المركزية في حياة المسلمين

blogs قرآن
جاء الإسلام كدين له مركزيته المغايرة عن المركزيات البشرية، وبما أننا مسلمون فهذا يجعلنا نفترق عن جميع المجتمعات والخلائق والملل، وأن مركزيتنا تختلف عن تلك المركزيات الأخرى. فكوننا مسلمين فهذا يعني أن مركزيتنا تتمثل في الوحي، والوحي هنا يتمثل في كتاب الله (القرآن الكريم) وسنة رسوله. وأن الحلال والحرام يخرجان من هذين المصدرين. وأن من يحدد لنا سبل الوصول للغايات والأهداف هذين المصدرين أيضاً. فهنا يتم تعريف المركزية على أنها النقطة التي ينطلق منها الإنسان للنظر في الأمور وتقييمها والحكم عليها إما بالقبول أو الرفض. 
فالذي يحدد مضامين الحريات والسياسة وشكل المجتمع وكيفية التعامل مع المجتمعات والمركزيات المختلفة هذين المصدرين. فالقرآن منه المحكم والمتشابه. فأما المحكم فهو أم الكتاب والذي لا يحدث فيه تنازع ووقع الاتفاق عليها نقلاً وعقلاً وأن المحكمات لا تقتصر على القرآن فقط بل إن السنة تحتوي على محكم أيضاً. وأن من المتشابهات في القرآن لا يتم تفسيرها إلا بالسنة.

فالمحكم، هو كل ثابت بأدلة يقينية، يكون عاصماً للفكر من الانحراف، لشدة إتقانه وقوة بنائه الفكري، ويكون الخلل فيه سبباً في إفساد التفكير، وأنها أصول فكرية، ينطلق العقل منها في تكوين تصوراته وأحكامه. والمحكمات إنسانية وإسلامية، فكل محكم إنساني محكم إسلامي، وليس كل محكم إسلامي محكماً إنسانياً.

وأن الأدلة في الشريعة الإسلامية إما قطعية؛ فلا يحدث فيها خلاف فيها وهي المحكم أي ما كان واضحاً كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وإما ظنية وهي المتشابه بلا خلاف والذي نستخلص نتيجته بناءً على اجتهاد وترجيح أحد الأدلة، ومنها ما قد يقع فيه الخلاف هل هو يقيني أم ظني وهو المختلف فيه، وأن هذا الخلاف الذي يحدده هم أسوياء الفطرة، وأن الخلاف الذي يُنتج من المكابرين المعاندين والشكاك لا يعتد به.

يخرج علينا من يقول إن اليهود المستوطنين في فلسطين بهم مدنيون لا يجوز قتالهم، وأن الإنسانية لا تقول ذلك. نسي المروج أن أحكام جهاد اليهود من يحددها هو الله وليست الإنسانية.
يخرج علينا من يقول إن اليهود المستوطنين في فلسطين بهم مدنيون لا يجوز قتالهم، وأن الإنسانية لا تقول ذلك. نسي المروج أن أحكام جهاد اليهود من يحددها هو الله وليست الإنسانية.

ومع فساد الزمان وانتشار الجهل وعلو صوت الباطل وغياب العلم والعلماء حاول الغرب أن يستعمر المسلمين بشكل مغاير، فبدلاً من الاستعمار والغزو المسلح، أصبح الاستعمار فكرياً يلعب علي تبديل المركزية الإسلامية المرتبطة بالوحي بالمركزية العلمانية المادية التي تحول الإنسان لإله يشرع ما يحلو له ويخالف صريح الدين وما اتفق العقلاء عليه.

فتجده يحلل ما قد حرمه الله صراحةً بدعوى حرية الآخر، أو بدعوى الانفتاح وتقبل الآخر، أو يحرم ما أحله الله صراحةً بدعوى التدين وما هو إلا تشدد ينم عن جهل وعدم فهم لصحيح الدين. ففي الحالتين غابت المركزية الدينية المرتبطة بالوحي التي ترسم للإنسانية كافة طريقها للنجاة. وحلت محلها مركزية مادية تتعامل مع الإنسان أنه آله وتُألهه وتصنع منه نموذج ممسوخ لا يرضاه عاقل ولا إنسان.

والمستعمر قد نجح في غزو كثير من هؤلاء الشباب المفتونين بالغرب، الذين لا يرون النجاة إلا في ثوب المادية والعلمانية، وذلك لأن الشباب قد شوش على مركزيته وشُوهت، وأن هؤلاء الشباب متناسين أن الغرب له مركزية مختلفة عن كوننا مسلمين. فالمركزية المادية بتفسيراتها التي تنحي الإله جانباً لا يمكن أن تلتقي مع المركزية التي يكون فيها الإله هو الأساس والذي من خلاله نفسر ونجدد ونتعامل مع الاختلاف.

سبل التعايش وتقبل الآخر تتم طبقاً للمنظومة التي ننتمي إليها والتي تحدد لنا سبل التعامل معه ومساحات الالتقاء والحدود التي يتم فيها تقبله.

وهناك من يحاول الترويج للمركزيات المادية في ثوب الإنسانية، فتجده يستخدم أدواته في تغيير المركزيات، فمثلاً فلسطين ما تحويه تلك القضية من ارتباط وثيق بالإسلام والمسلمين، وأن القضية مع الكيان الصهيوني أساسها العقيدة وأن قتال المسلمين لليهود جهادٌ لا شك فيه، فيخرج البعض بأن اليهود المستوطنين في كافة أرجاء فلسطين بهم مدنيين لا يجوز قتالهم، وأن الإنسانية لا تقول ذلك. نسي ذلك المروج أن أحكام جهاد اليهود من يحددها هو الله وليست الإنسانية، تغافل ذلك أن اليهود محتلين لكافة الأراضي وأن دفعهم وإخراجهم واجب وأن اليهود نكلوا المسلمين وشردوهم. وأن الجيش الإسرائيلي يجند الشعب بأكمله نساء ورجال وأنهم يظلون طوع الاحتياط حتى سن كبير مما يجعلهم محاربين.

فهنا يتم تبديل المركزيات من عقدية لمادية للتأثير على مجرى الصراع ومحاولة التماهي مع العدو بدعوى الإنسانية وتقبل الآخر. وقضية أُخرى أُبتلينا بها خلال الفترة السابقة وارتدت أيضاً ثوب الحريات والإنسانية، وهي تقبل مثلي الجنس ومحاولة دمجهم في المجتمع وتشجيع من هم مبتلون بذلك أن يشيعوا به في المجتمع. نسوا هؤلاء ما أخبرنا به الله في كتابه عن قوم لوط وما حدث لهم من ذهاب قريتهم بسبب ذنبهم هذا، ونسوا أيضاً أننا أُمرنا ألا نشيع الفاحشة في المجتمعات كافة، وأن مجرد الرضى يعد مخالفة صريحة لمحرم قطعي في كتاب الله وأنهم بتبنيهم ذلك يكونون في خطر عظيم قد ينفي عنهم صفة الإسلام.

هؤلاء من يتبنون تلك الأفكار تنازلوا عن مركزيتهم المرتبطة بالوحي وبدلوها بمركزية أخرى مادية مغايرة لهم ولا تقبل التكيف مع معتقداتهم، والصراع يكون بين تخلي هؤلاء عن مركزيتهم العقدية وتبني المركزية المادية أو بتبني مركزية الوحي كاملة. وهنا علينا التفريق بين مفهومين قد اختلطا على كثير من الناس؛ مفهوم تقبل الآخر ومفهوم التماهي مع الآخر، فالأول أن سبل التعايش وتقبل الآخر تتم طبقاً للمنظومة التي ننتمي إليها والتي تحدد لنا سبل التعامل معه ومساحات الالتقاء والحدود التي يتم فيها تقبله، أما التماهي فيكون بغياب تلك المنظومة ومخالفة المركزية المستندة على الوحي لدينا وتقبل ما يخالف صريح الدين وما يتصادم مع المنظومة الأخلاقية والقيمية والعقدية لدينا كمسلمين.

وأخيراً… أن غياب المركزية في حياة المسلمين هي نتيجة للظلم والاستبداد الذي تعانيه الأمة من قبل سقوط خلافتها، وغياب العلم والعلماء الذين يبينون للناس دينهم وانتشار الجهل واعتلاء المنابر من قبل الجُهال، حتى وصل بنا الحال الآن إلى أننا نحتاج إلى بيان المعلوم من الدين بالضرورة ولا حول ولا قوة إلا بالله.