قدرك أم اختيارك؟

blogs تأمل

من منا لم يتعرض لتجربة خابت فيها ظنونه وجرت فيها الرياح بما لا يشتهي، ومن منا لم يختل توازن حياته بسبب خيبة، وفاتته العديد من الفرص المتاحة وتسارع به قطار الحياه وهو يتنقل من فشل إلى أخر مردداً في كل مرة، قدّر الله وما شاء فعل، وسار أعصب العينين نحو خيبة أخرى، وتكررت الأحداث حتى أصبح التاريخ يعيد نفسه، دون أن يقف متأملاً في ماهية القضاء والقدر وفيما إذا كنا نحمل هذه العبارة أكثر مما تحتمل، وإذا ما كنا نعلّق عليها أحلاماً خشينا الإقدام على تحقيقها، أو نبرر فيها كسلنا تجاه ما أردنا طوال حياتنا، أو سوء اختياراتنا المتكررة، وأكاد أجزم أننا نفعل، هذا ما دفعني للبحث عن المفهوم الحقيقي للقضاء والقدر وأليات عمله في حياة كل إنسان مخيّر وليس مسيّر كما هو مرسخ في أذهاننا، علّني أجد ما يخمد حيرتي في إشكالية التوفيق بين حرية اختيار العبد والقدر المكتوب .

نعم، إن الإيمان بالقضاء والقدر هو ركن من أركان الإيمان ويمثل المحك الحقيقي لمدى الإيمان بالله على الوجه الصحيح، ولكن، ما هو القضاء والقدر؟ وما الفرق بينهما. إن القدر هو أفعال العبد التي سيقوم بها في المستقبل والتي يختارها بكامل إرادته ولكن بعلم الله المسبق سبحانه وتعالى فقد منح الإنسان إرادة حرة لتكون أساس التكليف والابتلاء، أما القضاء فهو مآل الحدث والوقائع المنقضية والأحكام الالهية النافذة، أي أن القدر هو الكيفية والقضاء هو النتيجة.

حينما تقرر أن تقوم بثورة على ما بك من تخاذل وانهزامية وضعت بقدمك على أول طريق التغيير والنجاح، فأنت هو الحكم وأنت صاحب القرار وأنت من تمسك بدفة سفينتك

أدركت بعد فهمي للقضاء والقدر أن للقدر أليات عمل في حياة كل منّا وهذا ما يجسّد العدالة الإلهية في الكون، وأوّلها هو حُسن الظّن بالله سبحانه وتعالى كما ورد في الحديث القدسي: "أنا عِندَ ظنّ عَبدي، فَليَظُنَّ بي ما شاءَ"، إحدى العبادات القلبية التي حثّنا عليها ديننا الحنيف بتوقّع الجميل من الله، والذي هو إحدى أسباب النجاح والسعادة والرزق.

 

وهناك أليه أخرى نكاد نعلمها جميعا لكننا نجهل مدى فاعليتها في تغيير مجرى حياتنا، ألا وهي القناعة التامة بأن التغيير يبدأ من داخلك كما ورد في الأية الكريمة: "إنّ اللهَ لا يُغيّرُ ما بِقَومٍ حتّى يُغيّروا ما بِأنفُسهِم". سورة الرعد أية 11، فحينما تقرر أن تقوم بثورة على ما بك من تخاذل وانهزامية وضعت بقدمك على أول طريق التغيير والنجاح، فأنت هو الحكم وأنت صاحب القرار وأنت من تمسك بدفة سفينتك تسير بها كيفما شئت وتستطيع أن تنتفع بحرية اختيارك التي منحك إياها الله سبحانه وتعالى. هذه الأليات وغيرها الكثير سخرها الله لنا ليُحكم عدالته في الكون وكل ما علينا فعله هو أن نعمل بهذه الأليات وأن نفهمها ونؤمن بها علّنا نجد طريق النجاح.

استطعت أن أفهم معنى القدر وألياته لكنني ما زلتُ في حيرة، كيف أوفّق بين حرية اختياراتنا ومعرفة الله المسبقة بالمآل، بعدما استقصيت بعمق وجدت الجواب الشافي في تعريف الحاضر والماضي والمستقبل، أي في فهم الزمن وكيف وُجد، إن الزمان والمكان وُجد لوجود مادة أي أنه وُجد كخاصية للمادة التي لها أبعاد وإذا فنَت هذه المادة أصبح لا معنى له لذلك نحن كمادة لنا ماضي عشنا فيه تجارب كثيرة وحاضر نعيشه يوماً بيوم ومستقبل لا نعلم ما ينتظرنا فيه، ولكن الله مالكُ الملكِ خارج عن المنظومة الكونيّة والمكان والزمان فهو سبحانه عالم الغيب والشهادة واحدٌ أحد ليس كمثله شيء. وهكذا يكون قد تجلّى لنا أن اختياراتنا تقود مجرى حياتنا، فنحن نختار ونريد ونحاسب على ما أردنا، ولكن بعلم الله سبحانه.

وجدت أن قصور فَهمي للقدر جعلني أحمّله ما كان يجب أن أتحمّله أنا بما منحني إيّاه الله من حرية في الاختيار التي ما وُجدت إلا لكي أصل إلى غاية خلقي ومعرفة نفسي

وصلتُ إلى هذا السر المَصون الذي لا يبلغ كُنهَه إلا من تفكّر وتدبّر، وهذا ما جعلني أعيد التفكير بكثير من الاختيارات الخاطئة التي وقعت فيها وقلت لنفسي حينها قدّر الله وما شاء فعل، ولم أدرك عندها أنني أنا من أملك اختياراتي وأملك حرية منحني إياها المولى عزّ وجلّ وجعل هذا أساس تكليفي في الدنيا، لم أفكّر حينها ملياً بأن الإنسان مخيّر وميسّر لما خلق له، وبأن اختياراته الصحيحة منها والخاطئة ما وُجدت إلا ليصل الإنسان إلى الهدف من خلقه، وعندها فقط، عندما يعلم الغاية من خلقه سيجد التيسير في أعماله وسيتذوق طعم النجاح.

 

وجدت أن كل ما علينا فعله هو البحث في أعماقنا والتعلم من اختياراتنا الخاطئة، لأشخاص لم يستحقوا الفرصة، لعمل قتل شغفنا، لحياة لم نكن نطمح لها، اختيارنا للاستسلام للواقع والروتين والمعاناة، وجدت أن قصور فَهمي للقدر جعلني أحمّله ما كان يجب أن أتحمّله أنا بما منحني إيّاه الله من حرية في الاختيار التي ما وُجدت إلا لكي أصل إلى غاية خلقي ومعرفة نفسي، فمن عرف نفسه عرف ربه.

 

وقد أن الأوان كي نقف وقفة جلّية مع أنفسنا لاسترجاع كل اختياراتنا المتعثرة التي زلّت فيها خُطواتنا، لكن ليس بهدف الندم على ما فات، بل كي نتعلم العِبرة من العَثرة، فنستطيع عندها أن نطوي صفحات الماضي متصالحين مع أنفسنا بأنها كانت اختياراتنا المغلوطة بسبب خلل بطريقة تفكيرنا حينها أو عيوب في شخصيتنا لم نراها، ولكن هذه الوقفة ستجعلنا ننظر لأنفسنا بطريقة مختلفة نتعرف فيها على مكنونات صدورنا، لكي نبدأ حياتنا من جديد بوعي وإدراك لمعنى التخيير والتيسير، وبفطنة المؤمن فالمؤمن كيّس فطِن، وبإرادة إصلاح النفس، وبترنيمة التفاؤل والأمل .