شعار قسم مدونات

شعوب تجهل الديمقراطية

blogs انتخابات
"الشعوب العربية تجهل الديمقراطية ولا تُحكَم إلا بالاستبداد"، عبارة تتردد دوما على لسان الكثير من العوام وبعض المثقفين، وهذا استنتاج لا يلام عليه الناس، فأربعة عقود من الزمن كرس فيها الاستبداد أبشع المفاهيم، وشوه الحقوق السياسية والمدنية، حتى وصل الاستبداد إلى أعماق بيوتهم، وأصبح أفراد العائلة يواجهون استبداد الأب في الداخل، والأخير يواجه استبداد السلطات في الخارج.

وبنظرة سريعة على تاريخ حركة الشعوب العربية، نجد حركة شعبية دائبة من أجل الحرية، فنجد في ثورة 1920 في العراق، ووحدة السنة والشيعة، ورفع الهوية الوطنية بدل الهويات الطائفية، ربما بدا أحيانا أن الشيء الوحيد الذي يوحد شعب العراق هو سعيهم للحرية بمقاومتهم للاحتلال البريطاني! والتجربة السورية في مقاومة الاحتلال الفرنسي، وتشكيل الأحزاب والكتل الوطنية لحشد الشباب، وعلى رأسهم عبد الرحمن الشهبندر والقاوقجي وهنانو والعظمة، أو حتى ثورة العرابي في مصر ضد بريطانيا ورعونة الخديوي.

القائمة المشرفة تطول مرورًا بتونس والجزائر والمغرب، لكنني اخترت المشرق العربي لأنه أكثر استبدادا وعنفا وطائفية، ويكاد يأخذ الصراع مع الأنظمة شكلا وجوديا. ربما يتساءل القارئ لمَ قدمت هذه اللمحة التاريخية التي تسرد مرحلة التخلص من الاستعمار، أقول إنه من الضروري توضيح حجم الوعي الذي تمتعت به الشعوب العربية للخلاص من أي محاولة لسلب حريتها وكرامتها، سواء كان بمحاربة المستعمر الأجنبي أو المستبد الداخلي، أما مرحلة ما بعد الاستقلال، فقد قامت الشعوب والنخب الوطنية بإقامة مؤسسات الدولة ومحاولات الإصلاح وخلق مناخ ديمقراطي، سوريا نموذجًا.

منطق التاريخ يبرهن أن الثورات وحركة التغيير تمر بمراحل ممتدة من التضحية والانتكاسات والمد والجزر، ولذلك فإن الديمقراطية ليست حلما أو مطلبا مثاليا، وليس موضوعا نقوم باختلاقه من أبراجنا العاجية

لكن الانقلابات العسكرية جاءت لتهدم كل محاولات الإصلاحات الاجتماعي والمؤسساتي باسم القومية ومواجهة التدخل الأجنبي والشيطان الأميركي، وكأن إقامة نظام ديمقراطي وعدالة اجتماعية والحريات تجلب الاستعمار مجددا! فالمتابع لسيرورة الأحداث، يمكنه مراقبة الانحطاط الأخلاقي والاجتماعي والتراجع الاقتصادي، ونشوء جماعات متطرفة، وارتفاع وتيرة العنف الطائفي، وتهميش إرادة الأفراد.

الجبر التاريخي، كما يسميها ابن خلدون، معظمه حصل في الأربعة عقود الأخيرة تحت حكم الاستبداد. وقد خرجت الشعوب العربية من جديد تطالب بحقوقها وحرياتها، وكانوا على تمام الوعي بالديمقراطية ومضمونها ومبادئها.

ومما يؤكد هذه الفرضية؛ الاستطلاع الذي أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات على عينة من 18 ألف مواطن عربي لعام 2016، تُظهر النتائج أن 89 % من المستطلعين قادرون على تقديم تعريف ذي محتوى للديمقراطية، و77 % يرون أن النظام الديمقراطي التعددي ملائم لأن يطبق في بلدانهم. إن تأييد النظام الديمقراطي والمعرفة بمبادئها تكمن بارتفاع مستمر عبر الاستطلاعات المتتالية في الشارع العربي. وهكذا فإن حالة الانحطاط القِيَمي ليس سوى نتيجة الاستبداد الذي شوّه المفاهيم، وأخمد حركة الشعوب، بعكس ما يروّج له بعض النخب بأن العقل العربي والموروث الديني والتاريخي هو من أنتج الاستبداد والتخلف.

ولذلك فإن الضمير الحي للشعوب قادر على أن يتغلب على القيود التي فرضت على الجماهير العربية، وجملة الأطواق الداخلية، الإقليمية، الدولية كما أشار إليها حليم بركات في كتابه المجتمع العربي المعاصر.

منطق التاريخ يبرهن أن الثورات وحركة التغيير تمر بمراحل ممتدة من التضحية والانتكاسات والمد والجزر، ولذلك فإن الديمقراطية ليست حلما أو مطلبا مثاليا، وليس موضوعا أقوم باختلاقه من برجي العاجي، بل هو الموضوع الأساسي، لكن الصراع بين قوى المحافظة والتغيير، بين الجهل والمعرفة ليس إلا، ولعلنا نذكر أنه حين خرج المصريون للساحات كتبوا على الجدران: كونوا واقعيين واطلبوا المستحيل!