فوبيا سقوط الدولة

منذ عدة أيام خرج كبير عسكر مصر بإعلان عن رغبته في نشر ما أسماه فوبيا سقوط الدولة، ويبدو أنه لسبب ما يشعر بخطورة تقترب ولا يدري مصدرها ويريد أن ينشر الرعب بين الشعب. ولكنه -ربما لحسن الحظ- وصفها توصيفا صحيحا. فالفوبيا هي حالة خوف شديد غير مبرر وغير عقلاني من شيء ما أو حالة معينة يحاول الفرد الهروب منها بأي شكل ويشعر منها بخطر داهم على حياته. ومن هذا التعريف نستنتج أن الفوبيا هو خوف من وهم غير حقيقي يُصنَع فقط داخل عقل الخائف، ويريد كبير العسكر أن يجعل الجميع محاصرا بهذا الوهم، أقصد وهم سقوط الدولة.

إن الدولة ليست النظام فالدولة في التعريفات الأكاديمية هي الأرض والشعب والسلطة (السيادة)، وبالتالي فسقوط الدولة معناه سقوط الثلاثة معا، ولكن عبر تاريخ النظام المصري الطويل استطاع أن يسيطر تماما على الأرض ليس بالمفهوم السياسي ولكن بالمفهوم الاحتكاري فلا أحد في مصر يستطيع التصرف في شبر من الأرض دون العودة لمحتكريها (أقصد النظام السياسي العسكري) وربما نفاجأ بعد قليل أننا عدنا إلى عصر محمد علي الأول وأن مصر كلها ملكا لمحمد علي الثالث.

فوبيا إسقاط الدولة موجودة فعلا داخل الفقراء والمهمشين الذين يقاتلون طيلة يومهم من أجل البقاء أحياء، وموجودة لدى الضعفاء من العجائز والشيوخ

وكما سيطر النظام السياسي على الأرض فقد ألغى وجود الشعب، لقد أصبح كل المصريين رعايا للنظام السياسي، وربما كلمة رعايا ليست مناسبة، فالتوصيف الأكثر دقة أن شعب مصر الآن تحول إلى ساكني إقطاعية كبيرة إلا بعض فرسان المعبد وبعض الإقطاعيين. فلا يمكن وصف مصر الآن بأنها دولة ولكن يستخدم النظام هذا المصطلح لغرض ما بعد أن استطاع دمج فكرة الدولة وفكرة النظام في شيئ واحد ، وليست الفكرة فقط أصبح الواقع العملي أن أحد مقومات الدولة أصبح إما غير موجودة في بناء الدولة (الشعب)، وإما مدمجة داخل النظام ( الأرض)، ولذلك فهناك صورة ذهنية عند الكثير من شعب مصر -وهي غير حقيقية ولكنها واقعية- أن النظام هو الدولة، ولا يخفى على الكثيرين أن الكثير ممن هم داخل معسكر "الثورة" يرون ذلك أيضا ولا يمكنهم الخروج من هذه الفكرة التي تحكمت في العقول.

إن فوبيا إسقاط الدولة موجودة فعلا داخل الفقراء والمهمشين الذين يقاتلون طيلة يومهم من أجل البقاء أحياء، وموجودة لدى الضعفاء من العجائز والشيوخ. فكل هؤلاء مقتنعون أن أي تغيير ولو هامشي قد يقضي عليهم تماما؛ فهم يعيشون على حافة الموت دائما وهؤلاء يرفضون بكل ما يملكون أي محاولة تغيير فهم ليسوا قادرين على تحمل أية مخاطرة، لذلك ففوبيا التغيير وليس إسقاط الدولة هو ما يشغلهم وقد أقنعهم النظام أن التغيير يعني سقوط النظام وبالتالي سقوط ما يسميه الدولة.

لقد استطاع العسكر احتلال فكرة الدولة ويملكون يقين أنهم هم الدولة وصدروا هذا اليقين للكثيرين وأصبحت فوبيا اسقاط الدولة واقعا معاشا في قطاع كبير من المجتمع المصري. إذا لماذا يحاول كبير العسكر الآن إحياء هذا الفزع؟ أرى أن هناك إحساس ما أن قطاعا شعبيا اقترب من الوصول للنقطة الحرجة قد أدرك المعاني التي ذكرت بالأعلى وأن احتلال العسكر لمفهوم الدولة لابد من تفتيته، وأن الربط بين الدولة والعسكر ربط مخادع حتى لو كان واقعيا، وأن الخوف المفرط من سقوط العسكر هو خوف وهمي" فوبيا" كما ذكرها السيسي منذ أيام. إلا أن الأمر يحتاج لعدة مقدمات كي تقلل حجم سيطرة العسكر على الأرض وتعيد الشعب إلى المعادلة مرة أخرى، فالعسكر يسيطر على الأرض باستخدام المؤسسات المنتشرة في كل مصر وباستخدام السلاح لحصار الشعب، كما أنه يُخرِج الشعب من المعادلة بالفقر وصناعة الرعب.

مرحلة تجهيز المجتمع وتحضير الأرض قبل الفعل الثوري هو التحدي الواجب في تلك المرحلة من الثورة المصرية وهي تحتاج للكثير من العمل غير الظاهر والقليل من الكلام
 

لذلك وجبت المحاولة في تنفيذ بعض الأمور على القوى التي اقتربت من الكتلة الحرجة التي يخشاها العسكر، وهذه الأمور يمكن إجمالها بالآتي:

أولا: تفكيك سيطرة العسكر على مفاصل السلطة الممثلة في المؤسسات ومفاصل الطرق وذلك عن طريق إيجاد الوسائل التي يتمكن بها الشعب من السيطرة عليها ومنع العسكر من السيطرة عليها في أثناء المد الثوري 
ثانيا: تحييد سلاح العسكر وذلك بمحاصرتها وتقليل إمكاناتها إلى الحد الأدنى باستخدام طرق علمية و مبتكرة وبسيطة يمكن لقطاع واسع من الشعب استخدامها.
ثالثا: زرع الأمل في نفوس القطاعات الواسعة التي تعيش على الهامش وتقاتل من أجل قوت يومها ، فالأمل هو القوة المحركة والفاعلة أمام تلك القوى الشعبية؛ كما أن إدخالها في معادلة الصراع يعتبر انتصارا كبيرا.

كما ذكرنا أن جزءا كبيرا من شعب مصر يعاني فعلا من فوبيا إسقاط الدولة الزائف، وهناك ضرورة لتقليل ذلك الإحساس حتى تتمكن قوى الثورة من زيادة القاعدة الشعبية والمد الجماهيري أثناء الحسم الثوري وأثناء تمهيد الأرض للثورة، وأحد أهم الخطوات التي ينبغي على القوى الثورية اتباعها أن تعزل العسكر عن الأرض وتفتت سيطرته على الشعب لتقلل من تأثير فوبيا السقوط، حيث سيظهر الفارق لكثير من المضللين بين الدولة والسلطة، وبهاذين العاملين ستزيد القوة الدافعة البشرية للثورة، وكلما استطاعت القوى الثورية الفاعلة على الأرض التحضير الجيد لعزل السلطة العسكرية عن الأرض وزيادة الأمل في غد أفضل لكل القطاعات البائسة من الشعب كلما قللت من التضحيات الكبيرة التي ستدفعها.

لذلك فإن مرحلة تجهيز المجتمع وتحضير الأرض قبل الفعل الثوري هو التحدي الواجب في تلك المرحلة من الثورة المصرية وهي تحتاج للكثير من العمل غير الظاهر والقليل من الكلام، ولا يجب الاستماع إلى حاملي فوبيا إسقاط الدولة حيث أنهم يدورون في دوائر لن يخرجوا منها ويريدون أن يصدروا تلك الفوبيا وذلك الفزع الموهوم إلى الجميع. حفظنا الله من فوبيا إسقاط الدولة كما يراها خونة العسكر والبائسين. 



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة