شعار قسم مدونات

أردوغان الجزائر لم يعمر سوى شهرين!

مدونات - أويحيى

لا أظن أن الرئيس الجزائري السيد عبد العزيز بوتفليقة هو الذي أقال الوزير الأول عبد المجيد تبون وهذا رأيي ورأي كثير من المحللين للشأن الجزائري. عبد المجيد تبون صديق شخصي للرئيس بوتفليقة ولذلك لا أظن أنه هو الذي أقاله..

لو كان بوتفليقة هو الذي أقاله لكان استدعاه قبل الإقالة للمساءلة وهو الذي عيّنه منذ شهرين -وليس سهلا على سياسي محنك كبوتفليقة أن يقيل من عينه منذ شهرين فيعرض نفسه للسخرية والتندر- وحينها سيكتشف اللعبة القذرة التي لعبها رئيس الديوان "إخبار تبون شفويا باذن الرئيس له بالسفر إلى فرنسا ولقاء رئيس حكومتها وإخفاء طلب تبون الإذن بالسفر عن الرئيس"..

ومما يدل على أن الرئيس لا يعلم عن الأمر شيئا حملة التشويه القذرة ضد السيد التي سبقت الإقالة وقادتها إحدى القنوات الخاصة المحسوبة على جهة معروفة، وليس من عادة الرئيس التمهيد لقراراته بمثل هذه الحملات ولا إخبار أحد بنواياه وقراراته إلى درجة أن السفير الفرنسي السابق إدوار إيمي -الذي هو الآن رئيس المخابرات الفرنسية- أعلن أنه تفاجأ بتعيين السيد تبون على رأس الحكومة الجزائرية، والكل يعلم أن السفارة الفرنسية تمتلك جهازا ضخما للتجسس على دوائر صنع القرار في الجزائر.

عندما التقى السعيد بوتفليقة وهو شقيق الرئيس وأبرز المرشحين لخلافته برشيد بوجدرة الروائي الجزائري المثير للجدل في الوقفة الاحتجاجية التي نظمها ثلة من المثقفين العلمانيين للدفاع عن بوجدرة باسم حرية التعبير بعد حملة الاستهزاء والاحتجاج التي تعرض لها إثر إعلانه إلحاده على التلفزيون قال له السعيد بوتفليقة: ستكون مفاجأة عن قريب!

لن يكون سهلا على السيد أويحيى أن يمرر الانتخابات المحلية في ظل السخط السياسي الكبير الذي دفع الأحزاب السياسية إلى وصف تنحية تبون بالانقلاب الأبيض.
لن يكون سهلا على السيد أويحيى أن يمرر الانتخابات المحلية في ظل السخط السياسي الكبير الذي دفع الأحزاب السياسية إلى وصف تنحية تبون بالانقلاب الأبيض.

أظن أن المفاجأة الأولى هي تعيين السيد أحمد أويحيى المقبول علمانيا على رأس الوزارة الأولى خلفاً للسيد عبد المجيد تبون، والذي عجل بهذه الخطوة هو تدهور وعي الرئيس بصفة ملحوظة ولا يمكن لصانع القرار الجزائري ترك رجل صعب الانقياد مثل تبون على رأس حكومة تسير البلاد في ظل احتمال وفاة الرئيس مما سيعرض مشروع التوريث للمشاكل والعراقيل. والمفاجأة الثانية ستكون تعيين بوجدرة على رأس وزارة الثقافة. والثالثة وهي ليست مفاجأة كثيراً وغير سارة لكثير من المواطنين ستكون ترشيح ولي العهد غير المعلن السعيد بوتفليقة ليكون مرشح النظام كره من كره ما دامت فرنسا تحب ذلك وتوافق عليه..

لن أحاول أن أحلل كثيراً إقالة الوزير الأول بعد شهرين من تنصيبه واستبداله بشخص مبغوض شعبياً لا يتورع عن اتخاذ أكبر القرارات إثارة للجدل وهو صاحب المقالة المشهورة في الجزائر: ليس ضروريا أن يأكل الشعب الياغورت (الزبادي)! لكن هناك جملة من الأسئلة تطرح نفسها وعلينا أن نفكر فيها:

تعيين أويحيى دليل على ضمور الخيال السياسي للنظام وتقوقعه على نفسه إلى حد التكرار الممل وعجزه عن إيجاد البدائل وشلله السياسي بعد تسلَّط العُصب الفاسدة وفقدانه الثقة.

من الذي عين السيد أويحيى؟ فليس هو الرئيس الذي هو في حال متقدمة من المرض والذي غدا لعبة في يد مدير الديوان برئاسة الجمهورية الذي هو.. أحمد أويحي! ما هي أطراف الصراع في السلطة أم أن هناك طرفاً واحداً يتمثل في علي حداد "المال" والسعيد بوتفليقة -القائم بأعمال الرئيس- الذي يخافه الجميع لأنه يحظى بموافقة الجيش الجزائري وبالحماية الفرنسية؟ ما هي مهمة أويحيى في أفق 2019، وما هي الخطة الفرنسية للمرحلة القادمة فلا يعقل أن ترضى فرنسا بالمكاسب الكبيرة التي أصبحت تبدو قليلة في ظل خراب دار عمي موح كما يقول الجزائريون؟

يبدو أن السيد أويحيى قد تنازل عن طموحاته في رئاسة الجمهورية لولي العهد غير المعلن وعن الخزينة لعلي حداد وعن السيادة الوطنية لما يعرف في الجزائر منذ الثمانينات باسم حزب فرنسا وهذه صفقة مرضية لمن تعود على بيع ما لا يملك لمن لا يستحق! الشعب الجزائري مصدوم من هذا التعيين وحتى أشد المدافعين عن النظام أصابتهم الخيبة والدهشة والارتباك ولم يبق في صفه إلا رجال الإدارة والمال المرتبطون بالمصالح والريع وإلا المثقفون العلمانيون الذين يناوئون المشروع الإسلامي والذين يتحالفون مع الدولة كآخر الحصون في وجه المد الإسلامي بعدما تأكدوا ألف مرة ألا أمل لهم ديمقراطياً في الفوز على الإسلاميين أو وقف زحفهم.

هذه هي المرة العاشرة التي يتم فيها تكليف السيد أويحيى برئاسة الجهاز التنفيذي منذ 1994 وهو يحظى بثقة الجيش والدولة العميقة والاتجاه العلماني الفرونكوفوني داخلياً ويحظى بالقبول فرنسيا على المستوى الخارجي. نحن نعيش حالة من الأبارتيد الإيديولوجي حيث تتسلط أقلية علمانية فرونكوفونية مرتبطة بالاستعمار على القرار السياسي والاقتصادي الوطني وتقوم بإبعاد باقي المواطنين ذوي الاتجاهات الوطنية أو الإسلامية أو الناطقين باللغة العربية..

لن يكون سهلا على السيد أويحيى تسيير الشأن الاقتصادي في ظل تآكل مخزون الجزائر من العملة الصعبة (أقل من مائة مليار دولار) وانهيار أسعار النفط التي تمثل 98 بالمائة من عائدات الجزائر.
لن يكون سهلا على السيد أويحيى تسيير الشأن الاقتصادي في ظل تآكل مخزون الجزائر من العملة الصعبة (أقل من مائة مليار دولار) وانهيار أسعار النفط التي تمثل 98 بالمائة من عائدات الجزائر.

وفوق كل هذا فإن تعيين أويحيى دليل على ضمور الخيال السياسي للنظام وتقوقعه على نفسه إلى حد التكرار الممل وعجزه عن إيجاد البدائل وشلله السياسي بعد تسلَّط العُصب الفاسدة وفقدانه الثقة -نظراً لهول الاختلاسات وبعد التجربة المرعبة للنظام مع تبون-، ولذلك لجأ إلى ابنه الأمين الذي لا يمكن أن يفضح أحداً لأنه يعرف "الأصول" جيداً ويعرف كيف يعطي ويأخذ وفي كرشه من التبن ما يكفي لإشعال دوار المرادية بأكمله كما يقول الجزائريون.

لكن أيام السيد أويحيى لن تطول كثيرا كما يقول كثير من المحللين. لقد اعترف السيد أويحي عندما كان على رأس الحكومة في تسعينات القرن الماضي أنه مرّت على الحكومة فترة وليس في الخزينة ما يكفي لشراء باخرة واحدة من القمح. وإذا كان هو قد قال هذا الكلام ليدل على براعته السياسية فإن الجزائريين نظروا إليه على أساس أنه شخص مراوغ يخفي الحقائق ولا يتورع عن الكذب على الشعب الجزائري وتسبب في إفلاس الخزينة بعد سكوته على الاختلاسات المهولة التي حدثت في عهده زيادة على ملفات حقوق الانسان التي تلاحقه حتى الآن وهو الذي كان يعترف أنه ينتمي إلى التيار الاستئصالي!

لن يكون سهلا على السيد أو يحيى أن يمرر الانتخابات المحلية (البلدية) كما مرر عبد المالك سلال الانتخابات التشريعية في ظل مشاركة شعبية لم تتعد 20 بالمائة في أحسن التقديرات وفي ظل السخط السياسي الكبير الذي دفع الأحزاب السياسية إلى وصف تنحية عبد المجيد تبون بالانقلاب الأبيض ومطالبتها بإعلان شغور منصب الرئيس الذي لم يظهر في وسائل الإعلام -دون كلام- إلا سبع مرات في ثلاث سنوات، ولن يكون سهلا على السيد أويحيى تسيير الشأن الاقتصادي في ظل تآكل مخزون الجزائر من العملة الصعبة (أقل من مائة مليار دولار) وانهيار أسعار النفط التي تمثل 98 بالمائة من عائدات الجزائر وتقهقر نسبة النمو إلى أقل من 2 بالمائة‎ وتغول رجال الأعمال الذين يطالبون بمزيد من المشاريع والقروض بغض النظر عن الجدوى الاقتصادية والذين سيحسب لهم السيد أويحي ألف حساب لأنهم هم الذين أقالوا الوزير الأول السابق وهم الذين جاؤوا به في نهاية المطاف.

ربما سيفكر السيد أويحيى في إجراءات للتهدئة وامتصاص التذمر الشعبي لكنه يعلم أن المال والانفتاح السياسي هما وحدهما الكفيلان بتهدئة المواطنين، والمال غير موجود والانفتاح يهدد الوجود.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.