شعار قسم مدونات

هل تصلح الشعوب ما يفسده الحكام؟

blogs - احتجاج ريف المغرب ومواجهات مع الامن
لن أتحدث عن الموضوع بشكل معقد ولن أدخل في موضوع تغيير الشعوب أولا أم تغيير الحكام؟ الذي أصبح مشابها تماما لموضوع (البيضة أم الدجاجة) ولم ينتج عنه نظرة واضحة لكيفية التعامل مع الأنظمة الموجودة في المنطقة بل ظلت في مستوى الجدال والنقاش بين الجماعات والفرق الموجودة على الساحة التي أصبحت تائهة في كيفية التعامل مع الواقع الموجود وتنتظر الفرج من النظام الدولي أو المهدي المنتظر، وعلقت جميع آمالها على القوى الخارجية والغيبية في سبيل رؤية التغيير المنشود.

ومن المؤكد أن الأنظمة السياسية التي تحكم هذه المنطقة ليست أنظمة جاهلة ومغفلة ولا تُدرك مقومات الحكم والبقاء والاستمرارية، وليست مجرد شكل خارجي يعتمد على دعم الدول الغربية ولا تملك من أمرها شيئا كما يروج البعض، بل هي أنظمة حاكمة نجحت في الحكم والسيطرة وامتلاك أدوات القمع وأدوات التخدير وتعمل على مواجهة كل التحديات التي قد تظهر أمام مشروعها للاستمرار في السيطرة والحكم.

ومن المؤكد أن الأنظمة الحاكمة التي حافظت على وجودها وقاومت الثورات والتحركات الشعبية وظلت مسيطرة على الساحة، من المؤكد أن عندها القدرة الكافية لمعرفة الجماعات أو المؤسسات والجمعيات والشخصيات التي قد تشكل الخطر عليها وإبعادها عن الطريق قبل تكوين كتلة جامعة من الممكن أن تكون ندا للنظام السياسي.

كان هناك عالم جليل يناضل على المنبر ويسمونه أسد المنابر، تحول في اجتماع بين الحاكم ورجال الدين إلى كائن جامد، وعندما بادر للحديث بصوت خافت تحدث عن خطورة الإرهاب ودور العلماء في محاربة هذه الظاهرة الخطيرة!
كان هناك عالم جليل يناضل على المنبر ويسمونه أسد المنابر، تحول في اجتماع بين الحاكم ورجال الدين إلى كائن جامد، وعندما بادر للحديث بصوت خافت تحدث عن خطورة الإرهاب ودور العلماء في محاربة هذه الظاهرة الخطيرة!

من المؤكد أن هناك الكثير من المؤسسات والمنظمات التي تنشط في المجتمع وتحاول التوسع والانتشار وكسب الأعضاء والأتباع وتنشغل بالندوات والمؤتمرات والنشاطات الشبابية والأسرية ونشر الكُتيبات بصورة فاعلة، وهذا أمر جيد في ظل الفساد المنظم الذي يتبعه الدولة بكل مؤسساتها في سبيل إفساد وتدمير المجتمع، ولكن هل هذه المؤسسات لديها تأثير قوي تنافس تأثير السلطة السياسية أم أن تأثيرها نسبي وغير فعال ولذلك تقوم السلطة السياسية بالسماح لها في العمل في المجتمع في سبيل امتصاص الطاقات المعارضة للسلطة وعدم خروج المعارضين للسلطة عن الخط المرسوم لهم ومنع تفكيرهم في تأسيس حركات قد تسبب الانزعاج للسلطة السياسية الحاكمة!

لن تستطيع مؤسسات إصلاحية أن تنشر الوعي المطلوب الذي يجعل الشعب صاحيا يقاوم الاستبداد ويسير نحو الحرية بل عمل هذه المؤسسات هو فقط لإطالة عمر الأنظمة السياسية الموجودة وإعطاء حقنة تخديرية للشعوب.

كان هناك شخص يعتبر داعية كبير ومن أقوى الخطباء في المجتمع، وكان الناس يشاركون بالآلاف في خطبة الجمعة ويذرفون الدموع ويشعرون بأن الخطيب يمثلهم ويشاركهم المعاناة والألم والمشاكل اليومية التي يعانون منها، ولم يكن الخطيب يتحدث عن الأمور الدينية والوضوء فقط حتى نقول إنه كان من وعاظ السلاطين، بل كان يشارك حياة الناس اليومية ويتحدث عن السياسة وينتقد الحاكم والحكومة والسلطة السياسية وهذا ما زاد شعبيته وخاصة أنه كان عضوا في أحد الأحزاب السياسية الموجودة على الساحة ويستغل جمهوره في الترويج لحزبه في سبيل زيادة عدد الأصوات في البرلمان والمناصب في الحكومة.

واستمر الحال إلى أن وصل الأمر بحدوث اجتماع لرجال الدين مع الحاكم، والناس كانوا ينتظرون عدم مشاركة هذا العالم الكبير في الاجتماع أو على الأقل المشاركة والاعتراض على الأوضاع السياسية والمعيشية السيئة! ولكن حصل العكس تماما، فالعالم الجليل الذي كان مناضلا على المنبر ويسمونه أسد المنابر تحول إلى كائن جامد أمام الحاكم وعندما بادر للحديث بصوت خافت تحدث عن خطورة الإرهاب ودور العلماء في محاربة هذه الظاهرة الخطيرة!

طبعا هذه الحادثة أحدثت ضجة كبيرة عند محبي العالم، فالبعض بحث عن المبررات والحجج لتبرير الوقف، والبعض الآخر استنكر الحادثة واعتبرها سقوطا للعالم، والبعض الآخر استمر في اتباع العالم لعدم وجود بديل يروي عطشه. هذه الحالة تتكرر في كل زمان ومكان في الشرق الأوسط في ظل الأنظمة السياسية الحاكمة التي تستفيد من وجود هكذا شخصيات ومؤسسات وجمعيات تعمل على امتصاص غضب الجماهير وفي المقابل لديها حدود مرسومة من قبل السلطة لا تستطيع تجاوز هذه الحدود بقدر أنملة لأنها تحكم على نفسها بالموت والانتحار لو تعدت على حدودها!

دائما نحث على ضرورة وجود مؤسسات إصلاحية من قبل الشعوب حتى تواجه منظومة الفساد وتسعى للتغيير، ولكن هذه المؤسسات يتم السيطرة عليها إما من قبل أحزاب معارضة كارتونية، أو من قبل شخصيات مشبوهة، وفي النهاية لن تستطيع أن تنشر الوعي المطلوب الذي يجعل الشعب صاحيا يقاوم الاستبداد ويسير نحو الحرية بل عمل هذه المؤسسات هو فقط لإطالة عمر الأنظمة السياسية الموجودة والحفاظ على الواقع وإعطاء حقنة تخديرية للشعوب بأن هناك أمل في التغيير ليعلقوا كل آمالهم على هذه المؤسسات والمنظمات والجمعيات ويكفوا عن التفكير في طرق أخرى للمقاومة سواء السلمية أو عن طريق العنف، ويبقوا تحت يد السلطان ويكرروا السمع والطاعة ويحصلوا على تسمية "المواطن الصالح".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.