ماذا بقي من مشروع "الدولة البورقيبيّة"؟

من المعلوم لدينا أنّ الدولة هي نتاج فوقي متطوّر لمنظومات اجتماعيّة وسياسيّة توافقت على إنشائها في مجال جغرافي محدّد. وعادة ما تكون تلك الدولة تعبيره مؤسّساتيّة وعمليّة لموازين القوى الكامنة في تلك المجتمعات، وتمثيلا متجانسا لعصباتها العرقيّة والقبليّة ولثقافات ودين ولغة شعوبها.
  
في الوضعيّة الطبيعيّة يكون لكلّ مجتمع دولة تنتظم فيها مختلف العناصر الماديّة والرمزيّة المكوّنة لذاك المجتمع، فهي في الآن ذاته حارسة لمصالحه وأداة تطوير ونموّ له. أمّا بالنسبة لدولة ما بعد الاستعمار في تونس -ونعني بذلك "الدولة البورقيبيّة"- فقد تأسّست على أنقاض الدولة المخزنيّة فاقدة السيادة (مملكة الباي) وإدارة استعماريّة فرضت سلطة الأمر الواقع على مجتمع منزوع الحقوق، واقع تحت حصار خانق لمنظوماته الانتاجيّة الماديّة منها والرمزيّة.

الدولة الوطنيّة بالمنظور البورقيبي هي "دولة قهريّة ذات طابع جهوي أرادت صناعة مجتمع يؤمن بـــ "الأمّة التونسيّة"، حاربت فيه كلّ دعوة ذات أبعاد عروبيّة أو إسلاميّة

أفرز هذا الوضع أنواعا من المقاومة السياسيّة للمستعمر راوحت بين المدني داخل المدن الكبرى والعاصمة، والمسلّح بالأرياف والجبال. ودون الخوض كثيرا في هذا الشأن الذي شهد عديد التقلّبات والانقلابات بين نخبه وقياداته الحزبيّة والمقاومة، فقد استتبّ الأمر لثلّة تبنّت حال استقلال البلاد المشروع الوظيفي للاستعمار الفرنسي الذي عمل على "تطوير" المجتمع باستعمال سلطة الدولة وفرض نمطه المجتمعي داخله: "الدولة القهريّة". ذاك النموذج من الدولة اليعقوبيّة المتسلّطة على مجال الحقوق والحريّات تحت عنوان قسريّة "التحضّر" و"التحديث"، علاوة على "الدولة القهريّة" التي اكتسحت مجال "دولة الحقوق والمؤسّسات" Etat de droit، فيي مفهوم الدولة الوطنيّة الحديثة حافظت "الدولة البورقيبيّة" على الطابع المخزني لجهاز الدولة المكوّن الثاني للدولة الوطنيّة الحديثة( Appareil d'Etat) مركّزة فيه على الطابع الجهوي. 


فالدولة الوطنيّة بالمنظور البورقيبي هي إذا "دولة قهريّة ذات طابع جهوي أرادت صناعة مجتمع يؤمن بـــ "الأمّة التونسيّة"، حاربت فيه كلّ دعوة ذات أبعاد عروبيّة أو إسلاميّة جامعة فيه.في النتيجة، لم تفلح "الدولة البورقيبيّة" في جعل المجتمع التونسي ينخرط في مشروعها الاستئصالي، رغم ترسانة القوانين والسياسات الجبريّة، وتوظيف إمكانات الحزب الحاكم لمحاصرة المجتمع وتطويعه، إذ بقيت جذوة الانتماء للأمّة العربيّة الإسلاميّة كامنة فيه، مقاومةً مقاومةً خفيّة، كانت حركات المعارضة السياسيّة ذات التوجّه العروبي والإسلامي إحدى تعبيراتها.

في الخلاصة، -أحببنا أم كرهنا- تركت "الدولة البورقيبيّة" أثرها في الدولة التي نعيش اليوم تحت سلطتها، فلا هي نجحت فغيّرت المجتمع على منوالها الحداثي ليصنع هذا المجتمع في نهاية مطافها التاريخي دولته الوطنيّة المنشودة! ولا انزاحت كليّا عن مؤسّسات الدولة وتركتها تنمو "طبيعيّا" وفق الخيارات الحرّة للمجتمع التونسي. زمن حكم بن علي تواصلت هذه الحالة المرضيّة فركّز الأخير على تدعيم جهاز الدولة المخزني الجهوي، جاعلا من "الدولة البورقيبيّة" مغنما مستباحا لجهة ثمّ لمقرّبين وعائلة، متحوّلا شيئا فشيئا إلى سلطة مافيوزيّة سرّعت في نهاية هذه التجربة وسقوطها المدوّي عقب الثورة التونسيّة.

بقدر ما شهدته الساحة السياسيّة من تجاذبات إيديولوجيّة حادّة أثناء صياغة دستور 2014 مثّلت دليل عافية وتحرّر للمجتمع، مثّلت نتائج الصراع داخل "جهاز الدولة"

ويتبيّن لنا في الأخير أنّ منهج التحديث القسري الذي انتهجته الدولة البورقيبيّة وأنظمتها الاستبداديّة في العهدين (القديم والجديد) أفرز تصدّعات عميقة في المجتمع أدّت إلى ظهور أنماط عيش (ماديّة ورمزيّة) غير متجانسة فيه، واحتكار السلطة بيد شريحة منبتّة وعنصريّة (طبقيّا وجهويّا)، مارست استبدادها وتعسّفها على المجتمع والبلاد بتسخير إمكانات الدولة لتنفيذ سياساتها على مدى 60 سنة.فلا هي تركت المجتمع ينمو طبيعيّا، ولا هي أفلحت في بناء دولة مزدهرة على النمط الكوري أو الأوروبي الشرقي!.

ويبقى السؤال قائما: ماذا بقي لـ "الدولة البورقيبيّة" من أثر في المجتمع ودولة الجمهوريّة التونسيّة الثانية ودستورها الجديد؟، فبقدر ما شهدته الساحة السياسيّة من تجاذبات إيديولوجيّة حادّة أثناء صياغة دستور 2014 مثّلت دليل عافية وتحرّر للمجتمع وانتصار نسبي للثورة، مثّلت نتائج الصراع داخل "جهاز الدولة" بين القوى (المخزنيّة- الاستعمارية-الجهويّة) القديمة والقوى الوافدة انتكاسة لها.

 

إذ لم تكف الانتخابات وإرادة المجتمع في التغيير لتحرير"جهاز الدولة" من ربقة القوى المرابطة فيه (ذات الطابع المخزني والاستعماري والجهوي)، فهي لم تبق محافظة فيه على مراكزها فحسب، بل زادت سطوتها من خلال استنفار قوى "الدولة العميقة" وتجنيد شبكاتها داخل الإدارة والجهات والقطاعات والنقابات والسفارات، فتمّت مقايضة السلم الأهلي بالمحافظة على نفوذهم ولوبيّاتهم داخل الدولة بالرغم من وصول نخبة حكم جديدة أفرزتها انتخابات 23 أكتوبر 2011 (عقب الثورة التونسيّة 17 ديسمبر 2010– 14 (جانفي) يناير2011). 



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة