شعار قسم مدونات

عندما تتحول الأوطان إلى مداجن

blogs مواطن مصري

أسهبت أغلب الحكومات العربية القمعية في اتخاذ سياسات داخلية محددة تحكم من خلالها الفئة الأكبر من الشعوب والمتمثلة بالطبقات الكادحة، وتضمن انشغال المواطنين بتأمين لقمة عيشهم في سبيل منعهم من التفكير بمسارات الأمور المفصلية في أوطانهم، من سياسة داخلية وخارجية للدولة إلى الأخطاء الفادحة في المناهج التعليمية، وتسلط الأجهزة الأمنية والتي تعتبر الحلقة الأساسية في نير خنق الشعوب ووأدها تحت مسمى أمن الدول.

فعملت الحكومات الدكتاتورية في الدول المذكورة أمثال سوريا والعراق واليمن ومصر والسعودية وغيرها الكثير، على حصر فكر الشباب المنتمين إلى عوائل الطبقات المسحوقة والمتوسطة الدخل بحيز ضيق لا يسمح للشاب بالتفكير أكثر من بناء مستقبل له يضمن به حياته كباقي هؤلاء المواطنين المستضعفين، ولما في هذا الطريق من مشقة كبيرة في بحور الرشاوي والتسلط والمحسوبيات، فلن يكون الشاب متفرغاً لممارسة دوره الفكري أو بناء مبدأ فكري محدد له اتجاه قضية معينة كالمناهج الدراسية التي تدرس له في المدرسة أو الجامعة، أو اتجاه طبيعة الأسعار والضرائب التي يضطر المواطنون لدفعها لقاء خدمات في حقيقة الأمر هي أسوأ من أن يدفع المرء فلساً واحداً مقابل تلقيها.

ولم يضمن الحكام رغم هذا سخط الشعوب عليهم لقاء أفعالهم وانتهاكاتهم الشنيعة، بل جعلوا الأجهزة الأمنية التي تم تأسيسها بأموال الشعوب أساساً، عبارة عن سوط يجلد ظهر كل إنسان يحلق خارج سرب السمع والطاعة، وهذا أمر متعارف عليه في المجتمعات العربية؛ فإذا كنت في دولة تحمل طابعاً إسلامياً فأنت سيصل بك الحال أن تغلق محلك وتذهب للصلاة في وقتها خوفاً من الأجهزة الأمنية أكثر من خوفك من الله نفسه، وإذا كنت في دولة تدعي المدنية فسوف يكون فمك مكمماً طيلة الوقت، خوفاً من أن يسمعك أحد الجواسيس وأنت تتكلم عن خطأ من أخطاء النظام الحاكم، حتى أن مواطني هذه الدول بدأت تخشى جدران منازلها متوهمة أن لها آذان، وستنقل ما تسمعه للسلطات الحاكمة ليصبح الشخص المدان بتهمة التفكير طي النسيان في غياهب المعتقلات.

يستمر الحكام العرب في تضييق الخناق على شعوبهم حتى يصبح المواطنون كالدجاج الأليف لا همَّ له إلا تأمين لقمة العيش
يستمر الحكام العرب في تضييق الخناق على شعوبهم حتى يصبح المواطنون كالدجاج الأليف لا همَّ له إلا تأمين لقمة العيش
 

هذا ولطالما تاجرت السلطات الحاكمة بسلعة الوطنية والوفاء للوطن، بطريقة تمكنت منها من تلقين المواطن المستمع للشعارات والخطب الرنانة أن الوطن هو القائد والقائد هو الوطن، فأنت إذا ما فكرت ولو للحظة في أن قائدك انسان مستغل يشرب من دماء الشعوب الكادحة، ويكدس الضرائب التي يجمعها من عرق المواطنين وكدحهم ليقوي بها مؤسسته العسكرية، والتي لم تفلح يوماً في صد معتدٍ خارجي بل لطالما كان دورها حماية الوطن من أبنائه، فأنت هنا تكون تسب الذات الوطنية وأنت خائن لوطنك ناكرٌ لجميله -ولو لم تر هذا الجميل يوماُ-، وعلى هذا الأساس ومن خلال هذا التلقين تمكن الدكتاتور من بناء قاعدة شعبية من الخرفان تمشي أين ما تشير عصاه لأنهم اقتنعوا أنهم لا مرعى لهذا القطيع بدون ذلك القائد الراعي.

واستكمالاً لدور الأجهزة الأمنية في السطوة المسلحة على رقاب الشعب بتوجيهات القيادة الحكيمة، شرع خطباء المساجد وقسيسي الكنائس في تمجيد القائد البطل، الذي لطالما كان أسداً على شعبه ونعامة في الحروب الحقيقية، فعندما يدخل المواطن إلى دار للعبادة يشعر بأنه دخل شعبة توجيه سياسي، فأغلب ما يقوله الخطيب يصب في محورين: إما أن كل أخطاء البلاد هي من إهمال المواطن وتقاعسه في أداء دوره الوطني، أو أن المواطنين قد أتعبوا الحكام وأعيوهم من قلة الوعي وكثرة التصحيح، ليتبع ذلك مباشرة سيل من الدعوات يتجه نحو الله بخلود الحاكم وإطالة عمره، والله بدوره يستجيب فيقصر من أعمار الرعية العمياء ليطيل عمر الحاكم بغباء شعبه.

وبين ألف طريقة وأخرى يستمر الحكام العرب في تضييق الخناق على شعوبهم حتى يصبح المواطنون كالدجاج الأليف لا همَّ له إلا تأمين لقمة العيش، ليلقح الإناث ليلاً ويكثر البيوض لتفقس صيصاناً أليفة صغيرة، تمتثل لأمر صاحب البيت الذي يطعمها من مردود لحمها وبيضها أساساً.