شعار قسم مدونات

التجميد أو الفصل في منظور الحركات الإسلامية

blogs الحركات الإسلامية

المقابلة التلفزيونية التي بثتها قناة الجزيرة مع المفكر الكويتي الشهير الدكتور عبد الله النفيسي، أشار فيها بأنه نصح ودعا إلى جماعة الإخوان المسلمين – فرع الكويت – الذين وقفوا معه ودعموه، وكانوا سببا في فوزه في مقعد نيابي في المجلس الكويتي – بحل نفسها وتسريح أعضائها. قال: ولأجل هذا النصيحة صدر قرار من الجماعة بعدم التعامل معي والاقتراب مني وحتى مصافحتي وإلقاء السلام علي أصلا.

قلت: كأنه أراد الدكتور النفيسي عند تقديمه بهذه النصيحة لأفراد الحركة أن يقول لهم: هذه الجماعة استنفذت أغراضها، وقدمت ما لديها من أعمال وأفكار تصب في صالح الدعوة وخدمة المجتمع، ولم يعد لها بالاستمرار، وأن ظروف تأسيسها تجاوزها الزمن، ولا يجوز لها أن تكون جاثمة على صدور الأمة، لأنها من صنع واجتهاد بشري، لها أمد ووقت تنتهي عنده، فإن أجادت ونجحت في وقت وزمان وموقع جغرافي ما، فهي لا تصلح لكل زمان ومكان، وإنما يحوز هذا الشرف الوحي المتمثل بالكتاب المنزل والسنة النبوية المطهرة، لأنهما وحي من العزيز الحكيم، الذي يعرف ما يصلح للناس في دينهم ودنياهم وإن اختلفت أزمنتهم وتباعدت ديارهم وأوطانهم.

هناك عشرات من العلل التي يتذرع بها المتنفذون في قرارات الجماعات لإبعاد كل شخص غير مرغوب فيه من الحركة، ولو لم يرتكب ما يوجب فصله وطرده من الحركة
هناك عشرات من العلل التي يتذرع بها المتنفذون في قرارات الجماعات لإبعاد كل شخص غير مرغوب فيه من الحركة، ولو لم يرتكب ما يوجب فصله وطرده من الحركة

وما حدث للدكتور النفيسي لم يكن وليدا اليوم، بل هناك ممارسات خاطئة وغير عقلانية ولا تتفق مع الخلق السوي والذوق الرفيع، يمارسها عدد غير قليل من قادة التيار الإسلامي بكل أصنافه وتوجهاته لكل من يختلف معهم في مسائل قابلة للأخذ والرد، والمراجعة والنقاش فيها، وتدخل في باب رأيي صحيح يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، وقد يكون رأي عضو الحركة المغمور الذي لا يشغل منصبا إداريا أو شرفيا في هرم الجماعة أكثر صوابا وأقرب إلى العقل والفهم الصحيح من آراء وأفكار من يتبوؤون رأس الهرم في قيادة الحركة.

وعندما تعوزهم الحجة ولم يستطيعوا إقناع الآخر فكريا أو عقليا أو شرعيا، ويتضايقون من سماع الرأي الآخر، ويريدون من الأعضاء السمع والطاعة فقط دون مناقشة ولا مساءلة، يلجؤون إلى عقوبة الفصل أو التجميد، وهي أقوى سلاح إرهابي تتأبطه الحركات الإسلامية في كل زمان ومكان، لأنه يريحهم كثيرا من المتاعب التي تؤرقهم، ويكون أيضا رسالة قوية لكل من تسول له نفسه مخالفة أو معارضة الأوامر والتوجيهات الصادرة من القيادة، فمن لم يعتبر بصاحبه فسينتظره الحرمان من مشاركة الأنشطة الدعوية أو الخدمية ، ويصبح منبوذا وغير مرغوب في المراكز التابعة للحركة.

ومن أسوأ قرار فصل وتجميد عرفه التاريخ الحديث هو القرار الذي أصدرته قيادة حركة الإخوان المسلمين في الخمسينيات القرن الماضي من فصل وتجميد عضوية عدد من دعاتها المشهورين، لأنهم أبدوا رأيهم في أمر يتعلق بمصير الجماعة أو كيفية إدارتها، وهو أمر يجوز للإنسان العادي أن يعلن رأيه فيه فضلا عن عالم أو متخصص في أحكام الشريعة ومقاصدها الكلية، فلم تستطع القيادة التحمل لمعارضة مريديها فيما تراه صحيحا، لأن العرف الحزبي يجبر على عضو الحركة على قبول الأوامر الصادرة من الأعلى بدون تردد، لأن أمير الجماعة بمثابة ولي الأمر في الإمارة الصغرى قبل الكبرى.

وهؤلاء الذين طالهم الفصل منهم من له مساعٍ مشكورة وأعمال محمودة في الدعوة إلى الله تعالى وفي إثراء المكتبة الإسلامية بمؤلفات كثيرة سارت بها الركبان وناضلت ودافعت عن الإسلام وأهله بكل حماس وحكمة وروية، ونال بسبب إيمانها بشمولية الإسلام وعدالة رسالته ووضوح منهجه، وإحاطته في كل صغيرة وكبيرة من حاجة الإنسان الدينية والدنيوية، كثير من الأذى والإساءة من قبل الأصدقاء والأقربين قبل الأعداء.

ومعاملة كل من لا يتفق أو يعلق أو يبدي رأيا مخالفا لما عليه عِلْية القوم ونُظَّار الحركات بالفصل أو التجميد أو المقاطعة أو تحذير الناس منه، أو منعه من مشاركة الأنشطة الدعوية التي تقيمها الحركة أو سدّ أَبْوَاب مراكز ومساجد الحركة أمامه، أو حتى تشويه اسمه وتلطيخ سمعته إن دعت الحاجة إلى ذلك ليس شأنا خاصا بجماعة الإخوان المسلمين بل هو قاسم مشترك بين الحركات من غير استثناء (إلا من رحم ربك)، وهو أمر شائع ومشهور لمن له إلمام ومتابعة لأحوال وتاريخ الحركات في العالم كله.

وأسباب الفصل عن الحركة لا يقتصر بما ذكرنا بل هناك عشرات من العلل التي يتذرع بها المتنفذون في قرارات الجماعات لإبعاد كل شخص غير مرغوب فيه من الحركة، ولو لم يرتكب ما يوجب فصله وطرده من الحركة.

الدعوة إلى الله تعالى من أفضل الطاعات، والدعاة والمبلغون عن الله تعالى رسالاته خيرُ الناس، لأنهم أدلاء الخلق على الله، ولا يجوز بحال من الأحوال إساءة الظن بهم أو منعهم من مزاولة هذا العمل
الدعوة إلى الله تعالى من أفضل الطاعات، والدعاة والمبلغون عن الله تعالى رسالاته خيرُ الناس، لأنهم أدلاء الخلق على الله، ولا يجوز بحال من الأحوال إساءة الظن بهم أو منعهم من مزاولة هذا العمل
 

وقد حدثني أحد الفضلاء بأن طالبا ذكيا من خريجي إحدى الجامعات المشهورة، بدأ نشاطه الدعوي في أوساط أهله وعشيرته، لأن الدعوة إلى الأقربين أولى من غيرهم، ولكن حركته المنتمية إلى التيار السلفي لم يعجبها صنيع عضوها لأن التعليمات الداخلية للحركة تُوجب على كل عضو ألا يزاول عملا دعويا إلا بعد إخطار واستئذان الجهة المحولة في متابعة أحوال الدعوة والدعاة، ولما وصل الخبر إلى الإدارة الموقرة، استدعته لتحقق فيما قيل في حقه، فلم يتردد الداعية بتأكيد الخبر، ولكن المفاجأة التي لم تخطر بباله كانت مطالبته بالتوقف عن هذا النشاط وإلا سيواجه الفصل أو التجميد.

ويذكر بعض من خَبِر من تصرفات بعض قادة الحركات بأنهم لا يريدون أن يتصدر المشهد الدعوي إلا من كان متقيدا بتعليمات الحركة ولا يخرج عنها قيد أنملة ولا يبدي تبرما أو مخالفة لأوامرهم، أو من لا يشكل خطرا عليهم، سواء كان من أعضاء الحركة أو من خارجها، لأنهم يعتبرون إتاحة الفرصة للجميع من دون تمحيص وغربلة نوعا من المغامرة غير محمودة العواقب، متعللين بذلك أن البعض قد يستغل هذه التزكية في تسويق نفسه وإظهار مقدرته العلمية والدعوية مما يساهم في زيادة شهرته ومعرفته بين الناس، وهذه الشهرة قد تشكل تهديدا لمكتسبات الحركة، كما تسبب لها صداعا لا نهاية له.

وأخيرا الدعوة إلى الله تعالى من أفضل الطاعات والقُربات، والدعاة والمبلغون عن الله تعالى رسالاته خيرُ الناس، لأنهم أدلاء الخلق على الله تعالى، ولا يجوز بحال من الأحوال إساءة الظن بهم أو حجزهم ومنعهم من مزاولة هذا العمل الرائع الجميل، أو سدّ الأبواب أمامهم من أجل تحقيق مآرب شخصية أو فئوية وحزبية، فكل من تورط أو ساهم في نشر ثقافة الإقصاء وكره الآخر، ونظرة الناس بمنظار الأبيض أو الأسود، وتقديم مصلحة الحزب على المصلحة العامة، وتعامل الناس إما معي أو ضدي، وقسم الدعاة إلى محبين له معجبين به يجب تقريبهم وتكريمهم، ومخالفين له ينبغي إبعادهم، فقد أساء وشوه صورة الداعية الناصح الذي يحب الخير للجميع ولا يتعامل الناس إلا بمنظور شرعي، ينزل الناس منازلهم من غير اعتبار للانتماء الحركي، بل بقاعدة (إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). وفق الله الجميع للخير.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.