جلسة مع النفس

blogs الجلوس مع النفس

عن تلك التي تسكن ذواتنا ولا نفهمها، تجعلنا نتساءل هل هي لنا بقدر ما علينا أم نحن المقيدون تحت رحمتها، من يسير الآخر بين ما هو مرغوب فيه ومنفور منه، لننتهي بتقبل سلطتها ونبحث عن طرق ترويضها حتى لا تتعبنا في مسيرتنا الدنيوية، إنها "النفس".

تطورت الأبحاث فيها وكثرت الدراسات في طياتها ولكنها بقيت غامضة تأبى كشف أسرارها، وكيف لا وهي سر البشرية، سر النائم الباكي، والمستيقظ الشارد، الفرح المهرول، المتثائب القانط، والمنغمس في ظلام غرفته، تلك التي تشتهي بدون سابق إنذار وتتراجع بنفس الطريقة، تتحدى المنطق في التفسير وإن حاولت مجابهتها تزج بك داخل بؤرة يستصعب فيها التنفس.

ففي كل جلسة مع النفس أباشر حواري بمن أنا ليصدمني العقل بجواب سطحي يكاد لا يتخطى آسمي ونسبي، لكن بمجرد ما أدخل في متاهة ماذا أريد وما علاقة ما أريده بما أفعله تتطفل النفس بقائمة حققتها تحت رغباتها فيتصادم واقعي بداخلي وكأنها حرب لخصت في حمق النفس وعشوائيتها في الحياة.

ببساطة.. السير مغمض العينين على خطى رغبات النفس غالبا ما سيؤدي بك إلى ركن منسي ومهجور، يداعبك فيه البرد ويعانقك الظلام كأنه الرفيق الوفي في كل هزيمة

إذ أجدها تتخبط هنا وهناك بدون منطق ولا هدف يشفع لها ما فعلته، قيل أنها تميل إلى من يهتم بها ومن يوهمها بالحب، قيل أنها تتعلق بمن يمد لها يد العون ومن يفرش طريقها ورودا، لكنها تظل أقوال متناثرة على خطى تيار الرياح وليس لها معبر للحقيقة، فأجدها تميل بدون سبب، تميل فقط لأنها تريد أن تميل ليس لشيء آخر، فكم من حب يريدنا لا نهتم به وكم من طريق مستوية فرشت توليبا وياسمينا من أجلنا لم نطأها، وكم من يد قدمت لنا ورفضنا الإمساك بها، وكم من شيء لا يعيرنا اهتمامه صنعنا منه مبتغا لنا.

النفس تميل بدون قواعد، لذلك كتب كتابها قبل أن تعيش فهي ليست قوية ولا عاقلة حتى تتمكن من اختيار الأنسب دائما. ومع كل هذا السخط على النفس من جهة فلها جانب من الرضى أيضا فلن ننكر لذة بلوغ سعينا عند اختياره بمحض إرادتنا؛ لكنه ليس بالشيء الدائم، ففي غالب الأحيان تستفزنا النتيجة الغير المرضية التي تستوقفنا في العديد من الاختيارات البائسة فتجعلنا أكثر إيمانا بما قدر لنا وأكثر يقينا من أن النفس حمقاء تريد من كل شيء ومن لا شيء، تتعلق بكل ما هب ودب، وترسم أحلاما مبعثرة بدون ركائز، وكأنها طفلة تمد يدها لأشياء ليست لها وترفض ما صنع لها، وهذا ما يجعلنا نرفض تسييرها لحياتنا.

ببساطة السير مغمض العينين على خطى رغبات النفس غالبا ما سيؤدي بك إلى ركن منسي ومهجور يداعبك فيه البرد ويعانقك الظلام كأنه الرفيق الوفي في كل هزيمة، تنتهي حينها بالندم والتحسر على مشوار طويل خضته تحت عنوان "أريده بشدة" لكنه لم يكن بالشيء المنتظر والمتخيل لتضاف الخيبة إلى اللائحة وتكون أجمل طريقة لترويض النفس هي توالي الصدمات فتتعب وتكف عن إجبار صاحبها عن طاعتها.