لا ربيع دون قابلية التغيير

blogs ثورة
تعتبر "قابلية التغيير والانفتاح على التجديد" آخر عناصر ما يسمّى بنموذج الأبعاد الخمسة، الذي يمثل أهمّ ركائز علم النفس التحليلي، وتعتمده أكبر المؤسسات السياسية والاقتصادية والعلمية العالمية في امتحانات الذكاء التي تسبق عمليات التوظيف والتدريب والتخطيط والتطوير الإداري والقيادي. فهل مدى قابلية التغيير عند الأفراد والجماعات والشعوب والمجتمعات، مرتبط فقط بمدى جودة الواقع الذي تعيشه، أم أنه طبع في الشخصية والنفس البشرية؟
ويقصد هنا بالتغيير الإيجابي منه فقط، لأنّ التغيير السلبي بطبعه مرفوض من كل ذي عقل. ولكن المقصود هو السموّ للانتقال من واقع غير مرغوب به إلى رؤية منشودة، ومدى الاستعداد والقدرة على التأقلم مع الواقع الجديد اإن حصل. وليس هذا مضادّا للاستمرارية، بل مرتبط بها ومرادف لها، إذ إن الاستمرارية أداء مستقرّ وتغيير متواصل تدريجي إلى الأفضل. إنّما ضدّها الدقيق هو السّكون أو بالأحرى الرّكود.

وسبحان الله المصوّر الحكيم، فالمياه الرّاكدة، لا تستصيغ رائحتها الكريهة وبوارها، إلا البكتيريا ويرقات الضفادع والحشرات من ذباب وبعوض، فتتّخذ منها موطنا وتعيش فيها، وبعض الاستثناءات من مخلوقاتٍ أخرى تؤكد القاعدة ولا تنفيها وتقرّ نسبية كل حقيقة، وفي ذلك آيات لأولي النهى. إذ إنّ التغيير حراك، يتبعه حركة بالضررورة. وبذلك يحتاج التغيير إلى قوة وطاقة. وذلك تصديقا لقانون نيوتن الأول: "يظل الجسم في حالته الساكنة ما لم تؤثر عليه قوة تغير". والحراك هو الأصل في الأشياء، بل لعلّه أحد ضروريات استمرار الحياة، فابن سينا يرى أن الطبيعة حركة دائمة للوصول إلى الكمال.

ومن ذلك أن كل خلايا البدن (كاللّسان، الجلد، المخّ) عند الإنسان والنبات والحيوان على حدّ سواء، تتجدد فيموت الهرِمُ ويندثر ويحل مكانه جديد يافع أقدر وأحسن وأنجع في تأدية ما يناط إليه من وظائف. وقد يخيّل للكثير، أن "قبول التغيير" شيء فطري وطبيعي جبلت عليه الذات البشرية، إلا أن العكس صحيح، فالسّواد الأعظم من البشر ماضَويون يرفضون التجديد.

بناء الحضارة والدول وصناعة التّاريخ فتحتاج إلى ضخّ دماء شباب توّاق للمغامرة التي تحيطها الحيطة والنباهة، بارع في المناورة مدرك لثقل الأمانة
بناء الحضارة والدول وصناعة التّاريخ فتحتاج إلى ضخّ دماء شباب توّاق للمغامرة التي تحيطها الحيطة والنباهة، بارع في المناورة مدرك لثقل الأمانة

وذلك لأسباب عدة، أوّلها أنّ هذه الخاصّية تحتاج إلى شجاعةِ ترك ماضٍ على رداءته معروف إلى مستقبلٍ منشود ولكن مجهول، وتحتاج إلى سرعة البديهة ودقّة الملاحظة وامتلاك أدوات التحليل والاستنتاج لفهم الظرف المستجدّ. كما يستدعي مرونة كبيرة للقدرة على الاندماج والتّأقلم وتطوير الذات للتموقع في ظل المعطيات الجديدة. إذاً فالنجاح المألوف والبروز المعهود ليس سهلا مع سيلان وجريان الأحداث والمتغيرات في طريق النّصر المأمول. فما يقبل على التغيير إلا كل صنديد شديد ولا يرفضه إلا كل كسول خنوع، توّاق للرتابة والركون، ألف السبات والسكون ورأسه في رمال الوهم والمظلومية مدفون، مفتقد للجرأة والعزم والطموح، جبان يخاف فشلا جديدا يضيفه إلى فشله القديم فيقسم ظهره.

إذا فإن من يعادي التجديد والتغيير ليس بالضرورة متنعّما من الوضع القديم، بل قد يكون متضررا وأول المستفيدين من تغييره. وهو كما قال علي الوردي في كتاب مهزلة العقل البشري: "أما الفرد الذي يعيش في مجتمع راكد فمن لذائذه الخاصة أن يمتاز على أقرانه بشيء من الفهم، وعند ذلك يضع ساقا على ساق فيتباهى بعلمه العزيز ثم يطلق الحسرات لينبئ بها عن شقائه السعيد".

وإن ما تعيشه الأمة في هذا المنعطف التاريخي الجامح، والمتغيرات المتتابعة، منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، جعل قناعتي تترسخ بأنّ المفسدين ليسوا العقبة الأكبر في طريق مشروع النهضة الحضاري بل هي عقد نفسية تعانيها مجتمعات ألفت الذلّ والتباكي والهوان، وأهمّها الفزع والنفور من التغيير وخوض غمار التجديد والإصلاح وخير ما يعبّر عنها، المثل التونسي "شدّ مشومك لا يجيك ما أشوم" و"إللي تعرفوا خير ملّي ما تعرفوش".

ويكشف هذا خبايا نفوس المتهاونين والنبّارة المتحسرين على عهد القمع الذي مضى حتى يعودوا إلى جحورهم ويعبروا عن رفضهم الواقع ومعارضتهم له بالنوم فيها. أما بناء الحضارة والدول وصناعة التّاريخ فتحتاج إلى ضخّ دماء شباب توّاق للمغامرة التي تحيطها الحيطة والنباهة، بارع في المناورة مدرك لثقل الأمانة، باختصار قوم آخرين فيهم بذور حياة جديدة تدرك وقائع هذه الحياة بعين أخرى غير عين الماضي وترى المستقبل عبر قيم أخرى.