شعار قسم مدونات

جعجعة الأستاذ

blogs - مدرس

بعد أن أنهيت دراستي الجامعية ومن قبلها الإعدادية خرجت متحصنا بمختلف العلوم مما ساعدني في شق مشوار حياتي، وخرجت من هذه المراحل بمفاهيم وقناعات أصبحت ملازمة لي في المراحل التالية من حياتي. ومن هذه المفاهيم أن الأستاذ الذي يصرخ كثيرا لا يفهم كثيرا، وقد يشذ عن هذا بعض الأساتذة مع احترامي الشديد لجميعهم.

ولكني قد لاحظت ان الأستاذ الضعيف في إمكانياته التعليمية ولا يحمل من العلم إلا ما يسد به وقت المحاضرة من دون استرسال أو تعمق بل ويحفظه عن ظهر قلب لا زيادة فيه ولا نقصان، لاحظته يصرخ كثيرا على أبسط الأمور ويجعجع في كل أموره (الجعجعة في اللغة العربية هي صوت هدير الجمل)، لا يعجبه العجب كأنه أكبر شأنا من أن يكون أستاذا، مشدود الأعصاب يكاد ينفجر كبركان يَصْب على الطلاب جام غضبه إذا ما حدث أي أمر بسيط، كل هذا ليغطي ضعفا في داخله يعلمه جيدا ولا يريد أن يراه الآخرين.

ومع الأيام تحولت هذه الحقيقة إلى قناعة، فبعد دخولي مجال العمل رأيت الكثير من الزملاء يجعجع حتى الصداع ويعلو هديره إذا ما أراد أن يثبت أنه على حق، كأن الذي يخرج من فمه جواهر خالدة لا تقبل الشك والنقاش، وأن أفعاله بعيدة كل البعد عن الخطأ، فلا مجال للنقاش مع هذا السيل من الكلمات وإن تعارضت مع العقل والعلم والحقيقة والمنطق وهو لا يعلم بأنه الجهل قد أغرق سفينته في بحر الأخطاء واستقرت طويلا حتى تكونت عليها الطحالب !

جميل أن يعلم الناس بما نعمل وجميل أن نتناقش لنصل الى الأفضل ما دام نقاشنا يصب في مصلحة واحدة: على ألا يتحول إلى تحدي للآخرين وفرض الآراء عليهم وتجريحهم ومصادرة حقوقهم

وكذلك من كان في منصب المدير وقد اعتلاه من غير جهد أو تعب، بل بسلم الوساطة والمحسوبية فالكرسي من تحته متخلخل يخاف أن يسقط منه، ففي أي لحظة تراه متململا غير مستقر فيزرع من حوله الفاشلين من أمثاله ويقرب من هم على شاكلته في ضعف العلم وقوة الوساطة وعلو الصوت؛ ليترأس الفريق في لعبة مكشوفة للجميع، وويل للذي يحاول أن يكشف المستور فالكل هنا يداري للآخر والكل يدافع عن السر العظيم.

والأمثلة غيرها كثيرة، كالمجالس النيابية العربية أو اللجان المشتركة، ولو فكرت عزيزي القارئ قليلا لوجدت من حولك الكثير من هم على شاكلة أصدقائنا تنطبق عليهم بشكل أو بآخر نظرية الأستاذ المجعجع، فلدى أصدقائنا المجعجعين حناجر صداحة لو استُغلت في الخطابة لما احتاجوا لمكبرات الصوت.

ولو استُغلت هذه الطاقة في محلها الصحيح لأنتجت العجب ولأسمعَت حتى من به صمم، ولكن تبقى أعمالهم قليلة ولا توّفي ما نتحمله من أذى وصياح، كثير من الكلام وقليل من العمل وكما قالت العرب قديما "اسمع جعجعة ولا أرى طحنا".

جميل أن يعلم الناس بما نعمل وجميل أن نتناقش لنصل الى الأفضل ما دام نقاشنا يصب في مصلحة واحدة: على ألا يتحول إلى تحدي للآخرين وفرض الآراء عليهم وتجريحهم ومصادرة حقوقهم في الاعتراض بشكل حضاري.

وأخيرا أستثني من هذه القاعدة من يصرخ على عربته أو في محله ليبيع ما يسد به قوت يومه فذلك عمله كثير بل أكثر عملا من معظم من قدمنا سابقا وهو أحق من الجميع أن يُسمع أو على الأقل ان نشتري منه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.