هل يجب فصل الفن عن الفنان؟

blogs - ممثل

لا شك بأن إشكالية الفن والأخلاق إشكالية أزلية نشأت مع نشأة الفن نفسه، وشغلت الفلاسفة من قبل ومن بعد فمنهم من نادى بأخلاقية الفن وخيريته. ومنهم من رأى الفن كينونة مستقلة غير محكومة بالنزاهة أو الاستقامة. معظم هذه الاتجاهات تناولت أخلاقية العمل الفني نفسه، لكن ماذا يمكننا القول عن أخلاقية الفنان؟

هل يجب علينا فصل العمل الفني عن مبدعه بشكل كامل، فنتعامل مع العمل الفني بشكل مجرد بعيدا عن صلاح مبدعه ومبادئه بدعوى أنها لا تؤثر على جوهر الفن خاصة إذا لم يتطرق الفن لهذه الموضوعات بشكل مباشر؟ أم أن علينا أن نرى الفن والفنان وحدة واحدة فنضع الفنان أمام المسؤولية الأخلاقية الفردية ولا نخرج أعماله من هذه الدائرة؟ وهل سيؤثر الفصل أو عدمه على أي عنصر داخل منظومة الفن والفنان والمتلقي؟

لا بد بأننا سمعنا عن المؤلف الموسيقي الألماني (ريتشارد فاغنر) الذي اشتهر بموسيقاه "الأوبيرالية" المركبة، واستمتعنا بروايات تشارلز ديكينز، وتفاعلنا مع مشاهد تشارلي تشابلن الكوميدية، ورقصنا مع أغنيات مايكل جاكسون، وتأملنا لوحات بيكاسو بإعجاب، وألفتنا أفلام وودي ألين منشدين مندهشين؟

من غير الممكن فصل الفن عن صانعه، ويستحيل وجود أحدهما دون وجود الآخر، فما الفن سوى تلك التفاعلات الداخلية والأفكار الناتجة عن صراعات النفس؟

لكن هذا كله على وشك أن يهتز في السطور القليلة القادمة، فهل تعرف أن "فاغنر" اشتهر بكره اليهود ومعاداة السامية؟ وأن تشارلز ديكينز كان خائنا لزوجته ومهملا لأبناءه، واتُهم تشارلي تشابلن بإقامة علاقات مع فتيات قاصرات، وواجه مايكل جاكسون اتهامات بالتحرش بالأطفال، وعُرف عن بيكاسو معاملته السيئة للنساء، وأخيرا اتهم وودي ألين بالاعتداء الجنسي على ابنته بالتبني.

وحتى لا نذهب بعيدا، دعونا نتحدث عن زماننا ومكاننا بقضايا أكبر إنسانيا وأخلاقيا، فقد جرفت أمواج الربيع العربي العديد من الفنانين الذين دعموا الأنظمة المستبدة إلى جرف السقوط الأخلاقي. فنرى الممثل الذي لطالما تغنى بالكرامة والعزة في مسرحياته يخلع عباءة الشرف والإنسانية ويهتف لنظام سفك من دماء الأبرياء ما سفك ودمر ما دمر، فندرك بعد تلك السنين بأنه لم يكن فعلا سوى ممثل.

وتلك المغنية التي أطلقت فينا الحماس بأغنياتها عن الوطن نراها الآن تهلل للطاغية وطغيانه. وذاك الشاعر الناظم في القدس وفلسطين وصاحب قصائد التمرد على استبداد السلطة، نراه لا يزال يدافع عن جماعة دموية مجرمة. هؤلاء كلهم نشير إليهم بأنهم سقطوا. ونشعر باشمئزاز ووخز في الضمير حينما نمر مرة أخرى على فنهم. فنراهم بعين مختلفة رغم أن الفن هو نفسه الفن. فما الذي تغير؟ وكيف نفسر ذلك الشعور؟

إن ذلك الشعور نابع من إحساسنا بأن التفاعل مع الفن الناتج من فنان لا أخلاقي هو بطريقة أو بأخرى دعم لذلك الفنان. وهو شعور عفوي ناتج عن تعاطفنا الإنساني، وعن الرابط غير المفسر الذي نحيكه بين الفن والفنان.

لا شك بأن الجمهور هو الداعم الأول لكينونة الفنان، وأن المتلقي ضلع أساس في مثلث العملية الفنية، فالرصيد الفني للفنان متناسب طرديا مع ردود فعل المتلقي

إن من غير الممكن فصل الفن عن صانعه، ويستحيل وجود أحدهما دون وجود الآخر، فما الفن سوى تلك التفاعلات الداخلية والأفكار الناتجة عن صراعات النفس؟ فالفن هو نفس الفنان وروحه على هيئة لوحة أو تمثال أو قصيدة.

إن مرتبة الفنان منبثقة من كونه خالقا للفنّ، ولا بد للخالق أن يعتلي منزلة تفوق المخلوق وتسمو عليه، لأن الفن الذي أنتجه جزء منه، وهو الكل، لذلك فمهما كان الفن جميلا فلا بد أن يكون الفنان أجمل. إنّ خرق هذه القاعدة ممكن تطبيقيا، فمن الممكن أن نشاهد فيلما ينبذ العنف لمخرج يضرب زوجته، لكن الفن في هذه الحالة قد فقد أحد أهم أساساته وهو الصدق، فأضحى غير قابل للتصديق بل ومنبوذا من قبل المتلقي، فتختل بذلك المنظومة برمتها.

لماذا علينا ألّا نفصل الفن عن الفنان؟

لا شك بأن الجمهور هو الداعم الأول لكينونة الفنان، وأن المتلقي ضلع أساس في مثلث العملية الفنية، فالرصيد الفني للفنان متناسب طرديا مع ردود فعل المتلقي. لكن الجمهور بأغلبيته لا يدرك مدى قوته في التأثير بهذه العملية. إن المجتمع الذي يدعو للإنسانية والخير والفضيلة قادر على نبذ الفنانين اللاأخلاقيين، الذين يشوهون القيم الإنسانية السامية، ويمسون المبادئ العليا. خاصة وأن الفنان مثالٌ في معظم المجتمعات، فتأثيره لا يقتصر على نفسه بل ممتد لغيره بالضرورة. إن وقوفنا في وجه الفن الناتج من فنان لا أخلاقي ومقاطعتنا له هو في صورته العامة حماية لنا ولقيمنا الإنسانية من الانحدار. لذلك علينا ألا نفصل الفن عن الفنان.