أيتها الحرية كم من الجرائم ترتكب باسمك!

الحرية من المفاهيم الكبرى التي تحرك وعي الإنسان وتحرك أفكاره نحو الإبداع والتطور العلمي والتميز، وهناك كثير من الأفكار الأساسية والمحورية التي تلعب دورا إيجابيا في حياة المجتمعات العربية مثل الحرية، والإبداع، والعدل، والمساواة، والديمقراطية وغيرها من الأفكار التي تبعد مسافات طويلة عن التطبيق في المجتمعات العربي والتي لها دور أساسي في تقدم وتطور المجتمعات، بالتأكيد غياب الحريات يؤدي إلى تقييد الإبداع العلمي، والذي نقصد به عملية الإتيان بجديد ومفيد، إذن كيف يكون الإبداع والتفكير في ظل وجود للحرية؟ تتم من خلال التفكير بطرق جديدة وغير تقليدية مثل التفكير العلمي والتفكير التجريبي، مما يؤدي إلى خلق أفكار جديدة من شأنها أن تحرر العقل البشري من المنطق الغيبي الذي يعيق الإبداع الإنساني، إذاً هناك علاقة تلازميه بين الحريات الإنسانية والإبداع العلمي كلما ارتفع سقف الحريات الإنسانية ارتفع مستوى الإبداع العلمي وتطور المجتمع، وهذا يخلق أفكارا قابلة للتجربة من شأنها أن ترتقي بالمجتمع وتحدث عمليات تحديث سياسي.

وهنا زيادة الاستبداد في الأنظمة العربية وسيطرة العصبية القبلية عليها وعدم احترام مبادئ الحرية والديمقراطية وغيرها، طرح عديد التساؤلات حول مستقبل التطور والإبداع العلمي في ظل تغييب للحريات وتغييب للشخصيات وتغييب للعقل الإنساني، إذاً كيف أثر غياب الحرية على التطور والإبداع العلمي في الأنظمة العربية؟ وما هي مظاهر غياب الحرية في الأنظمة العربية؟ وما هو حجم الإبداع العلمي في الأنظمة العربية؟

علاقة الحرية بالتحديث والحداثة هي علاقة أزلية، كل منهم يخدم الآخر لذلك نلاحظ في عالمنا العربي أنه مضت سنوات طويلة بل عقود دون إبداع أو بقلة الإبداع

نرى أن في الوطن العربي الإبداع ليس معدوما ولكنّه قليل، فمن الصعب أن نقارن الإبداع في منطقتنا العربية مع الإبداع بالمناطق الأخرى، وخاصة في مناطق أوروبا والولايات المتحدة الأميركية والتي يرتفع بها سقف الحرية ليشجع ويعطي المبدع الحافز لممارسة إبداعه وتفوقه، فالإنسان حين يزرع في ذهنه سلاسل وجدران متتالية يعيق تفكيره وإبداعه، وبالتالي سوف يشوش ذهنه ويصبح غير صاف، ولا يستطيع تقديم ما أنتجه من إبداع، لذلك نرى أن الإبداع في المنطقة العربية يكون إبداعا فرديا يأتي به أفراد وبشكل شخصي دون تدخل "الحكومة" والتي يجب أن تكون حاضنة لهذا الإبداع، إذاً الإبداع في الأنظمة مقترن بهبوط سقف الحرية والكبت الذي يعاني منه المواطن العربي تحت سيطرة الدولة البوليسية وليس الدولة المدنية الديمقراطية.

وهناك متلازمة مرتبطة بالبنية الاجتماعية للأنظمة العربية وهي تأتي على شكل مجموعة من الرواسب السلبية التي تبين حجم التخلف الذي تعاني منه الأنظمة العربية، حيث يأتي نتيجة عدم الاهتمام بالفئات المبدعة، ومن المفترض أن تكون الأمة العربية خير أمة أخرجت للناس، ويأتي ذلك عن طريق الاهتمام بالبرامج التربوية "العصرية" ودعم الفرد بهويته وأصالته وتنمية القدرات الذهنية التي تساعد على تنمية إبداعه، بالإضافة إلى تشجيع حرية الابتكار وحرية الفكر، إذ ما نلاحظه الآن في الوطن العربي كثير من الأزمات القاتلة للتطور والإبداع مثل أزمة الثقافة وأزمة التربية وأزمة التوزيع، مما يؤدي إلى ظهور أزمة الإبداع، وبشكل أساسي يعتبر مبدأ الحرية والديمقراطية حجر الأساس في جميع القواعد الثقافية وغيرها، إلّا أن مثل هذه المبادئ تعاني من وجود شباك عليها تتمثل بالعصبية القبلية واستبداد الحاكم والفساد المستشري وظلم الأنظمة التي بقيت تعتمد على الشرعية الثورية والشرعية التقليدية، وتهمش الشرعية العقلانية في إدارة الحياة السياسية، وهذه الظروف مجتمعة تقتل عملية التطور والإبداع ويبقي حال الأمة يرثى لها.

لاحظنا في الآونة الأخيرة خروج المواطن العربي مطالبا بالحرية وليس بالإبداع، لأن الحرية في حد ذاتها تحمل أجندة الإبداع

وفي النظر إلى حال التربية والإبداع في الأنظمة العربية، كم من طلابنا يعاقبون لأنهم يخرجون عن أنماط التفكير المتبعة والتقليدية السائدة في المجتمع؟ وكم منهم يكافؤون لالتزامهم بالطرق المألوفة، ثم كم من العوائق تقام ضد الجهد الإبداعي عند الطالب كل هذه الاستفسارات تقتل الإبداع من أساسه إذ إن التربية بالطرق التقليدية لا تتيح الفرصة للتطور والتفكير الإبداعي ومن واجب الأنظمة التربوية تشجيع الأصالة عند الطلاب وأن لا تجبرهم على العادات والتقاليد الجامدة التي تحد من الإبداع أحيانا.

المبدعون هم جزء لا ينفصل عن المجتمع باعتباره مزيج بين الفعل والقدرات الشخصية والبيئة الاجتماعية، وما يجعلنا نبحث ونطالب بمجتمع عربي مانح للحريات ومؤيد للإبداع

علاقة الحرية بالتحديث والحداثة هي علاقة أزلية، كل منهم يخدم الآخر لذلك نلاحظ في عالمنا العربي أنه مضت سنوات طويلة بل عقود دون إبداع أو بقلة الإبداع، حيث انحدر كل عمل إنساني وأصبح خال من الإبداع، حتى أصبح المبدعون ينتجون لأنفسهم وليس لمجتمعاتهم في شتى مجالات الحياة ويستمر هذا الفقر الإبداعي وهذا الانحسار الإنساني طالما انحسرت حرية هذا الإنسان، خصوصا عندما يكون مراقبا لنفسه ويراجعها من أي مساءلة ممكن يتعرض لها، وبالتالي لاحظنا في الآونة الأخيرة خروج المواطن العربي مطالبا بالحرية وليس بالإبداع، لأن الحرية في حد ذاتها تحمل أجندة الإبداع، سيبقى هذا المواطن العربي يبحث عن حريته حتى تتحقق في يوم من الأيام لكي يضمن العيش بكرامة ومن أجل العيش في مجتمع يؤمن بالقدرات الإنسانية كجزء مترابط مع هذه البيئة المجتمعية، وهو مكمل للأجزاء الأخرى لذلك نحن نعيش في واقع عربي أليم مانع للحريات قاتل للفكر الإبداعي، مجتمع لا يدعم المبدعين بل يحاربهم أحيانا، والأنظمة العربية لا تقبل التطور والتقدم الذي يعتبر صفة أساسية من صفات الإنسان.

وهناك تأثير آخر للمؤسسات التعليمية كإحدى وسائل تنمية الإبداع، حيث إن الهدف الأعلى للمؤسسات التعليمية في الوطن العربي هو التربية والتعليم، كيف يتم ذلك في ظل غياب قيم العدالة والديمقراطية وغياب قيم المواطنة بالإضافة إلى أنها تخلو من قيم النمو الانفعالي، وهي لا تتبع سبل التربية الإبداعية وسبل التربية الحديثة، مع العلم أن التربية تأتي في المقام الأول قبل التعليم، فهناك فجوة كبيرة بين المدارس والجامعات، وهذه الفجوة في اتساع مستمر وكلاهما منعزلان عن خطط التنمية السياسية وعن المجتمع الذي يحتاج إلى توطيد وتعزيز مفهوم الحرية والتنمية بجميع أنواعها، إلّا أنها أصبحت تشكل عبئا ثقيلا على كاهل المجتمع، ويتضح ذلك من حجم الإنفاق في الدول العربية على التعليم والبحث العلمي، إن السياسات المستخدمة في المدارس والجامعات هي سياسات تقليدية تعيق الأساسيات في التعليم وتعيق مهارات التفكير الإبداعي وهي تخلو من البرامج التربوية الحديثة والتنموية بفعل أنها تجبر الأفراد والطلبة على حرفية النصوص الموجودة في الكتب الدراسية والمقررات الجامعية.

للأسف الشديد إن معظم الأنظمة العربية قاتلة للحرية وقاتلة للإبداع العلمي، فهي أنظمة لا تسمح بظهور إبداع بسبب عدم تكريس مفاهيم الحرية والديمقراطية، والحرية هي شرط أساسي لتنمية الإبداع فلا إبداع بدون حرية، حيث تبقى الحرية هي الأساس في تطوير الفرد وتطوير المجتمعات، فالحرية تشجع المبدعين الذين هم ركائز المجتمعات وأساس تقدمهم. فهم يفحصون الفرضيات ويطبقونها ويطورونها ويجعلون الإبداع الداخلي قابل للتطبيق، وتخلق الأمل في حل المشكلات لضمان التقدم والتطور الإنساني والحضاري، وأن المبدعون هم جزء لا ينفصل عن المجتمع باعتباره مزيج بين الفعل والقدرات الشخصية والبيئة الاجتماعية، وما يجعلنا نبحث ونطالب بمجتمع عربي مانح للحريات ومؤيد للإبداع العلمي مجتمع عربي قابل للتطور حتى يصبح هذا المجتمع منارة للعالم وحضارة نعتز بها، فكيف يكون ذلك في ظل وجود أنظمة قاتلة للحريات.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة