"عداء الطائرة الورقية" رحلتي إلى أفغانستان

blogs- kite
صدق من قال القراءة تعويض كاف عن كل الأشخاص الذين لم نلتق بهم في حياتنا. قد لا تسعنا الحياة بكل ما تفرضه علينا من تحديات ولا الإمكانيات المادية والفكرية المحدودة لنقطع البحار بحثا عن المغامرة و الاكتشاف ولا يندرج السفر أصلا ضمن ثقافتنا فهو حكر على بعض الفئات الاجتماعية التي تنعم بحياة يسيرة لكن يغفل الكثير منا عن وسيلة تجوب بها بقاع الأرض على بساط من ريح دون أن تخطو خطوة واحدة خارج غرفتك ألا وهي القراءة، هذا النشاط الفكري الذي يحظى باهتمام سطحي في مجتمعاتنا العربية و يقلل من شأنه الكثير باعتباره نشاط هامشي و مضيعة للوقت غير أنه بالقراءة وحدها نقترب من البعيد و نكتشف الحقائق التي نجهلها.
  
من أجلك ألف مرة ومرة، قبل أن تقع رواية ألف شمس مضيئة بين يدي كانت حصيلتي المعرفية عن أفغانستان لا تتعدى الحقل الدلالي التالي كابول الشيعة طالبان تفجيرات عدم استقرار سياسي. وبعد أن أنهيت قراءتها قررت ألا أفتح أي كتاب آخر لخالد حسيني ذلك أنني نقمت عليه بسبب إحدى شخصيات رواية ألف شمس مضيئة التي سيكون لي حديث قادم عنها، لكن مقاومتي كانت ضعيفة فحملت عداء الطائرة الورقية بين يدي ورحت أقلب صفحاتها. لطالما ارتبطت بذهني تلك الصورة عن أفغانستان الخراب في كل مكان رجال بلحى طويلة ونزاعات طائفية لا تنتهي لم يخطر ببالي من قبل أن أفغانستان قد كانت يوما بلدا جميل تقرأ فيه الكتب وينظم فيه الشعر وتمارس فيه منافسات لعدائي الطائرات الورقية. وهنا أيقنت كيف تكاد الرواية أن تتفوق على كتب التاريخ فبينما الأخيرة تنقل لك الأحداث تجعلك الرواية تعايشها. 
  
وقد يسحبك هذا الموقف أيضا إلى أعماق ذاكرتك فلربما وضعتك الحياة يوما أمام امتحان مماثل وحتى لو لم يكن كذلك ستظل تتخبط تماما كأمير بين عاطفتين بين الصديق والأب

ينقلنا خالد حسيني في رائعته إلى أفغانستان إبان السبعينيات قبل أن تستبيحه الميليشيات الروسية ويستولي عليه تنظيم طالبان هناك في كابول أين نشأت صداقة قوية بين صبيين عارضها العالم أجمع بسبب الاختلاف العرقي الديني والطبقي. صبيان يعيشان تحت سقف واحد أحدهما يكون السيد ابن رجل مرموق ذو هيبة والآخر لا يكون سوى ابن الخادم الذي ينحدر من أصل عرقي منبوذ. يسرد لنا حسيني أحداث الرواية على لسان أمير الطفل الذي عانى من جفاء والده و الذي كان يتوق إليه بشدة لم يكن أمامه سوى أمل وحيد وهو الطائرة الورقية لكنه لم يتخيل يوما أنه سيتحتم عليه أن يتجاوز حسان و كل ما يجمعهما في سبيل العبور إلى الطرف الآخر الذي سيجمعه بـ بابا.

  

يعيش أمير بعدها صراعا نفسيا لن يتجاوزه بسهولة فيدخل متاهة من المشاعر المختلطة يتأرجح بين الندم والتراجع عنه باحثا عن مبررات يتغافل بها عن صوت ضميره حتى يصل به الأمر إلى أن يلجآ الى العزلة حتى يقرر أنه يجب أن يبعد عنه حسان إلى الأبد. يصور لنا الكاتب الحالات النفسية التي يمر بها أمير بالرغم أنه لا يزال طفلا، حالات نفسية من المفترض أن تكون مألوفة أكثر بين البالغين فأمير الطفل تخنقه الحيرة والتردد بين الشعور بالذنب واختلاق المبررات لتجاوزه بين الندم والتراجع عنه بين رغبته في الاعتذار من حسان وبين خوفه من أن يكشف الأمر فيفقد والده من جديد متطرقا بذلك إلى مسألة مهمة علاقة الآباء بالأبناء ومدى كونها معقدة في كثير من الأحيان فيجد القارئ نفسه في دوامة هو الآخر فقد يتعاطف مع أمير وتتفهمه للحظة وتنقم عليه بعدها. وقد يسحبك هذا الموقف أيضا إلى أعماق ذاكرتك فلربما وضعتك الحياة يوما أمام امتحان مماثل وحتى لو لم يكن كذلك ستظل تتخبط تماما كأمير بين عاطفتين بين الصديق والأب.

 undefined

يغادر أمير كابول لاجئا إلى أحضان الحلم الأمريكي لكن لا تغادره ذكرى حسان أبدا فما يحصل في طفولتنا سيكون له حتما أثر كبير على حياتنا ربما هذا ما سيدفع أمير إلى اتخاذ قرار العودة إلى أفغانستان مخاطرا بكل ما يملكه من أسباب العيش الرغيد وبالرغم من المخاطر المحفوفة والمغامرة المستحيلة. 

 

تعتبر هذه الرواية تجربة أدبية مميزة فتجد نفسك تقلب صفحاتها بنهم بصحبة أسلوب روائي جميل أبدع في إيصال صورة أفغانستان التي لم ترتسم يوما في مخيلة أحد منا. حازت على عدة جوائز عالمية وتمت ترجمتها إلى أكثر من لغة، خالد حسيني قد علق عن كيف راودته فكرة كتابة هذه الرائعة، أن السبب كان حظر طهران لرياضة الطائرة الورقية التي تعتبر من أعرق التقاليد وأنبلها في مدينة كابول مسقط رأسه.

 

هي رواية عن الآباء والأبناء عن الإيمان الفضيلة والرذيلة عن الوطن وأصدقاء الطفولة وعن الحرب والتحديات التي تواجه اللاجئين. خالد حسيني طبيب وروائي أفغاني وسفير للنوايا الحسنة للمفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين اعتمد على رواياته لتقديم صورة مختلفة عن موطنه أفغانستان للعالم متخذا بهذا لنفسه هدفا نبيلا وواجبا وطني.