كَي لا ينتهي مستقبل أبنائنا قبل أن يبدأ!

مدونات - طفل يحمل موبايل
تراه يفترش الأوراق ويملأها بإنجازات السنين القادمة في إطارٍ استراتيجيّ، ثم يُرخي حبال التفكير تماماً ويشدّ مئزر العزيمة نحو خطواتٍ تنفيذيّة متشبّثاً بما دوّن على هذه الأوراق دون أن يخطر بباله ما يجرّه إليه العالم الذي يسير بوتيرة سريعة من متغيرات على نحوٍ يخطِفُ الأبصار ويحبس الأنفاس، حتى إذا دنى إليه المستقبل وواجهته منعطفات وعقبات لم يُفلح في استشرافها ولم يجد في استراتيجيّته غيرَ أدواتٍ من الماضي لا تؤهله لعبور بوابة المستقبل، بقي عالقاً بين الماضي البعيد والغَدِ الذي سيشهد موتاً سريريّاً لأحلامه.

هكذا انتهت قصة نجاحه، وكذلك انتهت الكثير من قصص النجاح، كشركة "كوداك" التي كانت توظف عام 1988 حوالي 170 ألف موظف وكانت خلال القرن الماضي أيقونة أفلام التصوير الضوئي، واليوم تشارف على إغلاق أبوابها بعد تاريخ حافل بالنجاحات يمتد إلى 135 عام، وعلى مقربة من يومنا هذا كان أكاديميو التكنولوجيا يقفون على منصات الخطابة ويتغنون بنجاح أجهزة "نوكيا" التي كانت تكتسح سوق الهاتف المحمول بنسبة 40 بالمئة، وتساهم بما مقداره ربع نمو الاقتصاد الفنلندي لبساطتها وسهولة استخدامها، من منا لم يشهد ركودَ "نوكيا" مؤخراً وغيابها عن الساحة جراء عدم قدرتها على مجاراةِ أنظمة الهواتف الذكية "آندرويد" و"IOS" ؟! ثمّ محاولتها النهوض من جديد من خلال إعادة إصدار هاتفها الآيقونيّ 3310 بعد 17 عامً؟!

يضع توماس فراي ذوي المهارات المتدنية في تحدي تطوير مهاراتهم ومواكبة التغير الحاصل من حولهم، حيث ستنخفض المهن التي تتطلب مهارات بدائية تفتقر إلى المؤهلات العلمية بنسبة 30 بالمئة.

اليومَ نشهد تضخّماً مطرداً للجيل الرقميّ، وتغيّراً غير مسبوق في أدمغة أبنائنا ونمط حياتهم اليوميّ المرتبط بشبكة الإنترنت التي جعلت من خفايا العالمِ بأسره في متناوَلِ أيديهم، ولا نبرعُ إلا بتوجيه اللّوم على النّحوِ المُختلف الذي ينظرون فيه إلى العالم، واستنكارِ كل دخيلٍ عليهم دون النظرِ إلى تأثيره على مستقبلهم، فوفقاً لموقع "Gartner"، المتخصّص بأبحاث التكنولوجيا، من المُرتقب أن يملك 7 مليار شخص ما يُقارب 30 مليار جهازٍ بحلول عام 2020..

كما ستتولّى الريبوتات القيامَ بمهامّ كبار المهنيين بحلول عام 2022، وسيقودنا المستقبل إلى التعامل مع كمية بيانات تقدر بـ 44 زيتابايت (44 تريليون جيجابايت)، والسؤال الجوهريّ هو أين سيكونُ عالمنا العربيّ في ذلك الوقت؟ وفي أيّ حقبة من الزمن سنَقبع؟ وهل ستُضافُ بؤرة التخلف التقني والرقمي والصناعيّ إلى بُؤر الفقر والبطالة والجهل في العالم الثالثِ.

يُخبرنا توماس فراي مؤلف كتاب "التواصل مع المستقبل – Communicating with the Future" أن 65 بالمئة ممن هم في عمر الثانية عشرة الآن سيعملون في وظائف لم تظهر بعد، وأن 60 بالمئة من فرص العمل التي ستظهر بعد 10 سنوات من الآن ليس لها وجود اليوم، بدليل بداية ظهور تقنيات ستضبط سير المهن المستقبلية، مثل الطباعة البيولوجية (ثلاثية الأبعاد ورباعية الأبعاد)، وطائرات بدون طيار، وتكنولوجيا الناتو..

ومن المتوقع أن تتطور هذه التقنيات بحلول عام 2020 إلى روبوتات متقدمة، فماذا عن حاجة السوق المستقبليّ إلى مهندس سيارات ذاتية القيادة ومحامي الواقع الافتراضي ومربي ماشية مستنسخة ومزارع المحاصيل المعدلة وراثياً وسمسار الوقت والمعلم الافتراضي وعالم البيانات الضخمة ومدير إعادة تدوير البيانات والمعلومات؟ هل تعمل مؤسساتنا التعليمية على تطوير خطط دراسيّة تؤهل الطلاب والجامعيين لتلك المهن بدلاً من التمترسِ في إغلاق بعض التخصصات لاكتفاء حاجة سوق العمل منها؟ بل هل يدركون حجم ما سيقبلُ عليه أبناؤنا في أقلّ من 10 سنوات؟

هل سيقود الذكاء الاصطناعي إلى ابتكار أجهزة تشخيص الأمراض بصورة أدق من أي عنصر بشري؟ إلى أي مدى ستتغير ملامح المهن؟

إذ يضع توماس فراي ذوي المهارات المتدنية في تحدي تطوير مهاراتهم ومواكبة التغير الحاصل من حولهم، حيث ستنخفض المهن التي تتطلب مهارات بدائية تفتقر إلى المؤهلات العلمية بنسبة 30 بالمئة، بينما ستزداد تلك التي تتطلب مهارات متوسطة ترقى إلى القدرة على اتخاذ القرارات والتعامل مع مشاكل أكثر تحدياً بنسبة 8 بالمئة، أما من سيحظى بحصة الأسد بنسبة 56 بالمئة من هذه المهن فهم أصحاب المهارات العالية في التحليل والتفكير النقدي والإبداعي والتخيّل والتفاوض وصولاً إلى الابتكار، كما سيؤدي التكيف التكنولوجي إلى خلق المزيد من الوظائف في مختلف القطاعات.

تبقى الأسئلة التي تطرح نفسها، وتضعنا في مواجهة واقعٍ محتومٍ لا مفرّ منه، هل سيقود الذكاء الاصطناعي إلى ابتكار أجهزة تشخيص الأمراض بصورة أدق من أي عنصر بشري؟ إلى أي مدى ستتغير ملامح المهن؟ وكيف ستصبح طبيعة عمل شركات التأمين حين تقتحم السيارات ذاتية القيادة والطائرات بدون طيار الأسواق بحلول 2020؟ كيف ستعيد المؤسسات هيكلة أنظمتها وخططها الاستراتجية حين تصبح أماكن العمل افتراضية ويتم توظيف كادر بأكمله للعمل عن بعد؟ هل سيحصل أن تطبع قطعة الملابس أو الحذاء الخاص بك من خلال الطابعة ثلاثية الأبعاد؟ هل ستكتفي الأمّ في تحضيرها للحقيبة المدرسيّة بحافظة طعام وجاهزٍ لوحيّ لا يتعدّى وزنه كتاباً واحداً من الكتب التي يعتلها أبنائنا اليوم؟ لأي مدى سينجح خليفة الله في إعمار أرضه؟