوله:

صرف الزمان مفرّق الإلفينِ**فاحكم إلهي بين ذاك وبيني
أنهيت عن قتل النفوس تعمدًا**وبعثت أنت لقبضها ملكين
وزعمت أن لها معادًا ثانيا**ما كان أغناها عن الحالين

وساق أبياتا أخرى منها منحول كما هما حال هاته الأبيات التي ابتدأ بها وبعضها من شعر أبي العلاء. وسأبيّن لكَ مأخذًا لطيفًا اتخذه الطاعنون على أبي العلاء فيما يأتي.

أما ياقوت الحموي ت626 في إرشاد الأريب فترجمته حافلة وفيها من غمز عقيدة الشيخ شيء كثير وسبٌ صريح وفيها أخبارٌ تبرئه والذي يعنينا من ذلك رأي ياقوت لا نقله فحسب. قال ياقوت :"وكان متهمًا في دينه، يرى راي البراهمة، لا يرى إفساد الصورة ولا يأكل لحمًا ولا يؤمن بالرسل والبعث والنشور." وينقل ياقوت من الأخبار ما يخالف نصُها غرض ياقوت من سوقها فروى عن عبدالسلام القزويني وكان أحد رؤوس المعتزلة

"قال لي المعري: لم أهجُ أحدًا قط، فقلت له: صدقت إلا الأنبياء! فتغيّر وجهه" يريد بها الجواب المسكت، ولكن في نهاية الخبر دلالة على أن الزنديق والملحد في زعمهم يتغير وجهه إذا ذكروا له أنه يهجو الانبيا ء والرسل! وهذا غريب. ولكن لم يلبث ياقوت حتى عاد لأخبار عبدالسلام القزويني مع شيخ المعرة فكشف لنا من حيث لا يعلم تحامل شيخ المعتزلة على أبي العلاء قال أبويوسف القزويني: قال لي ملحد المعرة.. ماسمعت في أمر الحسين بن علي -رضي الله عنهما- شيئًا يجب أن يحفظ، فقلت له قد قال سواديٌّ من أهل بلادنا أبياتا لا يقول مثلها تنوخ جدك الأكبر" فحمدنا لياقوت سوقه لهذا الخبر المهم الذي يكشف لنا نوعًا ممن اُبتلي بهم الشيخ في عصره.

ياقوت: ومن شعره الدال على سوء عقيدته في لزوم مالايلزم:

ألا فانعموا واحذروا في الحياة**ملمًّا يُسمّى مزيل النعم
أتوكم بأقوالهم والحسام**فشد به زاعمٌ ما زعم.
تلوا باطلا وجلوا صارمًا**وقالوا صدقنا،فقلنا نعم.
زخارفُ ما ثبتت في القلوب**عمّى عليكم بهنَّ المعمّ

"وعلّق ياقوت بعد رواية بيتي:
تناقض مالنا إلى السكوت له ** وأن نعوذ بمولانا من النار
يد بخمسمئين عسجد فُديت ** مابالها قُطعت في رُبع دينارِ
.. كان المعري حمارًا لا يفقه شيئا"

*ابن الأثيرت 630 في الكامل: "وعلمه أشهر من أن يُذكر إلا أن أكثر الناس يرمونه بالزندقةِ وفي شعره ما يدلُ على هذا".

*وقد سار سبط ابن الجوزي ت654 في مرآة الزمان سيرة جده في رأيه في الشيخ: " وأقام خمسا وأربعين سنة لا يأكل اللحم ولا البيض ولا اللبن ويحرم إيلام الحيوان ويقتصر على ما تنبت الأرض ويلبس الخشنَ من الثياب، وأقواله تدل على اختلال عقيدته"

ونجد لدى ابن خلكان ت681 في وفيات الأعيان محاولة لربط أبي العلاء بمذهب الحكماء من الفلاسفة بدل التبرهم ونسبته لديانة المجوس: "ومكث مدة خمس وأربعين سنة لا يأكل اللحم تديّنًا، لأنه كان يرى رأي الحكماء المتقدمين، وهم لا يأكلونه، كي لا يذبحوا الحيوان ففيه تعذيب له، وهم لا يرون الإيلام مطلقًا في جميع الحيوان".

"وبلغني أنه أوصى أن يكتب على قبره:
هذا جناه أبي عليّ ** وما جنيتُ على أحد
وهو أيضا متعلقُ باعتقاد الحكماء فإنهم يقولون: إيجاد الولد وإخراجه إلى هذا العالم جنايةٌ عليه لأنه يتعرض للحوادث والآفات".

*وذكره أبو الفداء ت732 في المختصر في أخبار البشر فقال: "ونُقلت عنه أشعار وأقوال عُلم بها فساد عقيدته، ونُسب إلى التمذهب بمذهب الهنود؛ لتركه أكل اللحم خمسا وأربعين سنة وكذلك البيض واللبن، وكان يحرّم إيلام الحيوان. وله مصنفات كثيره أكثرها ركيكة فهجرت لذلك. وكان يظهر الكفر ويزعم أن لقوله باطنًا وأنه مسلم في الباطن. فمن شعره المؤذن بفساد عقيدته قوله:

عجبت لكسري وأشياعه ** وغسل الوجوه ببول البقر
وقول النصارى إله يضام ** ويظلم حيا ولا ينتصر
وقوم أتوا من أقاصي البلد ** لرمي الجمار ولثم الحجر
فوا عجباً من مقالاتهم ** أيعمى عن الحق كل البشر.

قلتُ: ليست في ديوانيه وهي منحولة عليه.

*أما الذهبي ت 748 هـ في تاريخ الإسلام: فقال "وله رسالة الغفران في مجلد وقد احتوت على مزدكةٍ واستخفاف وفيها أدب كثير".  ثم نقل أبياتا منحولة على أبي العلاء ابتدأ نقله بها. وقد أكثر الذهبي في النقل عن أبي الطاهر السِلَفي مما رواه من ذم ومدح لأبي العلاء ثم ختم برأيه فيه:

"الذهبي بسنده:عن السِلفي قال: سمعت أبا زكريا التبريزي: قال لما قرأت على أبي العلاء بالمعرة قوله "تناقضُ مالنا إلا السكوت له ** وأن نعوذ بمولانا من النار" سألته عن معناه فقال: هذا مثل قول الفقهاء: عبادة لا يُعقل معناها. قلتُ (الذهبي): لو أراد ذلك لقال: تعبّدٌ مالنا إلا السكوت له" ولما اعترض على الله في البيت الثاني. قلتُ هذا تعنّت من الذهبي ولو قال الشاعر ما يشتهيه المحدّث لم يعد شاعرًا.

قال السِلَفيّ: إن قال هذا الشعر معتقدًا لمعناه، فالنار مأواه وليس له في الإسلام نصيب. "هذا إلى ما يحكى عنه في كتاب الفصول والغايات وكأنه معارضةٌ منه للسورِ والآيات. فقيل له أين هذا من القرآن؟ قال لم تصقله المحاريب أربعمئة سنة."

"السِلفي: من عجيب رأي أبي العلاء تركه كل مأكول لا تنبته الأرض شفقة بزعمه على الحيوانات، حتى نُسب إلى التبرهم وأنه يرى رأي البراهمة في إثبات الصانع وإنكار الرسل وتحريم الحيوانات وإيذائها حتى الحيات والعقارب.

الذهبي: وفي شعره ما يدل على غير هذا المذهب. وإن كان لا يستقر به قرار ولا يبقى على قانون واحد بل يجري مع القافية إذا حصلت كما تجيء ليس كما يجب".

"الذهبي: وفي الجملة فكان من أهل الفضل الوافر والأدب الباهر والمعرفة بالنسب وأيام العرب قرأ القرآن بروايات وسمع الحديث بالشام على ثقاتٍ وله في التوحيد وإثبات النبوات، وما يحض على الزهد وإحياء طرق الفتوة والمروّة شعرُ كثير. والمشكل منه فله على زعمه تفسير… والذي يظهر أن الرجل مات متحيّرًا ولم يجزم بدينٍ من الأديان نسأل الله أن يحفظ علينا إيماننا بكرمه"

*وابن الوردي ت 749 في تتمة المختصر من أخبار البشرفقد انتصر له بعض الانتصار ثم عاد فقال:"رأيت التبريّ منه أسلم" لما وقف على كتابيه لزوم مالا يلزم واستغفر واستغفري".

وعصريّه ابن فضل الله العمري ت749 في مسالك الأبصار في ممالك الأمصار يفتتح بمقدمة نديّة "رفض الدنيا وما سلم، وفرض غاياتها فعمل بما علم.، وتداوى باليأس من مطالعها ودارى الناس بترك حظه لهم، ومع هذا ظُلم…" : "وترك أكل لحوم الحيوان وما يجري مجراها من الأعسال والألبان، ومال في هذا إلى رأي الحكماء. وقال بمذهب البراهمة في تجنب إراقة الدماء" مع ثناء كثير عنه. "والناس فيه بين مكفّر وبين معتقدٍ له الولاية، وما بين بين هذه الغاية"

ابن كثير ت 774 هـ في البداية والنهاية فكال له المذمات كيلا "دخل بغداد.. ثم خرج منها طريدًا منهزمًا لأنه سأل سؤالًا بشعر، يدل على قلة دينه وعلمه وعقله، وقال تناقضُ مالنا إلا السكوت البيتين.

*أما الصفدي ت764 في الوافي بالوفيات: "والناس مختلفون في أمره والأكثرون على إكفاره وإلحاده". "قلت: أما الموضوع على لسانه فلعله لا يخفى على من له لب، وأما الأشياء التي دوّنها وقال بها في لزوم ما لا يلزم وفي استغفر واستغفري فما فيه حيلة وهو كثير. فيه ما فيه من القول بالتعطيل والاستخفاف بالنبوّات ويحتمل أنه ارعوى وتاب بعد ذلك كله.

"وحُكي لي عن الشيخ جمال الدين الزملكاني رحمه الله أنه قال في حقه: هو جوهرةٌ جاءت إلى الوجود وذهبت". ونقل: كان الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد يقول في أبي العلاء انه في حيرة".

"ومكث مدة خمس وأربعين سنة لا يأكل اللحم تديّنا منه ولا ما تولّد من الحيوان رحمةً للحيوان وخوفًا من إزهاق النفوس". "وكان أكله العدس وحلاوته التين ولباسه القطن وفراشه اللُّباد وحصيره بَرْدِيّه، وشعره كثير إلى الغاية، وأحسنه سقط الزند".

ولم يأت اليافعي ت768هـ في مرآة الجنان بجديد وعلق على امتناعه من أكل اللحم بقوله" وهو خلاف ماجاءت به الأنبياء والشرائع، ودل على حله الإجماع ونصوص الآيات القواطع.

*أما ابن كثير ت 774 هـ في البداية والنهاية فكال له المذمات كيلا "دخل بغداد.. ثم خرج منها طريدًا منهزمًا لأنه سأل سؤالًا بشعر، يدل على قلة دينه وعلمه وعقله، وقال تناقضُ مالنا إلا السكوت البيتين. وهذا من إفكه.. ولما عزم الفقهاء على أخذه بهذا وأمثاله هرب ورجع إلى بلده ولزم منزله فكان لا يخرج منه".

تعليقا على "هذا ما جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد"
"قلت وهذا يدل على أنه لم يتغير عن اعتقاده -وهو ما يعتقده الحكماء- إلى آخر الوقت، وأنه لم يقلع عن ذلك كما ذكره بعضهم. والله أعلم بظواهر الأمور وبواطنها"

قال العيني ت 855 عن المعري في عقد الجمان: "ولم يكن زكيًا ولكن ذكيا".

وقال ابن الشِحنة ت815 في روضة المناظر في أخبار الأوائل والأواخر: وهو فاسد العقيدة يُظهر الكفر ويزعم أن له باطنًا وأنه مسلم في الباطن. وأشعاره دالة على كفره. أما ابن حجر ت852 في لسان الميزان: نقل لمن قبله وقال "ومن شعره المؤذن بانحلال".

*وقال العيني ت855 في عقد الجمان: "ولم يكن زكيًا ولكن ذكيا". وابن تغري بردي 874 في النجوم الزاهرة يقول: "وقد اختلف الناس في أبي العلاء المذكور فمن الناس من جعله زنديقًا وهم الأكثر ومن الناس من أوّل كلامه ودفع عنه، ومما يستشهد عليه من المقالة الأولى قوله:

عقول تستخف بها سطورٌ ** ولا يدري الفتى لمن الثبور
كتاب محمدٍ وكتاب موسى ** وإنجيل بن مريم والزبور

*والسيوطي ت911 في بغية الوعاة عرض مذاهب القوم وأشار إلى أبيات تدل على حسن اعتقاده.

و أخيرا العباسي ت963 في معاهد التنصيص. توقف وقال بعد ذكر أبيات ظاهرها التعارض في أمر البعث: وهذا تناقض منه وإلى الله ترجع الأمور.

هذا ما وقفنا عليه من التراجم قد عرضناه لك ثم نشرع بعد ذلك في حل هذا التعارض والإلغاز في حياة أبي العلاء ونثبت لك صلاح الرجل وسلامة دينه وحسن سيرته وسبب التقول عليه وما أنتهينا إليه بعد بحث وتقصٍ والله من وارء القصد.

..يتبع



حول هذه القصة

أصدر المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث في قطر أحدث إصداراته التي شملت الجزء الأول من الأعمال الشعرية الكاملة للشاعرة القطرية الدكتورة زكية مال الله بالإضافة إلى ديوان الشاعرة حصة العوضي ومسرحية “المعري يعود بصيرا” لأحمد عبد الملك ودراسة سردية للكاتبة نورة آل سعد حول رواية مدن الملح.

كشف الروائي السوداني الطيب صالح عن الروح الشعرية التي تطبع إنتاج أبو العلاء المعري الذي ظل مرادفا للفيلسوف الزاهد لدى القارئ العربي. وخلص صالح إلى أن صاحب “رسالة الغفران” يبقى أحد أضلاع مثلث الشعر العربي الذهبي إلى جانب أبو نواس والمتنبي.

لا تختلف قصة القصف والدمار والنزوح التي تعيشها مدينة معرة النعمان الواقعة في ريف إدلب الجنوبي عن نظيراتها من المدن السورية، ولكن ما يميزها أنها مسقط رأس الشاعر الفيلسوف أبي العلاء المعري وقربها من آثار إيبلا التي تمتد جذورها التاريخية لمئات السنوات.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة