"غوانتنامو قصتي".. هكذا كان الرد

جاءني الرجل ستيفن رودريجنس ذاته وقال مبتسماً وقد أحضر معه جرائد ومجلات: "إن شاء الله أخذت قراراً"، قلت: "نعم، اتخذت قراراً"، قال: "وما هو؟"، قلت له: "قررت ألا أعمل معكم في هذا المجال لأسباب عديدة، أولها خوفي على أسرتي وعلى نفسي، والسبب الثاني هو أنكم بصراحة تقومون بأعمال لا تتوافق مع مبادئي".

فقال: "أما بالنسبة لخوفك فقد أخبرتك بأننا سنحميك، وقلت لك إنك لا تعمل وحدك، فأنت تعمل مع أمريكا كلها، وأنت تعلم ما أمريكا. كما أخبرتك بأنك لن تعمل وحدك، ستعمل من خلال مجموعة، وهناك مجموعات مهيأة لحمايتك ومتابعتك وتوفير الأمن لك. وستجد من يعاونك من أشخاص داخل قناة الجزيرة كما ستجد من يعاونك ويوفر لك الحماية من أشخاص موجودين في الدوحة، بل في جميع أنحاء العالم، يوفرون لك الحماية في كل منطقة وكل بقعة، في المطارات، في الفنادق، في تحركاتك، في سكناتك.. ما يعني أنك ستكون تحت حماية كاملة. هذا بالنسبة لك، أما بالنسبة لأسرتك فإن اختارت أن تأتي إلى أمريكا وتعيش فيها فنحن لن نرفض، غير أننا لا نحبذه لأن ذلك سيكشف أوراقك. ولكن سيعيشون في الدوحة، ونحن لنا رجال يعيشون هناك ولديهم وسائل نوعية لتوفير الحماية لك ولكل عملائنا، وهم الآن يعيشون بسلام ولا يتعرض لهم أحد".

ويضيف رجل الاستخبارات الأمريكي: "أما بالنسبة إلى موضوع المبادئ، فلا تظنها مثل أفلام جيمس بوند التي تقوم على القتل والمغامرات. نحن نقوم بعمل دبلوماسي، نحن مثل الدبلوماسيين نسعى بكل ما أوتينا من طرق ووسائل لمنع جرائم قتل أو جرائم كبيرة، وهذه هي غايتنا. وبتجنب القتل الذي لا نقوم به إلا مضطرين وفي آخر لحظة، نكون قد عطلنا الأعمال الشريرة قبل أن تحدث".

 مارتن لوثر كينغ (مواقع التواصل)

سألته: "أتذكر مارتن؟"، قال: "نعم، مارتن الضابط الذي قابلك، الضابط البريطاني من الاستخبارات الذي قابلك"، فضحكت. قلت له: "لا، أنا لا أتكلم عن المحققين أو الفريق الذي قابلني من البريطانيين، ولكن أتكلم عن مارتن لوثر كينغ، كيف قتلتموه وكان يحمل أفكاراً ديمقراطية ويدعو إلى العدالة والمساواة، وأنتم تؤمنون بالأفكار نفسها وتدعون إلى المبادئ نفسها. لم يكن يسير وفق نسقكم السياسي فقمتم بتصفيته وقتله. مثل هذه الأعمال لا أشارك فيها ولا أريد أن أكون طرفاً فيها".

قال: "نحن لم نقتل مارتن، وهنالك روايات كثيرة، وقد قبض على القاتل وحوكم وأودع في السجن، و"سي.آي.إيه" هي التي قبضت عليه. هذه هي الأدوار التي تقوم بها الاستخبارات، السعي للقبض على القتلة والأشرار. مهمتنا لها وجهان، الوجه الأول هو محاولة تعطيل أي عمل شرير قبل أن يحدث، والوجه الثاني متابعة وملاحقة الأشرار الذين يرتكبون الجرائم ويقومون بأعمال تخريبية. وقضية مارتن لوثر كينغ قضية جريمة ارتكبها أحد العنصريين وقبضت عليه الاستخبارات، فهذه قضية تحسب لنا ولا تحسب علينا".

قلت له: "على العموم أنا في قرارة نفسي لا أريد العمل معكم، وسأتحدث معك كصديق لا كمحقق أو باحث عن عمل، ألا يمكننا أن نتحدث كأصدقاء؟"؟ قال: "بلى"! قلت له: "أنت الآن صديقي وأريد أن أستشيرك، إذا كان لديك أسرة، زوجة وابن وتكن لهما المحبة والود، وكلفت بعمل مثل هذا أو طلب منك أن تعمل في هذا المجال، وهو بلا شك يعرض الأشخاص الذين تحبهم للخطر ويعرضك أنت للخطر، وأنت لم تعمل فيه أصلاً فهل توافق على هذا العرض؟ أريد ردك بصراحة من منطلق الصداقة لا العمل". فقال: "حقيقة سأرفض".

قلت له: "أشكرك على هذا الصدق وأشكرك لأنك أجبتني بصدق. الآن سأضع نفسي مكانك وأقول لك إنه ليس لدي غير الرفض ولا أملك أي شيء آخر". فقال لي: "جيد". وهزَّ رأسه ثم أردف: "دعنا ننظر للأمر من منطلق آخر، أنت الآن هنا في غوانتانامو، في هذا السجن، وأنت إنسان بريء ولم ترتكب خطأ، لكن الإدارة الأمريكية تنظر إلى الذين في غوانتانامو على أنهم أشرار وخبثاء، وليست أمامك فرصة للخروج في الوقت القريب إلا إذا وافقت على العمل معنا. حينها ستكون أمامك فرصة حقيقية للخروج قريباً وفي أسابيع بل أيام وتعود إلى أسرتك، فلمَ لا توافق وتخرج، وعندما تخرج تقول إنك غيرت رأيك ولا تريد العمل معنا أو إنك ترغب في تغيير طبيعة عملك، لمَ لا تفعل ذلك؟".|

عندما أخرج من هذا المكان أخرج حراً طليقاً، لا أخرج مقيداً لإرادتكم أو لإرادة أخرى، فلا بأس عليَّ لو بقيت هنا سنين عدداً على أن أخرج حراً طليقاً دون قيد أو شرط، فهذا هو قراري وأنا أتحمل كل تبعاته.

ضحكت وقلت له: "حقيقة أنا أرغب في الخروج من هذا المكان، وأتمنى أن ذلك يَحدُث اليومَ قبل غد. ولكن السؤال هو إذا قبلت وخرجت بهذا الأسلوب، ثم قلت إنني راجعت نفسي أو لا أرغب في العمل الصحفي مرة أخرى، ولا أريد العمل خارج السودان وأريد أن أعيش في قريتي الصغيرة حيث لا مصلحة لكم، فكيف سيكون رد إدارتكم؟".

سكت هنيهة ثم قال: "بصراحة سيقبضون عليك ويضعونك في السجن". قلت له: "ولماذا؟"، قال: "لأنك لن تخرج من هذا المكان قبل أن توقع على عقد عمل. وعقد العمل هذا فيه أشياء لك وأشياء عليك، فيه بعض البنود إذا وفيت بها فستنال حقوقك، وإذا أخفقت في تنفيذ ما هو عليك فستعاقب، وأقل العقوبات أن يزج بك في السجن مرة أخرى، ولكن هذه المرة ستكون مقننة. يعني بناء على شرط أو عقد أنت وقعت عليه بنفسك". قلت له: "أمعن النظر فيما تقول، فأنا لم أفعل أكثر من أنني خرجت من سجن غير شرعي لأعود إلى السجن بطريقة قانونية لأنني لم ألتزم بعقد عمل. في الحالة الأولى أجد معي متعاطفين، وفي الحالة الثانية لا أحد يقف بجانبي في قضيتي، بل حتى بعد خروجي ستكون حياتي تعيسة وغير مشرفة، وسيكون عملي نقطة سوداء في حياتي، وقد لا أستطيع العودة إلى بلدي أو أهلي ولو أطلقت الولايات المتحدة سراحي.

فحقيقة أنا لا أريد أن ألعب بالنار، أريد أن أكون واضحاً، أعيش هنا حتى يأتي يوم الإفراج عني. وعندما أخرج من هذا المكان أخرج حراً طليقاً، لا أخرج مقيداً لإرادتكم أو لإرادة أخرى، فلا بأس عليَّ لو بقيت هنا سنين عدداً على أن أخرج حراً طليقاً دون قيد أو شرط، فهذا هو قراري وأنا أتحمل كل تبعاته"، فهز رأسه وقال: "الحقيقة أني أردت أن أساعدك بعد أن قرأت ملفك واستمعت للمحققين، فشدني وضعك وأحببت أن أقدم لك مساعدة من هذا المنطلق. ولكن في النهاية يجب عليّ أن أحترم وجهة نظرك وسأتركك، ولكن على أمل أن تفكر في هذا العرض مرة أخرى، ولا أكذب عليك، فستبقى هنا لفترة قد تطول، فما زالت أمامك أيام بل شهور وربما سنوات. فكر في الأمر فإذا أحسست أنك تريد أن تغير رأيك فلا تتردد في طلب مقابلتي. لا أستطيع أن أعطيك اسمي ولكن قل لهم هناك من جلس معي جلسة خاصة أريد أن أقابله، فإذا كنت موجوداً فسأقابلك، وإن لم أكن موجوداً فسأرسل لك من يقابلك، وتأكد أن التعاون بيننا سيعجبك كثيراً".

وبهذه الكلمات خرج وتركني، فطلبت منه المجلات التي بيده فأعطاني إياها على مضض. وبعد دقائق حضر العسكر وأخرجوني حتى لا أجد فرصة لقراءة المجلات والجرائد، وأعادوني إلى زنزانتي وقد زال عني هم كبير وثقل عظيم.



حول هذه القصة

يستعد السجين السابق في غوانتانامو المدير الحالي لمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان سامي الحاج لإصدار كتاب جديد له بعنوان “غوانتانامو.. قصتي”، وهذه إحدى فقرات هذا الكتاب المثير.

لمدة عام كامل أمضته في الاعتقال، حرمت الفلسطينية دلال أبو الهوى من احتضان أبنائها الأربعة، أصغرهم “حمزة” كان عمره عشرة أشهر عند اعتقالها، وعند خروجها من السجن أمس لم يعرفها.

للشهر الثاني على التوالي تواصل سلطات الاحتلال اعتقال المقدسي محمد عتيق (17 عاما) مما حال دون التحاقه بمدرسته بالعام الجديد، وبالتالي تهديد مستقبله الدراسي والتحاقه بالجامعة العام المقبل.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة