أكادُ أجزم أنّك لو سألتَ أيّ سؤال في بالك حتّى لو وُلِد في هذه اللحظة فإنّ الإجابات ستأتيك من مختلف الثقافات والتوجّهات بما يتناسب مع تلك الثقافة ويتماشى ويكمل أساطيرها ومرويّاتها، وقد أجريتُ تجربة بأن طرحتُ سؤالاً في أحد مواقع الأسئلة العامّة هو "من اخترع العَلَم؟" فكانت الإجابات كما توقّعتُ، منهم من نَسَب الاختراع إلى الصينين ومنهم إلى الفرس ومنهم إلى الإغريق ومنهم إلى السومريين ومنهم إلى الفايكينغ، ولكلّ رواية تفنيداتها، بالإضافة إلى نسبة الاختراع لأشخاص بعينهم كالنبيّ إسماعيل عليه السلام والشخصيّة الشهيرة في التراث الإسلامي "ذي القرنين" والاسكندر المقدوني.
ولنأتي إلى موضوع الساعة، فقد لفتَ نظري منشور على فيسبوك يستنكر الظنّ بأنّ من قسّم اليوم إلى 24 ساعة هو الغرب وينسب هذا التقسيم إلى العرب مسمّياً كلّ ساعة من ساعات اليوم التي قسمها مناصفةً بين الليل والنهار باسمٍ عربيٍّ فصيحٍ قديم، منها ما هو غريبٌ عن العامّة والمثقّفين كالسُدفة والبُهرة ومنها ما هو متداول كالفجر والظهيرة. جاعلاً هذه الأسماء دليلاً على ابتداء هذا الاصطلاح من عند العرب. من أهمّ المغالطات في السرديّة العربيّة أنّها تفترض أنّ الليل والنهار متساويان دوماً، ثمّ إنّ وجود أسماء للساعات لا يعني أبداً أنّ هذه الساعات من اختراع العرب، فقد اعتاد العرب على تسمية كلّ شيء فهناك زهاء ألف اسمٍ للإبل، ولنتابع في سرديّات الساعات، حيث تقول السرديّة الثانية إنّ مَنْ قسّم اليوم هو النبيّ نوح عليه السلام لأنّه حين كان في السفينة مع قومه لم يكن لديهم القدرة على التمييز بين الليل والنهار بسبب الغيوم فابتكر هذه التقسيمات، لكن كيف استطاعوا ضبط الوقت لا أحد يعلم.

أمّا لماذا وصفتُ سرديّة السومريّين بأنّها الأكثر منطقيّة، فالسبب رياضيٌّ بحت، تُعدّ هذه الفرضيّة الأمثل عدديّاً لأنّ العدد 12 هو أصغر عدد يقبل القسمة على (1-2-3-4-6-12) معاً أي يمكن أن نجعله نصفين أو أرباع أو أثلاث أو أسداس دون صعوبة، ولهذا السبب بالضبط جُعِلت الدزّينة من 12 قطعة وليس من 10 قطع. وكذلك فإنّ العدد 60 هو من أكثر الأعداد امتلاكاً للقواسم ممّا جعله مثاليّاً ليكون عدد الدقائق وعدد الثواني وأساساً لنظام العدّ الستيني ولقياس درجات الدائرة.
لكن يمكن أن نسأل، هل كان السومريّون بهذه الخبرة الرياضيّة حتّى يختاروا هذا الرقم دون غيره، فالأقرب للنظر هو الرقم 10 لأنّه عدد الأصابع أو 5 عدد أصابع اليد الواحدة، أو 20 عدد أصابع اليدين والقدمين، وجميع هذه الاحتمالات أقرب للملاحظة من عدد سلاميّات الأصابع خصوصاً وأنّهم تجاهلوا سلاميّتي الإبهام، برأييّ إنّه ليس من المطلوب أن تكون لديهم خبرة رياضيّة لأنّ الحاجة للقسمة في البيع والشراء والمقايضات وتقسيم الأراضي وبناء الأبنية وشق الطرقات إلى آخر تلك الأمور الضروريّة هي ما ولّد الحاجة لابتكار نظام عدديّ يحلّ هذه الإشكاليّات وعليه فإنّ النظام العدديّ المطلوب يجب أن لا يخلق إشكاليّات جديدة ومن إشكاليّات العدد 10 أنه لا يمكن تقسيمه إلى أربعة أقسام صحيحة متساوية، أمّا بشأن سلاميتيّ الإبهام، أظنّ أنّ طريقة الإشارة بالإبهام إلى أجزاء الأصابع (كما يفعل المسلمون في تسبيحات ما بعد الصلاة) هي ما ولّد فكرة التقسيم ذي الاثني عشر قسماً، أي أنّ الإبهام هو المفتاح لهذه الفكرة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.