أفرجوا عن مصر "حكاية جمال وأندرو"

في يوم 12 مايو 2017، داهمت الشرطة المصرية منزل جمال عبد الحكيم (مواليد 1994) واعتقلته. وفي 16 مايو، اعتقلت أندرو ناصف (مواليد 1992). جمال عضو شاب في حزب العيش والحرية، وهو حزب معلن، تحت التأسيس، ذو مواقف سياسية منحازة لثورة يناير. يمارس الحزب نشاطا سياسيا معلنا في إطار مؤسسي صريح، وطالما أدان العنف والإرهاب على كل المستويات. بحسب معلوماتي ليس لأندرو انتماء حزبي ولا نشاط سياسي.

 

كل منهما محبوس على ذمة قضية مختلفة، كما أن قرار الاتهام لم يتضمن انتماءهما لكيان إرهابي، بل تضمن تهمة واحدة مكررة بالنص: "أعد للترويج لارتكاب جرائم إرهابية بالكتابة، بأن حاز محررات تحوي أفكار ومعتقدات داعية لارتكاب أعمال عنف على النحو المبين بالتحقيقات".

 

الملفت في القضيتين (اطلعت على أوراقهما) أنه تمت إحالة المتهميْن للمحاكمة وفق قانون مكافحة الإرهاب، المعروف بشدة عقوباته، والذي تم تشريعه بحجة مقاومة الإرهاب الذي يضرب مصر بتفجيرات دامية وعمليات إرهابية. هذا القانون تقتضي مؤثِّماته (أي المقومات التي تجعل مرتكبها آثما) التورط في العنف والإرهاب واستخدام القوة… فما هي أحراز القضيتين؟

 

بحسب المحاضر، ضمت الأحراز منشورات مطبوعة لدى المتهميْن، اعتبرتها الشرطة والنيابة تحريضا على العنف، فما هي هذه المنشورات؟ إنها كتاب "الأجور والأسعار والأرباح" لكارل ماركس! هذه ليست نكتة، قام الضابط بتحريز الكتاب من منزل جمال، الذي درس في كلية التجارة، ومع أن الكتاب وثيق الصلة بتخصصه، ومنشور بلغات عالمية كثيرة لأن مؤلفه مرجع غني عن التعريف، فإنه الآن حرز من الأحراز في مصر.

 

من الأحراز أيضا مطبوعات مدون عليها: جانا الفقر جانا، البقاء لله في الفقير، حرر صوتك، ثورة الفقراء، ثورة الغلابة… لكن جمال نفى تماما صلته بهذه الأحراز، معترفا فقط بحيازة كتاب ماركس. لماذا يمكن أن يحتفظ بمطبوع "ثورة الغلابة" أو "ثورة الفقراء"؟ مضى وقتها منذ 11 نوفمبر الماضي، كما أن التيار المدني وحزب العيش والحرية لم يدعماها ولا شاركا فيها بحال.

 

الأغرب من ذلك أن المحضر يثبت أحرازا أخرى بعد تفتيش منزل جمال، وهي صور مأخوذة لحسابه على الفيس بوك (وفقا لزعم الداخلية). هل يعقل أن يطبع شاب آراءه من الفيس بوك ليحتفظ بها ورقيا في منزله؟ أيضا نفى جمال صلته بها وأنكر أن الحساب يخصه. لماذا إذن ورد هذا الحرز العجيب؟ لأنه لم تُتخذ الإجراءات القانونية المحددة لتتبع أصحاب الحسابات المخالفة للقانون، حيث يجب أن تتخذ إدارة التوثيق والمعلومات بوزارة الداخلية الإجراءات اللازمة لتتبع صاحب الحساب وتحديد رقم هاتفه، ومن ثم عنوانه، ثم القبض عليه. هكذا يقول القانون، لأن الصور المطبوعة من الفيس بوك يمكن تزويرها مثلا، كما يمكن القرصنة على حساباتها والتصرف فيها بغير إرادة أصحابها.

 

جاءت تحريات أندرو مجهلة تماما، مرسلة، منسوبة لمصادر سرية مجهولة، لم يوضح الضابط كيف تم ترويج الإرهاب والعنف؟ ومتى؟ وأين؟ لا تفاصيل أبدا، علما بأن التحريات ليست دليلا قائما بذاته حتى لو كانت دقيقة

قضية أندرو تكاد تكون منسوخة من قضية جمال، والأحراز تكاد تتطابق، مع تنويع قليل في الشعارات، لكنه ذو دلالة، مثل مطبوع "أفرجوا عن مصر"، وصور مأخوذة أيضا من حساب فيس بوك تنسبه الداخلية إليه دون اتباع الإجراءات القانونية، وأيضا نفى أندرو صلته بها كلها.

 

لماذا ترى الشرطة والنيابة ترويجا لارتكاب جرائم إرهابية في شعارات مثل هذه؟ ولماذا يُسجن أندرو، الشاب المسيحي المسالم، منذ منتصف مايو، محالا إلى المحاكمة في دور انعقاد أكتوبر (وجمال في دور انعقاد نوفمبر) وفقا لقانون مكافحة الإرهاب الذي شُرع للقضاء على داعش والجماعات الجهادية؟ هل يُعقل أن يُتهم أي شاب بأنه إرهابي استنادا إلى شعارات وتدوينات كهذه؟

 

في نص المحاضر ترد عبارة عجيبة لوصف صفحة الفيس بوك المنسوبة لأندرو بأنها تبثّ: "بعض الآراء الإسقاطية ضد النظام العام والعبارات المسيئة ضد الجيش والشرطة والقضاء…" ما معنى إسقاطية التي وردت في القضيتين؟ وما دلالتها على التحريض على الإرهاب؟ من هذه العبارات المسيئة "يعني ايه مصر؟ يعني رئيس الجمهورية"، و"تسقط السجون والديكتاتوريات العسكرية"، الآن اقرأ هذه العبارات (الإرهابية) أيضا: "اطلب الحرية واتكلم عن كل انسان مظلوم في البلد سواء كنت تعرفه أو متعرفوش وانشر حكايته ولو حتى بمشاركة بسيطة مع أصحابك.. لأن هييجي يوم عليك وتدافع عن حبك لبلدك وتكون موجود مكانه أو معاه".

 

نفى أندرو صلته بصفحة الفيس بوك هذه، لكن يظل السؤال: أين الإرهاب والعنف في طلب الحرية والدفاع عن حبنا لبلدنا…؟

 

أما التحريات فجاءت مجهلة تماما، مرسلة، منسوبة لمصادر سرية مجهولة، لم يوضح الضابط كيف تم ترويج الإرهاب والعنف؟ ومتى؟ وأين؟ لا تفاصيل أبدا، علما بأن التحريات ليست دليلا قائما بذاته حتى لو كانت دقيقة.

 

حين وقعت بيدي أوراق قضية آية حجازي ورفاقها أذهلني ما ورد في تحرياتها. هذه سطور من مقالي عنها: "في محضر التحريات النهائية حول الواقعة، يعترف الضابط بحقيقة معلومة للجميع، هي النشاط الراقي للمؤسسة، كالاهتمام بالتعليم والرعاية الصحية واصطحاب الأطفال للحدائق… أما تصوير الأطفال عرايا، وفي أثناء اللواط، وهي حقيقة مجهولة تماما لخلو الأجهزة التي جرى تفريغها، بعد تحريزها من المؤسسة، من أي مواد من هذا النوع، فكيف يثبت الضابط هذه الاتهامات؟"

 

بسيطة، كتب الضابط في التحريات: "لكن كان المتهم يحتفظ بهذه التسجيلات في مكان سري يخبئها فيه على فلاشة… ولكن لم نستطع التوصل لهذه التسجيلات…" لم يكن لدى الضباط ووكلاء النيابة والقضاة المسئولين عن سجن آية ورفاقها ثلاث سنوات كاملة.. لم يكن لدى أي منهم حرج مهني ولا أخلاقي في حبس هؤلاء البشر ثلاث سنوات من أجل فلاشة سرية يؤكد الضابط وجودها وإن لم يتوصل إليها.. الفلاشة الميتافيزيقية.

 

طبعا لم يُحاسب أي من هؤلاء على معاناة يوم واحد من سجن الثلاث السنوات، بعد تبرئة آية ورفاقها. لا تفرجوا عن مصر يا سادة. أفرجوا عن أندرو وجمال وشباب البلد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملحوظة:

* مقالي عن قضية آية حجازي ورفاقها

* ساعدني المحامي الحقوقي عبد العزيز يوسف مساعدة كبيرة في شرح القضيتين وتزويدي بأوراقهما، فله كثير من الشكر والامتنان.



حول هذه القصة

أعلن جيش إنقاذ روهينغا أراكان “أرسا” عن هدنة من جانب واحد بدءا من اليوم ولمدة شهر كامل لتسهيل وصول المساعدات والفرق الإغاثية للمتضررين، مطالبا جيش ميانمار “بوقف عملياته العسكرية”.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة