الجزائر تعانق فلسطين

تبنى علاقات الشعوب أو الدول على المصلحة المتبادلة أو المشتركة التي يكون من ورائها جلب مصلحة أو درء مفسدة، لكن علاقة الشعوب الإسلامية عموما والعربية خصوصا تحكم فيها عبر التاريخ عامل الأخوة (أخوة الدين، العرق، القبيلة، العرش…)، حيث تعتبر العلاقة المبنية على الأخوة أمتن العلاقات، ولكن بدخول الاستعمار على الخط غير بنية علاقة العرب والمسلمين ببعضهم البعض، فضرب تلك اللحمة القائمة التي تربطهم، وأضعف الروابط الواصلة بينهم، وشجع العرقية والقومية، وبدعايته الإعلامية غرس تعالي الشعوب العربية على بعضها، وساهم في ذلك الاحتقان السياسي بين أنظمة لا تمثل الشعوب، بيد أنها نجحت في تعبئة هذه الأخيرة ضد بعضها، على أتفه أسباب وأقذر أهداف.

لكن وفي خضم هذا التشاحن والتباغض، فإنه يوجد شعبين متلاحمين متناغمين لم تفسد العلاقة بينهما كل المؤامرات والدسائس التي انطلت على باقي الشعوب، إنهما الشعبين الفلسطيني والجزائري الذين أثارا الكثير من التساؤلات وعلامات التعجب والاستفهام على سر الود والحب والتلاحم بينهما.

والمتتبع هنا سيجد أن هذه العلاقة ليست وليدة اليوم بل أنها قامت على تراكمات تاريخية بنيت على مشاركة المغاربة بشكل عام والجزائريين بشكل خاص في الحروب الصليبية وفي تحرير بيت المقدس من الصليبيين، وبشعور الجزائريين بأنهم معنيون بشكل مباشر بالدفاع عن مقدساتهم كمسلمين، والدفاع أيضا عن حقهم المغتصب في فلسطين المتمثل في حارة المغاربة المحاذية لحائط البراق التي دمرها اليهود، هذه الحارة التي كانت وقفا لشعوب المغرب العربي في مدينة القدس، وكذا تجرع الجزائريين سم الخيانة والتآمر من اليهود وخاصة من الأخوين بوشناق الذين ساهما بشكل أساسي في استقدام الاستعمار إلى الجزائر.

لم تترك الصحافة الجزائرية فرصة إلا ونبهت إلى خطر الصهيونية، وشحذت الهمم للدفاع عن فلسطين، وحذرت الأمة من التهاون في الذود عنها
 

ولأن الشعب الجزائري يعشق النضال والحرية، ولأنه يعي جيدا مساوئ الاستعمار الاستيطاني، كما يعي حقارة اليهود لتجربته المريرة معهم، فإنه يحب حبا فطريا كل من يناضل ويدافع عن شرف الأمة العربية والإسلامية، وعلى رأس أهل الجهاد والنضال الشعب الفلسطيني المقاوم، الذي أخذ على عاتقه قيادة الدفاع عن فلسطين عموما ومقدسات المسلمين فيها خصوصا، فتحول هذا الحب إلى دعم لا مشروط وعطاء لا محدود، فبرز دفاع الجزائريين عن فلسطين ووقوفهم إلى جانب أشقائهم مع بروز الحركة الصهيونية وأطماعها، وتوالي الهجرات اليهودية، رغم كون الشعب الجزائري حينها لايزال قابعا تحت نير الاستعمار.

فلم تترك الصحافة الجزائرية فرصة إلا ونبهت إلى خطر الصهيونية، وشحذت الهمم للدفاع عن فلسطين، وحذرت الأمة من التهاون في الذود عنها، فكتب الشيخ سعيد الزاهري في جريدة الإصلاح سنة 1929م عقب ثورة البراق، محذرا من الصهيونية قائلا: "…أيها المسلمون الجزائريون هل سمعتم بأن الصهيونية وبلاشفة اليهود في فلسطين قد اغتصبوا البراق الشريف وردوه كنيسا لهم؟ واعتدوا على المسجد الأقصى في القدس الشريف وهم يحاولون أن يتخذوه كنيسا لهم؟…"، وهكذا كانت كتابات الكثير من مثقفي الجزائر وصحافييها ومشايخها عبر الصحف الوطنية، رغم أن ارتكاز هذه الصحف في الأساس كان على القضية الوطنية ومواجهة الآلة الاستعمارية الفرنسية.

ولم يتوان الشعب الجزائري بقيادة جمعية العلماء المسلمين عن تقديم يد العون والإسناد للشعب الفلسطيني، من خلال تأسيس الهيئة العليا لإعانة فلسطين سنة 1948م، والجزائريون حينها لم يلملموا بعد جراح مجازر الثامن من مايو 1945م، حيث عملت اللجنة على جمع التبرعات لصالح فلسطين، فيقول الشيخ الإبراهيمي أحد أبرز قادتها: "… ثم شرعنا في العمل في خواتم رمضان المبارك، فاجتمع لدينا من هبات المحسنين عدة ملايين من الفرنكات أبلغناها إلى مأمنها في فلسطين…"، كما سخرت جمعية العلماء الصحف الناطقة باسمها، لتعبئة الشعب لمساندة إخوانه في فلسطين، وكذا نقل أخبار ما يحدث هناك بعيدا عن الصحف الفرنسية المؤيدة للصهيونية.

إن تراجع المصريين بقيادة أنور السادات الذي وقع سنة 1978م على معاهدة سلام، اعترفت مصر بموجبها بدولة الكيان الصهيوني، أثار غضب الجزائر ورأت في ذلك خيانة لفلسطين والأمة
 

وبعد استقلال الجزائر الذي كان في الخامس من يوليو سنة 1962م، بدأ تعاملها مع قضية فلسطين كدولة مستقلة، فوضعت كمبدأ من مبادئها دعم حركات التحرر وخصّت فلسطين وأعطتها الحظ الأوفر من هذا الدعم، فدربت قادة الثورة الفلسطينية وزودتهم بالسّلاح، ثم شاركت بشكل مباشر من خلال وحدات جيشها وقطعه العسكرية في حربي 1967م و1973م، وكانت للمشاركة الجزائرية وخاصة في حرب 1973م دور كبير جدا في تقدم الجيش المصري، كما كان لها أيضا دور سياسي بارز في تمكين ياسر عرفات من إلقاء خطابه في هيئة الأمم المتحدة، وذلك بفضل نشاط الرئيس الراحل هواري بومدين صاحب المقولة المشهورة "نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة". 

بيد أن تراجع المصريين بقيادة أنور السادات الذي وقع سنة 1978م على معاهدة سلام، اعترفت مصر بموجبها بدولة الكيان الصهيوني، أثار غضب الجزائر ورأت في ذلك خيانة لفلسطين والأمة، فشجعت الجامعة العربية على نقل مقرها من القاهرة ودفعت إلى مقاطعتها عربيا وإسلاميا.

وفي سنة 1988م كانت الجزائر تعيش على وقع اضطرابات سياسية واجتماعية عقب أحداث الخامس من أكتوبر، غير أن ذلك لم يثنيها عن أداء واجبها تجاه فلسطين فرتبت عقد المؤتمر الوطني الفلسطيني وتم على اثره إعلان قيام دولة فلسطين من الجزائر في 15 نوفمبر 1988، والتي كانت الجزائر أول المعترفين بها.

هذا الحب العميق والفريد الذي جمع بين شعبين عربيين مسلمين، لم يقم على مصلحة مؤقتة ولا على ظرف آني، بل هو حب عميق، غرسه نضال هذين الشعبين، وتعطش الجزائري للدفاع عن الأمة العربية الإسلامية

وبعد توقيع اتفاقيات أوسلو وتراجع النضال الفلسطيني الرسمي الذي كانت تقوده منظمة التحرير، وتوجه العرب إلى تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، ظلّت الجزائر محافظة على موقفها من قضية فلسطين، وظلّ الشعب الجزائري يتغنى بفلسطين والقدس والأقصى، فهب لمناصرة فلسطين خلال انتفاضة الأقصى، ووقف إلى جانب قطاع غزة المحاصر، فكانت مظاهر الدعم والتضامن فريدة من نوعها سطرتها محبة الجزائريين لفلسطين وشغفهم للجهاد على عتباتها، فكانت النسوة تتبرعن بحليهن ومجوهراتهن وأغلى ما يملكن لفلسطين، وسيرت القوافل وجهزت المساعدات، وخرجت المظاهرات المعبرة عن تلاحم شعبين شقيقين بل وتوأمين.

وربما لا يمكن أن نتكلم عن الحب العميق بين هذين الشعبين دون أن نعرج عن تلك الحادثة الرمزية واقعيا، والعميقة معنويا، تلك المباراة التي عرفتها أرضية ملعب الخامس من يوليو بين الفريقين الجزائري والفلسطيني والتي شجعت فيها الجماهير الجزائرية منتخب فلسطين، بل وهتفت عفويا لتسجيل هدف على مرمى المنتخب الجزائري، تلك الحادثة التي أبهرت الجميع لم تكن غريبة على الشعب الجزائري الذي توارث حب فلسطين أبا عن جد، بل هي امتداد لما تم سرده تاريخيا، وعبرت عنه تلك الأهازيج التي لطالما رفعت في الملاعب الجزائرية، ولم يقتصر التعبير عن تلاحم الشعب الجزائري بالشعب الفلسطيني على الملاعب، بل كان في كل المهرجانات وفي كل المناسبات نجد فلسطين حاضرة بأعلامها أو أناشيدها أو صيحاتها.

هذا الحب العميق والفريد الذي جمع بين شعبين عربيين مسلمين، لم يقم على مصلحة مؤقتة ولا على ظرف آني، بل هو حب عميق، غرسه نضال هذين الشعبين، وتعطش الجزائري للدفاع عن الأمة العربية الإسلامية، والتي على رأس قضاياها قضية فلسطين، حيث انعكس هذا التوجه الشعبي على السلطة السياسية، وعصم الجزائر من أن تكون في مصاف دول عربية باعت قضية فلسطين، وآثرت التطبيع والتنازل، فكانت الجزائر ملهمة للشعب الفلسطيني في نضاله من خلال ثورتها المجيدة، ومن خلال مواقفها المشرفة شعبيا ورسميا بعد الاستقلال.



حول هذه القصة

حذرت منظمة العفو الدولية من أن المدنيين بمدينة الرقة السورية عالقون في حالة من “التيه القاتل” تحت وابل نيران المعركة بين قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من التحالف الدولي وتنظيم الدولة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة