داعش والاستشراق

blogs علم داعش
يعتبر تنظيم "داعش" ظاهرة العصر بامتياز؛ فقد صار حديث وسائل الإعلام، وأكثر المصطلحات تداولا على ألسنة الأنام، تنظيم دوخ الساسة والباحثين، وحير القادة والمحللين. فمن مجرد مجموعة صغيرة من الأفراد إلى تنظيم يسيطر على آلاف الكيلومترات المربعة، ويرهب الأفراد والدول، ويمتلك قوة عسكرية وإعلامية فاقت كل التوقعات، خصوصاً إذا ما قورن ذلك كله بالإمكانات المتواضعة للتنظيمات الأخرى التي ظهرت في الوطن الإسلامي. وقد تكاثرت التحليلات وتناسلت الآراء محاولة سبر أغوار هذه الجماعة، وملابسات تكوينها؛ فهناك من زعم وجود طرف سياسي – دول على وجه الخصوص – أنشأ هذا التنظيم، للاستفادة منه في إفشال مشروع الخصوم، وهناك من رأى فيه تطوراً منطقياً للسلفية الجهادية، أو امتداداً طبيعياً للمدرسة الوهابية النجدية، وهناك من اعتبره نتيجة متوقعة لتنامي الاستبداد والتهميش والبطالة التي سادت دوائر واسعة من المجتمعات العربية.

ورغم وفرة التحاليل كثرة الآراء، إلا أنني لم أجد من يربط نشأة هذه الجماعة بالظاهرة الاستشراقية، هذه الظاهرة التي وإن اختلف في بداياتها الفعلية فإن انطلاقتها الحقيقية كانت بباعث ديني يستهدف خدمة التبشير وتسهيل عمله، ونشر المسيحية. والمتأمل في ما وصل إليه الاستشراق وما قدمه عن الإسلام، وما قامت به داعش وما تبنته من أفكار، سيجد أوجه تلاق واتفاق كبيرة بين الطرفين، وأن داعش كانت خادمة للاستشراق بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، مقصودة أو غير مقصودة.

الاستشراق وداعش والحرب على الإسلام:
معلوم أن الحرب على الإسلام اتخذت وسائل كثيرة ومتنوعة، بدأت بكلمة قالها أبو لهب للرسول صلى الله عليه وسلم – حين جهر بدعوته – "تبا لك". قبل أن تحمل السلاح، وتدبر المكائد، وتخطط وتنظم وتستغل. وكانت الحروب الصليبية التي امتدت زهاء قرنين من الزمن (1096م – 1291م) من أشرس مظاهر الحرب على الإسلام، وكانت حربا مادية مسلحة الهدف الرئيس منها هو القضاء على الإسلام والانتصار للمسيحية. ولكن الغريب هو أن هذه الحروب عوض أن تقضي على المسلمين، وتستأصل الإسلام من جذوره، فإنها أيقظتهم من سباتهم العميق، وأحيت فيهم روح الجهاد، فردوا كيد الصليبيين في نحورهم، وطردوهم من بلاد الإسلام، فأيقن الأعداء حينئذ أنه لا سبيل للقضاء المباشر على المسلمين، ولا مجال لمحو دين ترسخ في نفوسهم بالقوة، فبادروا إلى تحويل المعركة من حرب مادية إلى حرب معنوية تعتمد أساسا على الغزو الفكري والحضاري والاقتصادي، وعلى بث الشبه حول الإسلام، وإفساد أخلاق المسلمين.

الحضارة الإسلامية من أكثر الحضارات الإنسانية إغناء للثقافة والتراث، وتشيدا للمآثر والعمران، وإسهاما في المعرفة والعلوم، وكان لها فضل السبق إلى كثير من العلوم الإنسانية والتجريبيةالحضارة الإسلامية من أكثر الحضارات الإنسانية إغناء للثقافة والتراث، وتشيدا للمآثر والعمران، وإسهاما في المعرفة والعلوم، وكان لها فضل السبق إلى كثير من العلوم الإنسانية والتجريبية

وإذا كان الجنود في الحروب الصليبية هم من حملوا لواء هدم الإسلام، فإن المستشرقين هم من تولى ذلك في الحرب المعنوية من خلال دراساتهم العميقة للإسلام والتي صاغوها في شبه مست أصول الإسلام وفروعه، وكان الهدف منها تشكيك المسلمين في دينهم. إلا أن هؤلاء كذلك قد وجدوا من تصدى لشبههم من علماء المسلمين الذين بينوا زيفها وبطلانها. فكان التفكير في نوع آخر من الحرب يعتمد أساسا على ضرب الإسلام بالمسلمين أنفسهم، فكانت بعض الجماعات التي وإن أعلنت دفاعها عن الإسلام، فإنها في الحقيقة فتحت الباب لتدخلات عسكرية بالجملة، ومهدت لدمار لحق العديد من البلاد الإسلامية، إضافة إلى تشويهها صورة الإسلام السمح المعتدل. وأقصد هنا خصوصا تنظيم داعش. فداعش وقفت بجانب الاستشراق من أجل هدم الإسلام، الاستشراق يهدم نظريا، وداعش تهدم عمليا.

داعش، التطبيق العملي لشبهات المستشرقين:
لقد أثار المستشرقون مجموعة من الشبهات حول الإسلام، فجاءت داعش وتلقفتها وحملت لواء تطبيقها العملي على أرض الواقع، فكـأنها بذلك تؤكد صدق تلك الشبهات رغم رد علماء المسلمين عليها وتفنيدها بالأدلة. فداعش ارتكبت أفظع الجرائم، ومارست أشد أنواع القتل، وأرهبت ودمرت وحرقت. وما ذلك إلا تأكيدا لشبهة استشراقية مفادها أن الإسلام دين السيف والقتل والعنف. ونجد داعش كذلك تسبي النساء وتحيي سوق الرقيق، وما ذاك إلا تجسيدا لشبهة أن الإسلام يهين المرأة ويشجع على الرق والعبودية. وكذلك نجدها تقتل المخالفين، وتجبر المسيحيين على دفع الجزية أو الرحيل، امتثالا لشبهة أن الإسلام لا يعترف بالآخر. إلى غير ذلك من الشبه الاستشراقية التي وجدت تطبيقها الفعلي على يد داعش.

لا ينكر نظرية المؤامرة إلا غافل أو متغافل، فالمؤامرة على الإسلام قائمة منذ قيامه، وباقية ومستمرة تختلف أساليبها باختلاف الأزمنة والبيئات، ولذلك ذكر الله تعالى فعل المكر بصيغة المضارع في قوله تعالى في سورة الأنفال: (ويمكرون)

استهداف الحضارة الإسلامية منهج أعداء الإسلام ومنهم داعش:
تعد الحضارة الإسلامية من أكثر الحضارات الإنسانية إغناء للثقافة والتراث، وتشيدا للمآثر والعمران، وإسهاما في المعرفة والعلوم، وقد كان لها فضل السبق إلى كثير من العلوم الإنسانية والتجريبية. ولعل ما يثير الاستغراب والدهشة هو هذا الحقد والعداء لحضارة أسهمت في البناء الحضاري الإنساني، فلا تكاد تجد في التاريخ جيشا غزا البلاد الإسلامية إلا وبادر إلى إتلاف وتدمير معالم الحضارة الإسلامية، فالتتار ألقوا ملايين الكتب في نهر دجلة حتى اسودت مياهه، والمستعمرون الأوربيون في العصور الحديثة نهبوا نفائس المخطوطات والآثار وأقاموا بها مكتباتهم ومتاحفهم. ثم جاء الدور على داعش لتكمل ما بدأه هؤلاء، فوجدناها تقتحم متحف الموصل وتحطم ما حوى من آثار وتماثيل، وتسوي مرقد النبي يونس عليه السلام بالأرض، وتحرق ألاف الكتب والمخطوطات النادرة في مكتبة الموصل، وتفجر مرقد الأربعين في مدينة تكريت، وكان يضم رفات أربعين جنديا من جيش الخليفة عمر بن الخطاب. إلى غير ذلك من أعمال التخريب والتدمير التي مست معالم الحضارة الإسلامية، المادية منها والمعنوية.

استهداف داعش للعلماء:
شكل علماء المسلمين ولا زالوا حجر عثرة في وجه الحملات ضد الإسلام، ولذلك وجدناهم مستهدفين سواء بالإساءة أو التنقيص، بل وحتى بالقتل. وقد تيقن المستشرقون من خلال دراساتهم أن للعلماء مكانة متميزة عند المسلمين، وأنهم دعامة من دعامات الإسلام التي يقوم بها. ولذلك رأوا أن القضاء على الإسلام لا يمكن أن يتأتى إلا من خلال القضاء على علمائه. وقد تبنت داعش هذه الفكرة الاستشراقية فأصدرت قائمة لأبرز علماء الإسلام داعية أتباعها في كل مكان إلى اغتيالهم، بل إلى جعل ذلك على سلم الأولويات، وواصفة إياهم بالحمير الذين آذوا المجاهدين، وأن شرهم لا ينتهي إلا بقتلهم. ومن بين هؤلاء العلماء المستهدفين نجد يوسف القرضاوي، وعبد العزيز آل الشيخ، ومحمد العريفي، وعائض القرني، وسعد البريك، وصالح المغامسي، وعبد العزيز الفوزان. وهذا العمل ليس غريبا على تنظيم يخلوا من العلماء ورجال الدين، ويعج بالضباط والعسكريين. وهكذا تبدوا خيوط العلاقة واضحة بين داعش والاستشراق، مما يزيد من إيماننا بأن داعش هاته لا تمت للإسلام بصلة لا قلبا ولا قالبا، وأنها صناعة الهدف منها تشويه صورة الإسلام.

ولعل قائلا يقول إن مثل هذه المواضيع تندرج ضمن نظرية المؤامرة التي صارت مثل العكاز الذي يتكئ عليه المسلمون كلما لحقت بهم هزيمة، ويتعللون بها فيما وصلوا إليه من ضعف وهوان. ولا ينكر نظرية المؤامرة إلا غافل أو متغافل، فالمؤامرة على الإسلام قائمة منذ قيامه، وباقية ومستمرة تختلف أساليبها باختلاف الأزمنة والبيئات، ولذلك ذكر الله تعالى فعل المكر بصيغة المضارع في قوله تعالى في سورة الأنفال: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ليبين لرسوله صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده أن مكر الأعداء لا ينتهي، وإنما فقط يغير جلدته كلما ظهر له فشل مخطط سابق.