الدين والعلمانية في الوطن العربي.. صراع الأقنعة

مدونات - رمضان بمصر

من الشائع القول أن "القوى الدينية" لا تمثل الدين، وإنما هي قوى سياسية واجتماعية كغيرها من القوى الأخرى التي تتصارع على القوة والسيطرة والنفوذ، وهي بالطبع أهداف مشروعة أخلاقيا وسياسيا ما دامت وسائل وأدوات الصراع مشروعة. ولكن ليس من الشائع القول بالمثل بأن "القوى العلمانية" لا تمثل العلمانية، على الرغم من أن ذلك أيضا صحيح وضروري. ذلك ربما لأن العلمانية ليست شيئاً مقدسا مثل الدين، وأن الذي يدعو للفصل ما بين الدين و"القوى الدينية" هو نزع القداسة عن مشاريع وممارسات هذه القوى، لتكون ممارسات بشرية أرضية دنيوية تعبِّر عن أصحابها في نسبيتهم وتاريخيتهم.

ولكننا بحاجة لهذا الفصل بالنسبة للعلمانية، لا لأنها مقدسة، أو لأننا نريد نزع "المشروعية العلمانية" عن "القوى العلمانية" مثلما نفعل مع "القوى الدينية"، ولكن من أجل أن نتمكن من مناقشة الأفكار من حيث هي أفكار، أي من أجل نقاش معرفي وفلسفي، بعيدا عن الأيديولوجيا والسياسة.

هناك دائما فرق بين العلمانية لا كمفهوم أُنتج في الغرب ويُراد نقله إلى العالم الإسلامي وإنما كقضية يطرحها الواقع الإسلامي الراهن، وبين القوى أو الاتجاهات أو التجارب العلمانية التي وُجدت على أرض الواقع. فلكي يفكِّر الإنسان في الدين والتديُّن وفي علاقة الدين بالدولة، ولكي يتبنى موقفا فكريا في هذه القضايا ليس من الضروري أن يكون عضواً في "حزب علماني"، ولا من الضروري أن تربطه أي صلة بالتجارب السياسية العلمانية، ولا بـ "العلمانيين" كقوى موجودة أصبحت هي التجسد الواقعي للعلمانية، على الأقل كما يراها البعض أو كما يصورها البعض.

ونحن قد نفكِّر باستخدام مصطلحات ليست من إنتاج واقعنا، مثل "علمانية"، "ديمقراطية" ولكنها تشير إلى قضايا تنتمي إلى واقعنا، فمصطلح "العلمانية" في السياق الإسلامي يشير إلى قضايا يطرحها الواقع الإسلامي الراهن، أي هو ليس مجرد مصطلح تم انتزاعه من سياقه كما يعتقد البعض. فهناك مشكلة قوى تمارس السلطة بأشكالها المختلفة بمشروعية دينية مقدسة.

في السياسة تغيب الأفكار لحساب القوى السياسية المختلفة التي تنتصب على الأرض وكأنها التجسُّد الواقعي المحسوس للأفكار، ليكون صراعها هو "صراع الأفكار"، وما هو كذلك.

وككل شيء يوجد في التاريخ الإنساني، أي هنا في الأرض، لا في السماء (حيث لا يعرف أحد ما يمكن أن يوجد هناك، إذ أن كلمة "سماء" نفسها لا تشير الى شيء محدد) فإن الأمر الذي من المفترض أن يكون في منتهى الوضوح هو أن أي مشروع ديني في التاريخ، هو ممارسة يقوم بها الانسان، وليس الله كفكرة يؤمن بها، ولا أي مصدر آخر للسيادة والمشروعية.

إن إعادة موضعة هذه الممارسات -لنقُل الموصولة بالدين- في سياقها الواقعي والموضوعي الصحيح، كممارسة بشرية تاريخية لا تملك ولا يُمكنها أن تملك مشروعية أعلى من أي مشروعية أُخرى يمنحها الإنسان، تلك هي قضية العلمانية الحقيقية، وليس إقصاء الله من الحياة كما يعتقد البعض.

فعندما نقول إن البشر في ممارساتهم المختلفة، والتي تشمل التفكير والإيمان والعمل بمقضى ذلك الإيمان، إنما يعبِّرون بذلك، وعلى الرغم من ذلك، عن بشريتهم وتاريخيهتم، وليس عن أي حقيقة أو واقع متعالي، لسبب بسيط وواضح هو أن الذي يفكِّر ويعمل هو الإنسان نفسه، وليس الله كإيمان.. عندما نقول ذلك فنحن لا نقصي الله عن الحياة، وإنما نضع الإنسان في موقعه الحقيقي والواقعي في التاريخ. فإيمان الإنسان بأنه يمارس إرادة الله لا يجعل من هذه الممارسة ممارسة إلهية بالضرورة، مهما كان قويا وصادقا.

يظل الإيمان موجودا ومعتبرا ومحل تقدير واحترام، لكن -كما يفرض الترتيب المنطقي- كشيء ينتمي للإنسان ويوجد في الإنسان، في المستوى الأكثر ذاتية من الوجود الإنساني. بعبارة أخرى الإيمان الديني هو شيء يأتي بعد الإنسان منطقيا ووجوديا، مهما كانت موضوعات وقضايا هذا الإيمان تتعلق بالمطلق والمفارق وبما هو سابق لكل شيء، فالمطلق والمفارق نفسه لا يوجد في الإنسان كمطلق ومفارق وإنما كفكرة في الإنسان، ولا يمكنها أن تكون -من حيث هي فكرة- شيء أكثر من إنساني، كأي فكرة إنسانية أخرى. القضية هنا تتعلق بما أسميه "الوعي بالإنسان" و"الوعي بالإيمان" كما تناولته هنا في مقالات سابقا. هذا مستوى من النقاش يجب أن يسبق نقاش العلمانية على المستوى السياسي.

في السياسة تغيب الأفكار لحساب القوى السياسية المختلفة التي تنتصب على الأرض وكأنها التجسُّد الواقعي المحسوس للأفكار، ليكون صراعها هو "صراع الأفكار"، وما هو كذلك. فلا الدين هو القوى الدينية ولا العلمانية هي القوى العلمانية. وإذا أردنا أن نفهم الأفكار على أنها هي هذه القوى السياسية، فإننا سنحصل على أفكار مشوهة للدين وللعلمانية على السواء. ومن هنا تأتي ضرورة التفكير كشيء يتخطى الواقع من حيث هو معطى خام مباشر، إلى ما يعنيه ذلك الواقع. فالمعنى هو دائما شيء ما وراء المحسوس، وأحيانا ما وراء المُفكَّر أيضا.



حول هذه القصة

epa04839223 Yousef Al Otaiba, United Arab Emirates Ambassador to the United States

دبلوماسي إماراتي، يتمتع بعلاقات جيدة مع العديد من المسؤولين الأميركيين. كشفت رسائل مسربة من بريده الإلكتروني في يونيو/حزيران 2017، عن دوره بإيذاء سمعة حلفاء أميركا ومناهضته للتحول الديمقراطي بالمنطقة العربية.

Published On 4/6/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة