الخلاف بين غولن وأردوغان.. متى ينتهي؟

blogs غولن و أردوغان

لعل الجميع اليوم بات يتابع وبإعجاب كبير شعبية أردوغان التي بلغت منسوبا مرتفعا يحلم به كل حاكم في منطقة الشرق الأوسط وخارجها، وإن الأمر لا يحتاج إلى تفسير أو توضيح، فالتقارير الدولية قبل المحلية تبرر كل ذلك، فالاقتصاد التركي قبل تسلم حزب العدالة والتنمية مقاليد الحكم ليس هو بعده، فقد شهد تطورا ملحوظا لا ينكره عدو ولا صديق، فقيمة صرف العملة التركية باتت تعرف اليوم بأنها الأكثر تقلبا وارتفاعا بين البقية بتحقيقها لصعود صاروخي أدهش العالم، إذ قبل سنوات قليلة كان الدولار يعادل تقريبا 6 ملايين ليرة، أما اليوم فالدولار الواحد لا يجاوز 2.6 ليرة.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في خضم كل هذه المعطيات. لماذا ستبرز حركة معارضة قوية لأردوغان في الداخل التركي؟ لكي نفهم حقيقة الصراع وأطرافه لابد من الحديث أولا عن غولن وحركة الخدمة.

تأثر فتح الله غولن بملهمه الشيخ بديع الزمان النورسي رحمه الله والذي كان قد شاع ذكرة في منتصف القرن العشرين في تركيا، فقد عرف الرجل بأنه كان من أكبر الداعمين للخلافة العثمانية ضدا على العلمانيين وأصحاب جمعية الاتحاد والترقي وزعماء حركة تركيا الفتاة، وقد أسهمت رسائله التي عرفت برسائل النور في إعادة بعث القومية العربية والتركية على حد سواء في نفوس الشعب التركي حتى كثر محبوه ومريدوه، وكان عرف بقولته الشهيرة: أعوذ بالله من الشيطان ومن السياسة والتي صارت تحكم فكره وفكر محبيه رحمه الله.( طالع كتاب آخر الفرسان للدكتور فريد الأنصاري رحمه الله والذي يحكي فيه سيرة بديع الزمان رحمه الله).

فتح الله غولن (رويترز)
فتح الله غولن (رويترز)

كان فتح الله غولن في أول أيام شبابه إماما اشتهر بخطبه المؤثرة وأسلوبه الوعظي الجميل، بعد وفاة شيخه أحس أنه المعني الأول باستكمال المشروع الذي بدأه قبله، والتزم بنشر النور في أصقاع تركيا بل والعالم أجمع، وعمل على ربط الناس بالقرآن وتخريج الإنسان المسلم الصالح الذي يخدم الوطن فتم بناء العديد من المدارس في البلد وخارجه (مدارس في 140 دولة) وكان تأسيس حركة الخدمة نتاجا لتغلغل هذا الفكر في أوساط الشعب التركي. (طالع كتاب عودة الفرسان للدكتور فريد الأنصاري رحمة الله عليه، .سيرة فتح الله غولن).

العلاقة بين غولن وأردوغان
كأي حزب سياسي نهج حزب العدالة والتنمية سياسة انفتاحية على جميع شرائح المجتمع التركي، غير أنه كان يميل إلى الحركات الإسلامية يطلب دعمها في حملاته الانتخابية، وبالطبع فأردوغان ليس غبيا ليغفل هذا المكون الأساسي من مكونات الشعب التركي، قد كان له ما أراد بعقد تحالف غير معلن حيث سخرت حركة الخدمة إعلامها القوي دعما وتشجيعا ودعت كل المنتمين إليها والمتعاطفين معها للتصويت لحزب أردوغان الذي حقق نتائج طيبة وتصدر الانتخابات الأمر الذي أوصله لسدة الحكم، في المقابل كانت الجماعة تتلقى تسهيلات كثيرة ودعما من حزب أردوغان.

في هذه الأوقات ستبدأ معاناة حزب العدالة والتنمية في تركيا الذي أحس أنه لا يملك سيطرة مطلقة على الدولة ولا يحكم مؤسساتها بالطريقة التي يريد، فكان الحزب يرى أن تغلغل الحركة في مؤسسات الدولة عن طريق أبناءها الخلص قد وصل إلى مستويات خطيرة. فهم يربطهم الولاء المطلق والإخلاص اللامشروط لغولن وقياديي الحركة، فأصبح للخدمة مريدون في الجيش والقضاء والشرطة والمخابرات والداخلية وكل المواقع.

كان الحزب يرى أن دولة جديدة تنشئ وراء الدولة الأم، ستتفجر الأزمة التي كانت محبوسة خلف الستائر وفي المكاتب المغلقة إلى العلن حينما تم نشر تقارير عديدة من إعلام الخدمة والجرائد المحسوبة عليه يتهم فيها وزراء الحزب الحاكم بتورطهم في قضايا فساد مالي، وادعى أنه يتوفر على تسجيلات صوتية تثبت القضية.

قيل أن جنرالات من حركة الخدمة قد ضاقوا بالوضع الحقوقي الذي تعيشه البلاد فأرادوا تغيير الوضع بالتدبير لانقلاب يخرج أردوغان من الحكم، وهذه المبادرة الفردية أتت دون اللجوء لغولن، ودون استشارته

تبعتها سنة 2013 قضية سفينة مرمرة التي اتهم فيها غولن أردوغان بأنه يضحي بأرواح تركية بريئة ولا يعمل داخل الإطار الدبلوماسي، وقال بأن أي تحرك أو مناورة مع أي كان خاصة الكيان الصهيوني يجب أن يتم بحنكة ودراسة سياسية محكمة.

هذه التصريحات وجدت فيها بعض شرائح المجتمع التركي وخاصة المعارضين سلاحا قويا رفعته في وجه أردوغان الذي رد على الخدمة بإجراءات قاسية بتضييقه الشديد على المدارس التي تملكها الخدمة والتي تدر عليها أموالا طائلة تمول منها كل أنشطتها.

احتدام الصراع:
ستظهر آخر فصول النزاع بعد إفشال المخطط الانقلابي الأخير على تركيا. فبين زعم أردوغان أن غولن هو المخطط الأول لهذا الانقلاب وبين نفي هذا الأخير واتهامه لأردوغان بكتابة فصول هذه المسرحية المخرجة بإتقان تطفوا على السطح تحليلات عديدة بعضها متماسك وبعضها كالعهن المنفوش.

قيل أن جنرالات من الخدمة قد ضاقوا بالوضع الحقوقي الذي تعيشه البلاد والانتهاكات الجسيمة التي مورست على المحبين والمتعاطفين مع الحركة فأرادوا تغيير الوضع بالتدبير لانقلاب يخرج أردوغان من عرين الحكم، وأن هذه المبادرة الفردية أتت دون اللجوء إلى الهرم الأعلى غولن، ومن دون استشارته. والجميع يعرف ماذا حصل بعد ذلك في تركيا من اعتقالات أقل ما يقال عنها أنها عشوائية ولا تناسب حجم تركيا اليوم والذي لاسيما يفقدها بعضا من بريقها أمام العالم.

 

تم تصنيف الخدمة ضمن خانة الجماعات الإرهابية، وتم إرسال طلبات عديدة إلى أمريكا من أجل أن تسلمهم غولن، وتم طرد كل منتسب أو متعاطف مع الحركة من أسلاك الوظيفة العمومية. فتم عزل مئات القضاة والجنرالات والموظفين، يقول غولن في كتابه الصادر مؤخرا (مواقف في زمن المحنة) أنه مستعد لتقديم رأسه إلى أردوغان واختصار الطريق عليه إن تم تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة ومحايدة أثبتت أنه متورط في الانقلاب، الأكيد اليوم أن هذا الصراع لا يخدم إلا أعداء تركيا، وأنه في نظري لا حل له إلا اندحار دولة من الدولتين: دولة أردوغان أو دولة غولن.