جدلية الفرد والجماعة في القرآن

مدونات - قران

تميل الجماعات الإنسانية عموماً إلى تنميط أفرادها في قوالب مرسومة من العادات الاجتماعية والنظم الفكرية وطرائق العيش سعياً منها للحفاظ على كياناتها، وتتلاقى إرادة الجماعة مع حاجات الأفراد بالانتماء من أجل الشعور بالقوة والأنس والأهمية. لكن الصراع ينشأ من أن الإنسان ليس كائناً اجتماعياً وحسب بل هو كائن يملؤه شعور عميق بالتفرد وتوق إلى تحقيق الذات، وكما أن لكل واحد من الجماعة الإنسانية اسماً مستقلاً لا يشاركه فيه غيره فإن له كيانه وشعوره الذاتي وجوهره الداخلي المتفرد.

تتجلى مشكلة التنميط في حالتها القصوى في العسكرية إذ يرتدي الأفراد زياً موحداً ويصطفون في طابور واحد ويؤدون ذات الحركات بذات الإيقاع، فتختفي أي ملامح تمييزية للأفراد ولا يظهر في المشهد النهائي سوى صورة طابور يتحرك ويسكن مثل القطعة الواحدة. هذه الحقيقة المركزة في معسكر الجيش تعبر عن ذاتها على نحو أقل سفوراً في أنشطة الحياة العادية، إذ يشعر الأفراد أنهم مطالبون بالالتزام بعادات المجتمع وتقاليده ويصير أي خروج عن هذه العادات موضع استنكار كأن يرتدي الفرد زياً غريباً أو يتخلى عن عادة مجتمعية أو يؤدي نشاطاً غير مألوف، وتمنح الشرعية لأي سلوك أو فكرة ليس بالنظر في بنيتها الموضوعية بل في مدى مطابقتها للمألوفات، وتصبح أشد الأفكار بداهةً محل سخرية ليس لشيء إلا لأنها خالفت السائد: "أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا".

استشعار المؤمن فردية رجوعه إلى الله ووقوفه بين يديه وانقطاع أسبابه بالعشيرة والجماعة يعزز شعوره بالمسئولية الفردية كما أنه يقوي ثقته بذاته

أهمية الجماعة وضرورتها ليست محل جدال، فالجماعة تمنح الفرد اللغة والهوية، وبها يقوي ضعفه ويكمل نقصه ويؤنس وحشته، والجماعة هي التي تصد الأخطار عن أفرادها وتنسق شتات جهودهم، والناس لا يعمرون الأرض ولا يقيمون الحضارة إلا بفضل اجتماع الجهود، لكن موطن الالتباس هو أن تتخذ أهمية الجماعة مبرراً لمحو هوية أفرادها ومصادرة حريتهم. يتخذ كل من العلم والدين موقفين متباينين من الفردية، فطبيعة العلم تميل إلى التعميم والقولبة لأنه يهدف إلى اكتشاف القوانين العامة، لذلك يتعامل العلم مع البشر بأنهم وحدات إحصائية وأنماط سلوكية ويتعامل مع أحداث التاريخ بأنها أرقام، فلا يهتم العلم مثلاً بمشاعر أحد الجنود الذين شاركوا في فتوحات الإسكندر المقدوني ولا يسلط الضوء على قصته الخاصة وأثر موته على زوجته وأطفاله، كل ما يهتم به العلم هو الحصيلة النهائية للمعركة وهذا الجندي ليس أكثر من رقم عابر في تعداد الجنس البشري.

أما طبيعة الدين فإنها تقتضي تسليط الضوء على فردية الإنسان، وذلك لأن الفرد هو النفس الواعية المكلفة، وكل واحد من البشر كيان قائم بذاته لا يتكرر في الأولين ولا الآخرين. لذلك فإن الحساب يوم القيامة فردي: "وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا"، وتأثير القبيلة والجماعة معطل كلياً في ذلك المشهد العظيم: "وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ"، "فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ"، "إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا"، "إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ"، "وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا".

هذه الآيات ومثلها تؤسس لثورة جذرية في حياتنا، فاستشعار المؤمن فردية رجوعه إلى الله ووقوفه بين يديه وانقطاع أسبابه بالعشيرة والجماعة يعزز شعوره بالمسئولية الفردية كما أنه يقوي ثقته بذاته، فما دام الله سيحاسبنا فرادىً فهذا يعني أنه أودع في كل واحد منا القدرة على الاهتداء للحق دون حاجة إلى وصاية من السادة والكبراء والأحبار والرهبان، وما دام هؤلاء لن يغنوا عنا من الله شيئاً فأي مبرر بعد ذلك لتسليم العقول لهم!

من إحدى الزوايا فإن يوم القيامة هو اليوم الذي تتجلى فيه فردية الإنسان بعد أن توارت وراء حجب الثقافة والمجتمع في الدنيا، فيرجع الإنسان وحيداً فرداً يتحمل مسئولية قراراته ويبدو له ما كان يخفيه من قبل: "يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ" وقد سمي يوم القيامة بيوم الفصل لأنه يفصل فيه بين أفراد الأمة الواحدة والقبيلة الواحدة والعائلة الواحدة: "يَوْمئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ". ينحاز البشر إلى الجماعة على حساب الفرد، فالجماعة هي "الذات" التي يجب حمايتها مثلما تمد الأفراد بالعون والحماية، والحفاظ على موروثاتها وتقاليدها هو حفاظ على النوع من الانقراض، لذلك لا ترحب الجماعات عادةً بالأفكار الجديدة بل تنظر إليها بأنها خطر يهدد هويتها واستقرارها فتقاومها.

كانت حجة الأقوام في التحشيد ضد دعوات الأنبياء أنهم يهددون موروثات الآباء، وهي شبهة تطرح في كل العصور بأن الدعوات التجديدية تهدد هوية المجتمعات وقيمها

في هذا السياق نفهم إصرار الأقوام على التمسك بآلهتهم في مواجهة الأنبياء، فالآلهة رمز للمنظومة الاجتماعية المنغلقة على ذاتها التي ترفض كل محاولات التجديد: "حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ"، "وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ"، "أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا". هذه الآلهة ليست مجرد أحجار وتماثيل، بل هي منظومة التقاليد التي توارثتها الجماعة عن آبائها وغدت مقدسةً دون مساءلة وتفكير، وقد تحولت هذه الآلهة إلى هوية تعطي الملامح المميزة للجماعة فغدا الدفاع عنها دفاعاً عن الذات، وبهذه القراءة السننية نعرف أن لكل قوم آلهتهم، وأن كل قيمة أو فكرة أو تقليد مجتمعي يتبعه الناس تقليداً لا تفكيراً هي آلهة معبودة.

في مواجهة جمود الأقوام على موروثاتهم الآبائية يمثل الأنبياء نماذج التحرر الفردي من قيود الترسانة الثقافية السائدة: "أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ"، "أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ" وقد كانت علة "الفردية" واضحةً في رفض الكتل الجمعية لدعوات الأنبياء إذ جرت العادة أن الفرد عليه أن ينصهر في المجموع لا أن يطالب المجموع باتباعه: "أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ"، بينما يعلن القرآن انحيازه إلى الموقف الفردي في مواجهة الكتلة العمياء الصماء: "سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ"، "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً".

كانت حجة الأقوام في التحشيد ضد دعوات الأنبياء أنهم يهددون موروثات الآباء: "إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ"، وهي شبهة تطرح في كل العصور بأن الدعوات التجديدية تهدد هوية المجتمعات وقيمها، فهل المحافظة على تراث الآباء يقتضي صم الآذان واستغشاء الثياب صدوداً عن الأفكار الجديدة؟
نكمل في الجزء الثاني…