لم تكونوا بالغيه إلا بشِقّ الأنفٌس..

blogs تأمل

أحيانًا يتراءى إليّ أن الجهد الجسدي يكاد يكون ذرّة أمام الجبال التي تتكوّن إثر تعبٍ ما تشكو منه الرّوح وكل الآثار التي يكون لها نصيبٌ أن تتكاثر في صدرك، كإنسانٍ كُتب عليك نصيبُك من الألم، كما كُتِب أن يكون لكلّ ألمٍ نِعَم، قلَّ من يلتمسُها في نفسه.

"لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ".. تتبدّى لي هذه الآية اختصارًا لرحلة الإنسان على هذه الأرض، فكنتُ كثيرًا ما أفكر في تعب الإنسان، قسمة الأقدار التي تظلّ تُذهلني، صراع الإنسان للرضا بها، كلّ هذا حتى يصِل للسّلام في قلبه، إلى صدق صوتِه الداخليّ، ولم تكونوا بالغيه إلا بشقّ الأنفُس!

لله في هذه الدّنيا نفحات، يتعرّض لها المرءُ منّا لها فلا يشقى بعدها أبدًا، تدعو الله في ليلة ظلماء يشتهي فيها قلبُك ريّـًا من شدّة اللهث في هذه الحياة الدّنيا، تُريد حكمةً من كل ما جرى، وعاقبةً لما قدّر لكَ تكونُ رُشدًا ونورًا تُبصر به ما بقي من الطريق، ولأنّ تلك السكينة تكاد لا تأخذ جسد مادةً على شكل كلمات، فإنها أقرب للشعور الخفيّ الذي يأتي إلى قلبك ما إن تربتُ على كتفك أول قطرة مطر، أول فرحة بعطيّة منه -سبحانه- بعد انتظار وليالي دُعاء.

لا أدري من يزرع فينا لذّة الراحة تلك بدلًا من لذّة التعب، وكيف سنُجابه تعب الحياة بتعدّده إن لم نكُن مستعدين لنكون إنسانًا جديدًا

"كلّ ما حدث كان يجب أن يحدث، كلّ ما حدث لا يمكن منعه من الحدوث، كل شيء يحدث بسبب ولسبب.." كلماتٌ كثيرة نقرؤها ونردّدها بإيمانٍ أحيانًا وبتردد أحيانًا أخرى، علّ القلب في ضجيجه يرضى ويستكين، لكننا في غمرة ذلك ننسى ما يريد أن يصنعَ اللهُ فينا. يومًا ما كتبتُ أنني سألتُ الله أن يصنعني، وأعظم ما صنعَ بي أنني رضيتُ بالعثرات لأن لا شيء يصنعني مثلها، قد منحني مفتاحًا لعظيم! وأدركتُ أن في كلّ حدثٍ وعَثرة منحني رسالةً ونعمة لم أكن بالغةً لها إلا بشقّ النفس ذاك.

أفكر في جبلّة الإنسان التي تسعى للراحة دومًا، ألا يُنغّص عيشَها شوكةٌ ما، في حين أنّ هذه هي كينونتُنا ببساطة، سنتعثّر ونتعب ونتألم ونحزن، لكن الحِكمة في هذا ألا نسعى للرّاحة أبدًا، إنّما للرضا والاستكانة لأقدار الله واعترافِنا بصحّة خياراتنا حينًا وسوئها أحيانًا كثيرة.

هُنا أفهم: "لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ"، ربّما أيضًا أن تتساوى أقدار الله في قلبك شكرًا وصبرًا فقط لأنها من الله. لا أدري من يزرع فينا لذّة الراحة تلك بدلًا من لذّة التعب، وكيف سنُجابه تعب الحياة بتعدّده إن لم نكُن مستعدين لنكون إنسانًا جديدًا تعلّمُه الأقدار يومًا بعد يوم ما شاء اللهُ أن يتعلّم، وتسلخ عنه جلده القديم.

في حبّ القرارات المصيريّة التي نتّخذها فتصنعَنا وشوقِنا للمسار الجديد الذي سيُغيّر الكثير من الأحوال والنّاس في حياتنا، فندخلَ غمارًا جديدًا بكل شغف، في هذا الحبّ تصالحتُ مع آلامي وعثراتي ومددتُ يديّ للألم الذي يُحييني ويُثبتُ -ببساطة- إنسانيّتي.