جدلية الفرد والجماعة في القرآن (2)

blogs - صلاة
كانت حجة الأقوام في التحشيد ضد دعوات الأنبياء أنهم يهددون موروثات الآباء: "إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ"، وهي شبهة تطرح في كل العصور بأن الدعوات التجديدية تهدد هوية المجتمعات وقيمها، فهل المحافظة على تراث الآباء يقتضي صم الآذان واستغشاء الثياب صدوداً عن الأفكار الجديدة؟ كان الأنبياء يحملون هماً قومياً أيضاً: "يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ"، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم كان يريد رفعة قومه قريش: "إِنِّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَقُولُونَهَا تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ". إن الأنبياء يريدون مصلحة أقوامهم لكن وفق تعريف جديد للمصلحة؛ فإذا كانت الأقوام ترى مصلحتها في المحافظة على مألوفات الآباء، وهي الرؤية التي تحكم المجتمعات البشرية المنغلقة إلى اليوم، فإن رؤية الأنبياء أن المصلحة هي في مغادرة مواقع السكون والنفير إلى ميادين المواجهة والإحياء الروحي والتفتح العقلي لسماع الأفكار الجديدة.

لقد كان أبو جهل وأبو سفيان يحملون لواء الدفاع عن تراث قريش وتخليد ذكرى آبائهم، لكن من حقق مصلحة قريش في نهاية المطاف هو النبي محمد بدينه الجديد، وقد علا بذلك اسم قريش ونالت شرف انتساب النبي إليها، ولولا بعثة النبي محمد لما تجاوزت قريش حدود القبيلة الضيقة ولدفن أثرها في بطن التاريخ. هنا نتعلم درساً مهماً، وهو أن مصلحة الجماعة في تجددها وليس في جمودها، وهذا ما يؤكد قيمة الفردية، فالأفراد هم حملة لواء التجديد، لأنهم أجرأ على مغادرة مواقع الاستقرار وأسبق في ملاحظة مواطن الخلل في المنظومة القائمة، وهم أكثر مرونةً في قبول الأفكار الجديدة، أما الجماعة فتتسم حركتها بالبطء وتخشى التغيير وتميل إلى تأكيد وجودها بدل تجديده. في مواطن أخرى يؤكد القرآن على أهمية الجماعة والتحزب فيأمر المؤمنين بالقتال كافةً، ويأمرهم بموالاة بعضهم البعض وبالتعاون على البر والتقوى، وبأن تكون منهم أمة تدعو إلى الخير، فهل ثمة تناقض؟

الفردية ليست بديلاً عن الجماعة وليست دعوةً إلى قطع أواصر العلاقة مع المجتمع، إنما يقصد بالفردية حماية كينونة الأفراد من الطمس، وإطلاق حريتهم الداخلية، فإذا استطاع الفرد تحقيق ذاته والتصالح مع قناعاته أنشأ علاقةً إيجابيةً مع المجموع ليفيد برؤاه ويستفيد من رؤى الآخرين، لكنها علاقة قائمة بين كيانات مكتملة وليس علاقة تبعية عمياء، وحين يتحرر الفرد داخلياً ويؤمن بذاته سيكون أكثر إيجابيةً وإبداعاً في العمل الجماعي لأن من يفكر باستقلال وحده الذي يستطيع المثابرة والإبداع و توليد أفكار جديدة تنفع الناس.

هناك مسلمةً شائعةً أن رأي الجماعة أقرب إلى الصواب من رأي الفرد؛ مثل هذه الأمثلة دعوة للثقة العمياء، وإجهاض لثقافة المبادرة ومحاصرة لأي بادرة استقلال فكري
هناك مسلمةً شائعةً أن رأي الجماعة أقرب إلى الصواب من رأي الفرد؛ مثل هذه الأمثلة دعوة للثقة العمياء، وإجهاض لثقافة المبادرة ومحاصرة لأي بادرة استقلال فكري

لا يدين القرآن الانتماء إلى جماعة، لكنه يدين تخلي الإنسان عن كرامته وإيثاره العبودية على الحرية وتسليم عقله للسادة والكبراء والأحبار والرهبان وخوضه مع الخائضين وجبنه عن اتباع الحق إن خالف أهواء قومه وسادته، فإذا تحرر عقل الإنسان فلا ضير من الانتماء إلى أي جماعة بهدف التعاون على الخير والبر والتقوى.

يكتسب الانتماء وفق الرؤية القرآنية بعدين؛ بعد روحي وجداني يتمثل في محبة إخوة الإيمان ودعاة الخير واستشعار الرابطة القلبية التي تجمعه بهم، وهذا شعور وجداني طبيعي في كل الأمم دون أن يعني هذا الحب الاتباع على عماية وخسارة الاستقلال الفكري لأنه يتعلق بالجانب العاطفي وليس بالجانب الفكري، والبعد الثاني يتمثل في البحث عن صيغ ائتلافية للتعاون في الخير وتنسيق الجهود بين شركاء الفكرة لنصرتها ومواجهة اجتماع الأعداء بوسائل مكافئة، والانتماء بهذين البعدين لا يطمس هوية الفرد، وهو مختلف عن دلالة الانتماء إلى الأحزاب الشمولية التي تسعى إلى إعادة صياغة عناصرها كلياً ليوافقوا الجماعة في كافة تفاصيل حياتهم فتلغى أي مساحة لإظهار تفردهم.

. ثمة سؤال يطرح في العلاقة بين الدين والفردية: إذا كان الدين يأمر أتباعه بتعاليم جماعية، أليس من شأن هذا أن يصبهم في قوالب مكررة تلغي فردياتهم؟

ثمة شبهات تستدعى في ثقافتنا للتأكيد على فضل الجماعة على الفرد مثل "يد الله مع الجماعة"، "وكدر الجماعة خير من صفو الفرد"، و"المتقدم على الجماعة مثل المتأخر عنها". كما أن هناك مسلمةً شائعةً أن رأي الجماعة أقرب إلى الصواب من رأي الفرد؛ مثل هذه الأمثلة دعوة للثقة العمياء، وإجهاض لثقافة المبادرة ومحاصرة لأي بادرة استقلال فكري.

إن كل المألوفات الشائعة كانت في يوم من الأيام أفكاراً فرديةً يرفضها الناس قبل أن تنتصر وتكسب الجموع، وكل الأنبياء والقادة والمصلحين كانوا أفراداً وجاءهم الإلهام في ساعة استنارة وعزلة عن ضجيج المجتمع فخرجوا إلى أقوامهم مبشرين وكتبوا صفحةً جديدةً من صفحات التاريخ، ولو رفضت الدعوات التجديدية لما تقدم التاريخ البشري خطوةً واحدةً.

لذلك يدعو القرآن المكذبين إلى التفكر الفردي: "قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا"، وذلك لأن الإنسان وسط زحام المجتمع يجرفه التيار العام ويتأثر بانفعالات الجماهير، فتغيب قدرته على التفكير المستقل، أما إذا انسحب من ضوضاء المجتمع وصفا قلبه وعقله في عزلة عن الناس أشرق نوره الداخلي وعرف الصواب من الخطأ. يقول الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال: "شرُ الإنسان كله نابع من علّة واحدة؛ عجزه عن الجلوس صامتاً في غرفته". ثمة سؤال يطرح في العلاقة بين الدين والفردية: إذا كان الدين يأمر أتباعه بتعاليم جماعية، أليس من شأن هذا أن يصبهم في قوالب مكررة تلغي فردياتهم؟

إن هناك عبادات مشتركةً ومحرمات مشتركةً يأمر الدين أتباعه بها، لكن هذه المساحة تمثل المشترك الأخلاقي إذ يجمع البشر كلهم مثلاً على حرمة الكذب وخيانة العهد والقتل والإفساد في الأرض فلا يعد الالتزام بالمعاني الأخلاقية قولبةً لاغيةً لفردية أصحابها، كما أن هذه التعاليم تمثل الحد القانوني في الدين الذي يحتكم إليه أوقات الاشتباه والالتباس وانخفاض الطاقة الروحية الملهمة. لكن الدين لا يجعل هذه التعاليم المشتركة بديلاً عن الميزان الإيماني الفردي، فالقرآن لا يكاد يذكر أمراً أو نهياً إلا ويعقبه بـ"واتقوا الله"، والتقوى معنىً داخلي يعرفه كل فرد في سياقه الذاتي، وكذلك المعاني الدينية مثل الإحسان وعمل الصالحات ليست أنماطاً جاهزةً بل توجهات أخلاقية يتمثلها كل فرد بما يلائم مساره الخاص في الحياة.

إن الدين يقيم بناءه على الشعور الإيماني الداخلي قبل النصوص الخارجية، فهو ينبه كل فرد إلى ميزان في قلبه: "بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ"، والدين في عمقه ليس أنماطاً تفصيليةً بل هو ضبط للبوصلة الداخلية واستثارة لمعاني الخير في النفس الإنسانية ليبدع كل امرئ بعد ذلك من ألوان الخير والإحسان ما يحقق به ذاته ويطلق حريته الداخلية: "وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ".