بائع الورد ليس رومانسيا!

blogs - flower

كنت أجول شوارع المدينة ليلاً، فاستوقفني مشهد بائعة الورد، طفلة لم يتجاوز عمرها الثامنة، هكذا يخبر جسدها الهزيل وملامحها الطفولية، لكن كلماتها التي تتوسل بها إلى المارين من الشباب كي يشتروا منها الورود لصديقاتهم تخبر أنها أكبر من ذلك بكثير. كلمات لا تليق بطفلة في سنها، كلمات أخذت من بشاعة العالم نصيبها.

  

في الجانب المقابل لنفس الشارع، لمحت منظراً تقشعر له الأبدان، ماسح أحذية، قامته توحي أنه لم يتجاوز العاشرة من عمره، منحني الظهر من أجل تلميع حذاء رجل أربعيني بكامل لياقته و أناقته، في بذلته السوداء التي لا بد أنها تحمل علامة تجارية معروفة، وحذائه الأسود اللامع سلفا .غير بعيد عن نفس المكان، رأيت بالقرب من إشارة المرور طفلاً آخر لا يكبرهما سنا، يحمل بيده علب مناديل، يستغل وقوف السيارات من أجل استعطافهم لشراء تلك المناديل الورقية .

    

ترى متى تعلّمت طفلة مثلها تلك الكلمات التي تستقطب الزبائن من خلالها؟ ومتى تعلم طفلين مثلهما كل تلك التقنيات التي يقنعان من خلالها المارّين من أجل تلميع أحذيتهم التي لا تحتاج لتلميع في الغالب، أو من أجل شراء مناديل ورقية؟ وأي ظروف تلك التي تجعل من أطفال يتواجدون وسط المدينة ليلاً، ليس من أجل التجوال، بل من أجل كسب قوتهم اليومي وقوت عائلات شاءت الأقدار أن يكونوا هم المعيلون لهم، أو ربما قوت شخص ممن يستغلون أطفال الشوارع في حال ما كان هؤلاء الأطفال ممن لا مأوى لهم؟ متى تخلّت أيديهم عن حمل الكتب وصارت تحمل الورود والمناديل الورقية ومنتوجات مسح الأحذية وغيرها؟ متى وكيف تخلّوا عن طريق المدرسة مستبدلين إياه بشوارع وسط المدينة؟ متى تخلّوا عن حفظ أناشيد من تلك التي يرددها أقرانهم، وصاروا يحفظون ما من شأنه أن يجذب المارين من أجل شراء وردة أو علبة المناديل تلك، أو مسح فردتي حذاء بأثمنة لا تكفي لشراء قطعة شوكولاتة في الغالب.

   

الحاجة هي التي تجعل أطفالاً في قمة "هرم ماسلو"، بينما تترك آخرين عالقين عند أول خانة من الهرم، الحاجة هي التي تضع أطفالاً في مقدمة الترتيبات في لوائح المدارس الدولية، وتجعل آخرين في ثيابهم الرثّة

ترى لم تحمل طفلة مثلها بين يديها الصّغيرتين وروداً في هذا الوقت المتأخر من الليل؟ حتما ليس من شدة رومنسيتها. ولم قد يمسح طفل في سنه أحذية المارين من أجل قطع نقود قليلة؟ ولم قد يحمل طفل آخر علبة مناديل والوقوف لساعات عند إشارات المرور، من أجل دريهمات قليلة إن وُجدت؟ تتعدّد الأسباب التي قد تجعل من أطفال في مثل أعمارهم يتخلّوا عن مكانهم داخل حجرة الدرس من أجل لقمة رغيف، لكنها تلتقي في مجملها عند نقطة واحدة "الحاجة".

    

قد تكون "الحاجة أم الاختراع" فعلاً، لكنها أيضا أم "الانصياع"، إذ قد تجعلنا في حالات كثيرة نقدّم أفضل ما لدينا من أجل تجاوز أوضاعنا وتحسينها، لكن حين يتعلّق الأمر بأطفال لا حول لهم ولا قوة، قد تكون هذه الحاجة سبباً في تدمير طفولتهم، أحلامهم وأمانيهم، والزّجّ بهم في هامش الانصياع لأشخاص وظروف تسلب منهم طفولتهم وتعبث بصحتهم النفسية قبل الجسدية. ففي الوقت الذي قد يصنع فيه طفل مجداً مستغلاً ظروفا وُجدت في الأصل لمساعدته وتحفيزه، توجد بائعة الورد، ماسح الأحذية وبائع المناديل الورقية منهمكون في منح طفولتهم على طبق من فضة، لا لشيء إلا أنهم وجدوا أنفسهم مجبرين للعيش في ظروف، لو خُيّروا لما اختاروها لأنفسهم ولا لغيرهم.

          

الحاجة إذن هي التي تجعل هذه الفروق بين هؤلاء وأولئك، الحاجة هي التي تضع أطفالاً في مقدمة الترتيبات في لوائح المدارس الدولية، وتجعل آخرين في ثيابهم الرثّة، يضاعفوا نسب الهدر المدرسي. الحاجة هي التي تجعل أطفالاً في قمة "هرم ماسلو"، بينما تترك آخرين عالقين عند أول خانة من الهرم .الحاجة هي التي ترفع عدد المجرمين والمهاجرين غير الشرعيين ممن لا يملكون أحلاماً يعيشون من أجلها. من هنا، صحّ القول إن "بائع الورد ليس رومانسيا"، لكنه حتما محتاج. كذلك بالنسبة لماسح الأحذية وبائع المناديل الورقية وغيرهم، وحتى لا ننسى، فهذه الحاجة كانت لتطالنا نحن أيضا لولا أنها اختارتهم من بين كل هؤلاء الأطفال، فلنرأف بحالهم إذن ولو بكلمة طيّبة.