شعار قسم مدونات

ثلاثية غرناطة.. "الأكثر مبيعا" ليس سيئا دائما!

مدونات - غرناطة
تذكرون بأنني قدمت في الأسبوع الماضي قراءة في رواية "في قلبي أنثى عربية" للروائية خولة حمدي، حاولت من خلالها دراسة أبرز أوجه القوة والضعف في هذا العمل الأدبي الذي حقق شهرة واسعة بين عموم القراء في الوطن العربي، وقد تفاعل عدد كبير من متابعي مدونات الجزيرة مع هذه القراءة، بين من استحسن وناقش بموضوعية ما قدمته في تدوينتي المتواضعة، وبين من مضى بعيدا في هجومه علي، لمجرد أنني حللت الرواية من منطلق نقدي صرف..

ففوجئت بتهم عجيبة غريبة كالحقد والحسد والغيرة والعدمية، وربما كان البعض قاب قوسين أو أدنى من الإقدام على طردي من الملة فقط لأنني انتقدت رواية يعتبرونها هم من المقدسات، بل إنهم تركوا ما كتبت وراحوا يتحدثون عن حسن خلق الكاتبة وتدينها ودرجتها العلمية ! وهذا رغم يقيني التام من أن مؤلفة الرواية نفسها لو قرأت التدوينة لاستحسنتها وتفاعلت معها إيجابيا، فالكاتب يبحث دوما عن الآراء الموضوعية التي تساعده على معالجة أوجه تقصيره وتقديم الأفضل في أعماله القادمة، أليس كذلك؟

هل أصبحنا اليوم أمام إشكالية جديدة يمكن تسميتها ب "التعصب الأدبي"، إلى جانب ما عرفناه سابقا عن التعصب الديني والطائفي والعرقي؟ ربما.. على أية حال، ليس هذا موضوعنا، فتدوينة الأسبوع الماضي كانت مدخلا أحاول من خلاله تحليل ظاهرة الكتب الأكثر مبيعا، عبر مناقشة إيجابياتها وسلبياتها ومدى تأثيرها على ذائقة القارئ بشكل عام.

هل يمكن القول بأن الأعمال الموصومة بعبارة "الأكثر مبيعا" تجارية محضة، وتستهدف فقط شريحة معينة من القراء، وتشجع على ثقافة السطحية والاستهلاك، وربما تمرير بعض الرسائل المفخخة، ونادرا ما تقدم طبقا أدبيا أو علميا أو تاريخيا دسما يستحق مكانته البارزة في مكتبة القارئ الباحث عن النهل من معين المعرفة؟

الجواب هو لا، أو بالأحرى نعم، لكن ليس دائما! قليلة هي الروايات التي أشعر في قرارة نفسي بأنني تفاعلت معها حد النخاع، أو أحسست بأنها مست بكلماتها وأحداثها قطعة من روحي، وأعتقد بأن "ثلاثية غرناطة" واحدة من هاته الروايات.

undefined

نسافر اليوم إذن إلى الفردوس المفقود، الأندلس، عائدين بالزمن قرونا إلى الوراء، مع رواية "ثلاثية غرناطة" للكاتبة المصرية الراحلة رضوى عاشور، وهي مكونة في الأصل من ثلاث روايات "غرناطة، مريمة، الرحيل"، صدرت لأول مرة عام 1994، ومازالت طبعاتها تتوالى حتى الآن عن دار الشروق المصرية، رغم مرور أزيد من عقدين على صدورها لأول مرة.

تدور أحداث هذه الثلاثية أو الملحمة التاريخية في مملكة غرناطة بالتزامن مع سقوط آخر الممالك الإسلامية في الأندلس، وتبدأ في عام 1491 بإعلان المعاهدة التي تنازل بموجبها أبو عبد الله محمد الصغير (الثاني عشر) آخر ملوك غرناطة عن ملكه لملكي قشتالة وأراجون، من خلال رصد أحوال عائلة عاصرت أحداث السقوط على مدى عدة أجيال (حوالي ال 150 عاما) وما واكب ذلك من أحداث ومشاعر متنوعة لامست أعماق كل من طالعها وعاش بقليه ووجدانه معها.

لا يمكن وصف ثلاثية غرناطة بأنها مجرد رواية خيالية، بل هي وثيقة تاريخية توثق وتؤرخ لأحداث مهمة وفاصلة في تاريخ الأندلس، كما أنها تقدم سفرا حقيقيا عبر الزمان والمكان، عبر سلسلة من الأحداث التي وإن طبعتها مسحة من الحزن، إلا أنها مفعمة بالمشاعر الصادقة التي نجحت الكاتبة ببراعة منقطعة النظير في وصفها بلغة جميلة جدا وحوارات مررت كل ما يعتمل في الأنفس من أحاسيس، وكلمات دقيقة بدا واضحا أن المؤلفة اختارتها بعناية شديدة.

