الصقر المحلق.. عن جمال الدين الأفغاني

blogs - جمال الدين الأفغاني

هو النبيه في زمن الانغماس في دياجر الغفلات، الذي لم تعتد عليه ديار ولا مراقد ولا ملاذات، فهو المرتحل بوازعه المترع بالشكيمة والعزم والذي هو نور بصيرته في مسالك وعرة وسحيقة، الرجل الذي انطلق يشق عجاج الفضاء الرحْب مشبوباً إلى حيث أوقد جذوةً أو سوى مسلكاً أو أقام وعياً يدعو إلى كلمة سواء، والذي أبى التّذمم والاستنكاف يوم استشرت الدّمامة في ربوع مشرقه الإسلامي، ولم يخضع وهو يراه وقد أُخذ من خِماطه إلى المذبح، فبينما هو حليم أواب إذا هو أسد وثاب. هو جمال الدين الحسيني (الأفغاني)، ابن مدينة أسد آباد عاصمة ولاية كونار الأفغانية، الذين ما عرفته إلا صغيراً وثير العظم قبل أن يرتحل عنها طفلاً طالباً للعلم في ربوع الإسلام الشاسعة، فكيف لا وقد اعتاد أن يسمي نفسه بالصقر المحلق الذي يبسط جناحيه، ليحط في كل عامرةٍ أو خربةٍ من ديار الإسلام.

وكأي طفل حديث العهد، يطل على هذه الأعجوبة – أي الدنيا- مبتهجاً، حتى لا يعود للعجب من نهاية فتصبح البهجة الظاهرة دهشةً أولاً، فسؤالٌ، ثم معرفة طاحنة مقلقة بما يدور حوله، فتراي إلى ناظري الأفغاني، مخالب مغروسةً بغيظ في أحشاء دياره على إثر ديار المشرق الإسلامي جمعاً، حيث طلائع التنوير الغربي التي يدفعها الطامعون الأغراب، ومن وراءهم عروش توجت بعتاةٍ استبدوا وظلموا، كل ذلك على غفلة من رجل مريض ينازع (كناية عن الدولة العثمانية).

إضافة إلى الصراعات المذهبية والإثنية وانفراط عقد الوحدة و البعد عن حاضنة الإسلام وهدي القرآن، والتي فتحت الباب على مصرعيه ومهدت السبيل لأطماع غربية في ثروات أمة تتمزق، لتُستخدم هذه الثروة كرافد لنهضتها البنيويّة والصناعية والعلمية والفكرية التي تستأثر بها، وقد بثت تلك الأطماع بروباغندا التمدن والحداثة و الحريات والحقوق وجاءت لتخلص الشرقيين من الرجعية وإحلال السلام والعدالة الفقيدة كما زعموا، وكأي نبوءة تحقق ذاتها بوجود متعطش لكل ذلك، سيخضع رغماً عنه للإلحاق والتبعية والاستلاب لبريق الحضارة الغربية وزهوها.

 أدرك الأفغاني ألا مجال للوقوف أمام هذا السيل الفكري المتدفق و المتجه من الغرب نحو الشرق والذي يحمل فلسفة عقلية قاصرة
 أدرك الأفغاني ألا مجال للوقوف أمام هذا السيل الفكري المتدفق و المتجه من الغرب نحو الشرق والذي يحمل فلسفة عقلية قاصرة
 
 تُرجمت هذه الأطماع باحتلال عسكري واستعمار حقيقي بما يشبه حرباً صليبية مقدسة محجوبة ٍبقناعها الجميل والذي أودى بالكثيرين من ضِعاف النفوس والمنخدعين بها إلى مدارج الغفلة والانخراط معها كوقود لها، والتي بدورها أهلكت الأرض والإنسان. نعم، لقد سقطت رؤوس منخدعة إثر رؤوس، لكن الثابت كالأوتاد والراسي كالأوطاد لا ينحني للأنواء العاصفة أبداً، فسقطت أمامه تلك الحُجُب، وبانت له تلك الألاعيب، وكأي غيور على دينه وأرضه ما كان أبداً يلوح في خَلدِ ذلك الثائر الرجوع والانكفاء، فهو ابن هذه الأرض التي لم يشعر يوماً فيها بالاغتراب، فمن أفغانستان إلى الهند إلى إيران إلى العراق إلى تركيا إلى مصر إلى غيرها، كان يجوبها كبلاد واحدة لا حدود بينها إلا ما كانت طبيعة الجغرافيا أو قوة الاستعمار تمنعه.


فأخذ على نفسه الولوج في طريق كثيرة الشقاء قليلة النعيم، يحمل فيها قبس إيمانه بعدالة السماء، ولقد أدرك الأفغاني ألا مجال للوقوف أمام هذا السيل الفكري المتدفق و المتجه من الغرب نحو الشرق والذي يحمل فلسفة عقلية قاصرة، اكتض الشرق بها من قبيل أدبيات وإحداثات جديدة تهتم بالمظهر والشكل الحضاري المضبوط بقوانين وضعيّة، ولا تضع اهتماما بجوهر الإنسانية والذي هو الأساس والمنطلق لتحريض الحراك الحضاري الحديث والحفاظ على ديمومته وديناميته، ورأى أنه لا بد من تجاوزه بتنوير شرقي مبني على قواعد فلسفية إلهية، الكمال أصلها والعقل سبيلها والتطبيق مآلها والوحدة عليها شرطها، تعزف على سيمفونية الشكل والجوهر.

ويرى الأفغاني أن التنوير الغربي اللاديني قد أقام -باعتراف أهله- قطيعة معرفية مع الموروث الديني، عندما أحل العقل والعلم والفلسفة الإنسانية، محل الله واسع العلم و الإدراك، فأضفى الإطلاقية على القدرات العقلية واعتبر الدين مرحلة ناسبت طفولة العقل البشري، فأفرغ الدين من جوهره ومحتواه. وهكذا أعلن الأفغاني أن الإسلام هو طريق التغيير وهو النموذج المثالي للتقدم والعلو، وأن استعارة النموذج الغربي في التّمدن والنهوض، هو ضرب من ضروب التبعية والعبودية لمركزية الغربيين الغزاة، ولقد صدّقت ذلك تجاربنا مع التغريب اليوم على ما قاله قبل قرن ونصف.


ودعا إلى أن تمكين رؤيته تتم بتدارك ما فات والاحتراس مما هو آت و إلى الوحدة والاجتماع على مبادئ واحدة وليس شرطاً أن تحتكم إلى أمير واحد فالأنحاء مترامية وتمركز الأمر في يد سلطان واحد هو الأقرب إلى الضعف وسبيل لتغلغل الطامعين في غيلة عن الأمر، وأكد أنها الدرع من نخزات الحوادث وفزعات الطوارق، وهي السبيل للنهوض من دَرَك الشقاء إلى قمة دَرَج الألقة والرفعة، وقد نظّر في ذلك فقال : "إن مجاوزة الحد في تعميم الاعتداء تنسي الأمم ما بينها من الاختلاف في الجنسية والمشرب، فترى الاتحاد فيما يعملها من الخطر، ألزم من التحزب للجنس والمذهب، وفِي هذه الحالة دعوة الطبيعة البشرية إلى الاتفاق أشد من دعوتها إليه -أي التحزب- للاشتراك في طلب المنفعة".

واجه الأفغاني الرفض والطرد من قبل الاستعمار وأدواته، وانبرت أقلام محمومة تطعن في ظهره وتلفق له التهم وتشيطنه وتنحت في أثلته وقد لقي ما لقي من الأذى من أجل كلمة حق 
واجه الأفغاني الرفض والطرد من قبل الاستعمار وأدواته، وانبرت أقلام محمومة تطعن في ظهره وتلفق له التهم وتشيطنه وتنحت في أثلته وقد لقي ما لقي من الأذى من أجل كلمة حق 


ومن جملة آراءه الأفغاني أن التكافؤ على الأقل في القوة والمنَعة هو الضامن لعلاقة نِدّيّة مع أرباب الصّنعة السياسية، الغربيين على الخصوص منهم وقد صدق إذ قال: "إن التكافؤ في القوى الذاتية والمكتسبة هو الحافظ للعلاقات والروابط السياسية، فإن فقد التكافؤ كانت الرابطة وسيلة القوي لابتلاع الضعيف، وتجعل إيهاب الوداد المرقش بألوان الملاطفة، والمدبج بأشكال المجاملة شفافا ينم عما وراءه، وتنقب عن المسالك الدقيقة التي يسري بها الطامعون في دياجر الغفلات".

لقد أرست المفاهيم الحديثة التي دفع بها، قواعد ومراجع يمكن الاعتداد بها من أجل الاستقلال بكيان وقرار سياسي خالص و بأدوات شرقية تحفظ للأمة أفكارها ومبادؤها من التمييع، ولا تمانع الانفتاح على أفكار جديدة تصب في مصلوحها وتمنع التحكم بها أو إذهاب ريحها. وكأي شريف صاحب صفاء الرسالة والمقصد في كل زمان ومِصر، فقد واجه الأفغاني الرفض والطرد من قبل الاستعمار وأدواته، وانبرت أقلام محمومة تطعن في ظهره وتلفق له التهم وتشيطنه وتنحت في أثلته وقد لقي ما لقي من الأذى من أجل كلمة حق أراد لها أذان صاغية وعقول واعية وقلوب تزخر بالعقيدة السوية.

وحيث كما يقال أن الغزلان تحب أن تموت عند أهلها.. أما الصقور لا يهمها أين تموت. توفي رحمه الله في إسطنبول عام 1897م، وعلي أي حال كانت أسباب وفاته سواء اغتيل أم مات طبيعياً، ستبقى بحّات صوته و نفثات أقلامه شهادة على ما قدم، وإن الجرح الناغر والذي مازال ناقرا ليستجدينا إحياء ما قدم الأعلام الأحرار أجزل الله لهم الأجر والثواب.