شعار قسم مدونات

حل لغز الأسرى

blogs- jail
يعتبر أهل فلسطين ونظامهم السياسي المزدوج ممثلا في منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية نموذجا خاصا ومميزا لحالة الانكشاف على الضغوط والاستجابة للإملاءات الخارجية والتمويل الدولي المشروط من الدول المانحة، وذلك لعدم امتلاكه اقتصادا حقيقيا وعدم قدرته في التحكم بمصادره وموارده المالية والطبيعية المحدودة باعتباره شعبا وسلطة لا يزال تحت الاحتلال والتأسيس.

في هذا السياق السياسي الخاص تتحول القضايا الكبرى لهذا الشعب

إلى موضوع مساومات، وتعتبر قضية الأسرى والمحررين حالة تظهر إشكالية العلاقة بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير من جهة، كما أن تحويل وزارة شؤون الأسرى إلى هيئة يعكس التعاطي مع المجتمع الدولي والاشتراطات السياسية والاستجابة للضغوطات من جهة أخرى. فمنذ تأسيسها عام 1998، تنشط وزارة الأسرى والمحررين بتقديم الخدمات المادية للأسرى والمحررين وعائلاتهم بما يشمله من تأمين صحي وتدريب مهني وتعليم جامعي وتأمين الوظائف، وفي شهر آيار 2014 صدر مرسوم رئاسي لتحويل شؤون الأسرى من وزارة تتبع للحكومة الفلسطينية وتتلقى تمويلها من الموازنة العامة إلى هيئة وطنية عليا تتبع لمنظمة التحرير وتخضع لإشرافها وتمويلها، وتم تعيين عيسى قراقع رئيسا لها، فتحولت مكاتب الوزارة إلى مكاتب تتبع إلى الهيئة، ومنذ ذلك التاريخ والقضية محط جدل في الأوساط السياسية خصوصا تأثير هذه الخطوة على دعم الأسرى.

يجب أن ندرك أن الأسرى يحتاجون إلى تحرير وتخليص، وعائلاتهم تريد أن يعيش أبناؤهم بينهم ويحصلون على لقمة عيشهم بأيديهم بكرامة وعزة
يجب أن ندرك أن الأسرى يحتاجون إلى تحرير وتخليص، وعائلاتهم تريد أن يعيش أبناؤهم بينهم ويحصلون على لقمة عيشهم بأيديهم بكرامة وعزة

إن الأسرى والمحررين وعائلاتهم دفعوا ثمن نضالهم ضد الاحتلال غاليا، والمفروض والحالة كهذه أن تهتم منظمة التحرير والسلطة بهذه الشريحة وعائلاتهم ودعمهم والعمل على إطلاق سراحهم وتأهيلهم للعيش بكرامة بعد إطلاق سراحهم. إلا أن المناخ الدولي وموازين القوى تجعل من الاستمرار في دعم هذه الفئة عبئا سياسيا كبيرا، بالإضافة إلى العبء المالي لتلك الدرجة، وصولا إلى عدم مساندتهم بالتصريحات للرأي العام المحلي الداخلي.

والسؤال المركزي وهو لماذا وإلى أين يمكن أن تقود خطوة السلطة الفلسطينية بتحويل وزارة شؤون الأسرى والمحررين إلى هيئة عليا نتيجة للضغوط واشتراطات الدول المانحة والحملة السياسية الإسرائيلية التي تعيب على السلطة رعاية ودعم الأسرى والمحررين وعائلاتهم؟ وهل يمكن أن يؤدي إلى تضييع حقوق هذه الشريحة كمقدمة لإدانتها ووصمها بالإرهاب والتطرف، حيث لن تستطيع السلطة المناورة أكثر على هذا الصعيد مع استمرار الضغوط الدولية، قياسا على أعمال الانتفاضة المسلحة وفك ومنع الأجنحة العسكرية للفصائل، حتى تؤول هيئة شؤون الأسرى لمجرد جمعية أهلية تخضع لإشراف وزارة الداخلية.