كل هذا مع سفر تبدأ فيه الرحلة بطفل يكبر ويشيخ حتى يبلغ الثمانين ويموت، فتتبعه قصة أولاده، ثم أحفاده، إلى أن تصل إلى أولاد أحفاده الذين شارفوا الستين! دون أن تفقد الأحداث زخمها أو جمالها، بعدما حافظت الكاتبة على ذلك الخط المتوازن للأحداث من البداية إلى النهاية.

يمكن القول بأن هذه الثلاثية قد فتحت المجال أمام عدد كبير من الروائيين العرب للكتابة عن الأندلس في مؤلفاتهم (رحلة الغرناطي لربيع جابر، هذا الأندلسي لبنسالم حميش، الموريسكي لحسن أوريد، راوي قرطبة لعبد الجبار عدوان وغيرها) مع الإشارة إلى أن هناك من سبق الكاتبة المصرية الراحلة للحديث عن الأندلس، نذكر على سبيل المثال الروائي الفرنسي من أصل لبناني أمين معلوف في روايته ليون الإفريقي التي تناولت في مدخلها وصف سقوط غرناطة على لسان بطل الرواية حسن الوزان، وجرجي زيدان الذي تطرق في سلسلته الشهيرة "روايات تاريخ الإسلام" للأندلس أكثر من مرة، (فتح الأندلس، شارل وعبد الرحمن، عبد الرحمن الناصر) كما أشير هنا إلى أن مرور رضوى عاشور مرور الكرام على ثورة جبال البشرات قد دفع الروائي المصري الشاب إبراهيم أحمد عيسى إلى تناولها بالتفصيل في رواية جميلة تحمل عنوان "البشرات : النبضة الأندلسية الأخيرة".

أثبتت الراحلة رضوى عاشور (بثلاثية غرناطة وباقي أعمالها) بأن المرأة الأديبة تستطيع أن تتفوق بكل سهولة على الأدباء الرجال، وأن تحفر اسمها بحروف من ذهب بين الكبار الذين خلدهم الأدب.
أثبتت الراحلة رضوى عاشور (بثلاثية غرناطة وباقي أعمالها) بأن المرأة الأديبة تستطيع أن تتفوق بكل سهولة على الأدباء الرجال، وأن تحفر اسمها بحروف من ذهب بين الكبار الذين خلدهم الأدب.

من أطرف المواقف التي تعرضت لها أثناء قراءتي لثلاثية غرناطة، أن مطالعتي لمشهد تقرأ فيه إحدى الشخصيات كتابا في قبو على ضوء الشموع، تزامن مع انقطاع مفاجئ للتيار الكهربائي، استمر لأزيد من ساعتين، فاضطررت من شدة تفاعلي مع الأحداث إلى إكمال القراءة على ضوء الشموع أيضا، فأحسست لوهلة بأنني انتقلت أيضا إلى غرناطة قبل قرون خلت، أتنقل بين أزقتها، وأردد مع مسلميها همسا عبارة: "لا غالب إلا الله"!

نستخلص مما سبق أنه يمكن لأعمال معينة بالفعل أن تحقق المعادلة الصعبة، باحتلال مراكز متقدمة في أرقام المبيعات بالمكتبات ومعارض الكتاب، والحصول في نفس الوقت على الإشادة من النقاد والقراء على السواء، واعتراف الجميع بأنها من بين أفضل ما جادت به قريحة الأدب العربي في السنوات، ونجاح "ثلاثية غرناطة" وتوالي طبعاتها إلى يومنا هذا أبرز مثال على ذلك.

بقيت نقطة أخيرة لا بد من الإشارة إليها، لقد أثبتت الراحلة رضوى عاشور (بثلاثية غرناطة وباقي أعمالها) بأن المرأة الأديبة تستطيع أن تتفوق بكل سهولة على الأدباء الرجال، وأن تحفر اسمها بحروف من ذهب بين الكبار الذين خلدهم الأدب، فالإبداع لم يعترف يوما بجنس صاحبه، والتقسيم الوحيد للأدب هو "جيد" أو "رديء" لا "ذكوري" أو "أنثوي"، أما ما اتفق البعض على تسميته بالأدب النسائي (الذي يدور في حلقة مفرغة من كراهية الرجل وعار الأنوثة والتمرد على القبيلة ولا يكاد يخلو عنوان من عناوينه من ألفاظ الجسد والسرير وغيرها)..

هو مجرد موجة عرفتها أوروبا ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية والثورة الطلابية في فرنسا عام 1968، قادتها سيمون ديبوفوار وأخريات، لاقت رواجا آنذاك، لكنها فقدت وهجها بمرور الوقت ولم تعد تثير انتباه أحد، وقد يكون إصرار بعض الكاتبات اليوم على إعادة اجترار هذا الطرح البالي وتجاهل المواضيع الأكثر أهمية ضارا غير نافع لهن، واسألوا رضوى عاشور وج.ك رولينغ وإيزابيل اللندي!