التعليم العالي بالمغرب وضرورات الاصلاح

blogs - education

الجامعات القوية والمتميزة علميًا هي التي تصنع النهضة والتقدم وليس العكس، ولطالما كانت الجامعة المغربية منذ الاستقلال ملاذًا للطلبة من أبناء الطبقة الفقيرة لتحصيل العلم، وتخرج الأطر العليا، ورجالات الدولة للمساهمة في تنمية البلاد اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، وتقدمها العلمي والتقني بين الأمم والدول.

في ظل الأزمة التي تعيشها الجامعة المغربية حاليًا "مع التحفظ على اسم جامعة" بسبب تعثر برامج الإصلاح السابقة الذي دندنت له الوزارات المتعاقبة بسبب التخطيط غير المعقلن، وأسلوب التجربة والخطأ الذي اتبعته السلطة الحكومية الوصية على القطاع.

ناهيك عن مشاكل الاكتظاظ الذي عانت ولازالت تعاني منه بعض الجامعات المغربية خصوصًا المؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح للمواسم الدراسية كل سنة جامعية؛ بسبب العدد الهائل من الطلبة الذين يتخرجون من الباكالوريا، هذا بالإضافة إلى الطلبة القدامى، وكذا غياب "إن لم نقل" انعدام البنيات التحتية، والتجهيزات الأساسية، والمرافق الأساسية الكافية للمؤسسات الجامعية.

تضاف إلى هذه المشاكل، أزمة نقص التأطير البيداغوجي، فغياب التأطير الكافي للعدد المتزايد من الطلبة الجدد خلق إشكالية كبيرة في ما يتعلق بالتدريس خصوصاً على مستوى المؤسسات الجامعية، التي تضطر إلى الاستعانة بأطر مهنية (محامون، قضاة، موثقين…) من خارج قطاع التعليم العالي، في حين يبقى مثلًا دكاترة الوظيفة العمومية الأولى بالإدماج داخل الجامعات من غيرهم، لذلك فالأمر يتطلب إحداث مناصب لتوظيف أساتذة جامعيين جدد لسد الخصاص الهائل.

إصلاح شمولي يأخذ بعين الاعتبار واقع التعليم العالي بالمغرب وأولويات المجتمع المغربي ومن تصور محدد عن دور المغرب إقليميًا وعالميًا.

تعاني الجامعات المغربية أيضًا كذلك من غياب الاستقلال الكامل في التسيير وضعف الميزانيات المرصودة لها طريقة التنقيط، فالقرارات لازالت تتخذ على مستوى الإدارة المركزية في الرباط، وأي اجتهاد أو هفوة أو خطأ مرفقي أو شخصي من مسؤول في إدارات الجامعات قد يكلفه منصبه، ولا ننسى المساطر البطيئة والمعقدة والإجراءات التقليدية العقيمة لتسجيل الطلبة على مستوى الإجازة والماستر والدكتوراه، نظرًا لافتقار الإدارات للوسائل التكنولوجية الحديثة وعدم مسايرة العصر وغياب تكوين كاف للموظفين، فتسجيل طالب أجنبي مثلًا في الإجازة أو الماستر أو الدكتوراه يمر بمسطرة طويلة جدًا ومعقدة وهو ما قد يسيئ للعلاقات الدبلوماسية للمغرب.

أما على مستوى البحث العلمي، فمعلوم أن البحث العلمي يعد أحد أهم الركائز التي تعتمد عليها الشعوب في تحقيق التقدم ونيل مكانة وتقدير بين مختلف دول العالم، وتقيس أغلب المنظمات العلمية المعنية بتقييم المؤسسات العلمية والدول المختلفة بعدد الأبحاث العلمية التي تقوم تلك المؤسسات برعايتها، كذلك مدى دعم الدولة لأنشطة البحث العلمي المختلفة، وكلّما زادت الأبحاث العلمية القيمة التي تضيف إلى العلوم المختلفة بشكل واضح، كلما كان هذا في مصلحة الباحث والمؤسسة الراعية والدولة ذاتها.

غير أن الأمر ليس كذلك في جامعاتنا التي تصنف دائمًا في آخر السلم، فالأمر يندى له الجبين، والبحث العملي يولد ميتًا، ومراكز الأبحاث منعدمة أو مسيسة أو ذات أهداف ربحية أو مشخصنة، أي أنها تخضع لمزاج رؤسائها في التعامل مع مشاريع البحث العلمي، فإذا قدمت مشروع بحث علمي، فعليك الانتظار ثم الانتظار ثم الانتظار، ثم يرفض مشروعك بسبب تافه يتعلق بغياب التمويل، وقد ينظر إليك بازدراء واحتقار.

قد تكون محظوظاً لو كانت لك صداقة مقربة مع مدير المركز البحثي، في حين أنه لو قدمت مشروعك لمراكز بحث عربية فإنك تحظى بمركز محترم واستقبال مهيب واهتمام معنوي ومادي، كما أنه في بلادنا قد تُقصى من المشاركة في الندوات التي غالبًا ما تخاط على مقياس منظميها، أو تنظم من تحت الطاولة أو لأنك لست متحزبًا أو لست كفؤاً من وجهة نظر اللجنة التنظيمية للنشاط العلمي أو يتعمد استبعادك من طرف بعض لوبيات الكليات أو المركز.

لكن ذلك لا ينفي وجود بعض المبادرات الفردية داخل الوطن التي يتخذها بعض الأساتذة الأجلاء الذين نوجه لهم الشكر الجزيل والذين يحتاجون إلى الدعم الحقيقي، حتى أن بعض الكليات لا تتوفر على مجلة علمية خاصة بها، وتهتم فقط بتزيين الحدائق وصباغة الجدران ونزاعات الموظفين مع الإدارة.

مشاكل الموظف بالتعليم العالي الضامن الأول لاستمرار الجامعة كمرفق عمومي كثيرة ومتعددة، تنضاف إلى كتلة مشاكل الجامعات، منها الحق في الترقي بالشهادات الجامعية لفائدة موظفي التعليم العالي الحاصلين على الإجازة أو ما يعادلها والماستر أو ما يعادله، والحد من التضييق على الحريات النقابية والتصرفات السلطوية التي أصبحت تتخذ شكل عرف في التسيير داخل المؤسسات الجامعية والأحياء الجامعية (لأن بعض المسؤولين يتخذون المؤسسة ويحولونها إلى ثكنة عسكرية أو ملكية خاصة (مزرعة).

تقنين الامتيازات المشروعة كولوج المسؤولية ومنح تعويضات للموظفين ويحدد شروطها ومعايير الاستحقاق وليس الاقتصار على بعض الموظفين المرضي عنهم بالجامعات؛ ويحدد طرق الاستفادة من التكوين المستمر؛ يحدد شروط ومعايير الترقية؛ مع إقرار الحقوق النقابية كاملة من خلال صياغة ميثاق العمل النقابي بين مختلف الفاعلين بالفضاء الجامعي.

لاشك أن الجامعات المغربية تحتاج إلى إصلاح جذري يقوم على أسس مختلفة تمامًا عما كان سائدًا من ناحية الرؤية والغايات والمضمون والآليات. إصلاح شمولي يأخذ بعين الاعتبار واقع التعليم العالي بالمغرب وأولويات المجتمع المغربي ومن تصور محدد عن دور المغرب إقليميًا وعالميًا.