قضية الأسرى لا يمكن التعامل معها إلا على طريقة الخليفة العباسي المعتصم بالله، وأي طريقة أخرى فهي تعني في وقتنا الحالي التنازل والمساومة.‏. حل لغز الأسرى.. حاكم كالمعتصم.

إن الفرضية التي يمكن أن تكون مفتاحا لفهم هذه الخطوة التي قامت بها السلطة عام 2014، والتي جرت نقاشا بين الفصائل خصوصا الإسلامية منها واليسارية، خشية أن تقود هذه الخطوة إلى تهميش أسرى تلك التيارات وتقليص الدعم لهم في المعتقلات وخارجها، ووقف الدعم لأسرهم، يمكن أن تتمحور على أن السلطة الفلسطينية تناور في هامش ضيق للتعاطي مع الضغوط الدولية والمستجدات، إلا أن هذه المناورة ليست مضمونة العواقب.

على الرغم من النقاش الدائر والاعتصامات المستمرة في تحصيل الأسرى وعائلاتهم حقوقهم، فهل قضية الأسرى معقدة كل هذا التعقيد، هل هي لغز جديد يضاف إلى قضية فلسطين؟ يجب أن ندرك حقيقة هامة وهي أن الأسرى يحتاجون إلى تحرير وتخليص، وعائلاتهم تريد أن يعيش أبناؤهم بينهم ويحصلون على لقمة عيشهم بأيديهم بكرامة وعزة، وهذا ما يجب أن يكون واضحا ومفهوما لدى المسؤولين والقيادات المزعومة والموهومة، ولكن لأن هذا الطموح لا يمكن أن تحققه تلك القيادات، لأنه طموح وحق يفاصل بين الحق والباطل، فمن يتنازل عن هذا المطلب ولا يسعى إلى تحقيقه أصلا، فمن الطبيعي أن ينحني لكل الضغوطات العالمية والاستعمارية في تقديم أدنى الخدمات المالية للأسرى والمحررين وعائلاتهم، فمن يتنازل عن تحريرهم ولا يسعى له، من البديهي أن يقطع رواتب عائلات الأسرى، وأن يصف الأسرى وعائلاتهم في يوم من الأيام بالإرهاب والتطرف، ويقضي على أبناء الأسرى وهم في أرحام أمهاتهم حتى لا يكون ذلك الشبل من ذلك الأسد، خدمة واستجابة للعدو والمحتل.

وما زالت كل القضايا التي نتحدث عنها تتمحور حول افتقار إلى القادة والزعماء لرؤية واضحة ومبدأية في رعاية وخدمة رعاياهم، فنحن بحاجة إلى رؤية واضحة تنبثق عن مبدأ معين يسعى القائد المخلص إلى تحقيقها، فهل من حاكم يطبق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضية الأسرى حيث ورد عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فكوا العاني، وأطعموا الجائع، وعُودوا المريض))، العاني: أي الأسير؛ رواه البخاري.

نعم، نحن بحاجة إلى المعتصم ليحل قضية الأسرى على طريقته الخاصة القديمة دون المفاوضات والمحاكم الدولية وغيرها من الترهات، فعندما بلغ المعتصم خبر المرأة التي استنجدت به، استعظم ما حدث، فنادى من ساعته النفير النفير، وأحضر جماعة من أهل العلم والرأي وأشهدهم على أملاكه، فجعل ثلثاً منها لولده، وثلثاً لله، وثلثاً لمواليه، ثم بعث بنجدة لأهل الثغور المعتدى عليها يؤَمِّنهم ويُطمئنهم ويطلب منهم العودة إلى قراهم وديارهم التي فروا منها، وجهّز جيشاً عظيماً لم يجهّزه أحد قبله، وأخذ معه من آلات الحرب والأحمال والدواب شيئاً لم يسمع بمثله‏.

قضية الأسرى لا يمكن التعامل معها إلا على طريقة الخليفة العباسي المعتصم بالله، وأي طريقة أخرى فهي تعني في وقتنا الحالي التنازل والمساومة.‏ وبالعودة إلى عنوان المقال حل لغز الأسرى.. إنه حاكم كالمعتصم له إرادة في تحريك جيشه ليحرر الأسرى وأرض المسرى.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.