شعار قسم مدونات

مهمة رجال الأمن

blogs - رجال الأمن
كتب الفيلسوف الفرنسي فرانسوا فولتير ذات مرة قائلا: "من الممنوع أن تقتل، لأنه سيتم معاقبتك بسبب جريمتك، لكن في حال قتلت كثيرين من الناس فسوف تنجو من العقاب، بل سيتم تكريمك لأنك بطل في الحرب!". المقولة على ما تحمله من حقيقة أثبتتها الوقائع التاريخية، بل الوقائع اليومية عبر العالم؛ تحمل كذلك كمّا هائلا من المرارة والأسى، كأنما أصبح الإنسان كائنا رخيصا إلى حدّ أن يُتباهى بقتله وإفنائه، وإذلاله وحيونته في أحسن الأحوال، ورفع هذا "المبيد البشري" إلى مثابة البطل القومي والأسطورة التي لم يجُد التاريخ بمثلها!

لم يكن لهذا الحديث معنى لولا ما رأته عيناي في أحد التسجيلات المصورة على شبكة فيسبوك، الذي يُظهر ببشاعة كيف ألقى رجل أمن بإحدى بائعات القفف على الأرض، بعدما نازعته بشدة قففها المعروضة للبيع على الرصيف. مشهد يتكرر على مدار الثانية والدقيقة عبر ربوع الوطن، ألفته العين والذاكرة ووعينا الجمعي، حتى إننا من باب المزاح، حين نجد إحداهن تعرض سلعة رخيصة على رصيف ما، نبحث تلقائيا عن ذاك المحسوب على رجال الأمن، وننتظر متى سيهوي على أم رأسها بعصاه الجهنمية، طاردا إياها، ومستوليا على ما تعرضه للفقراء أمثالها، ممتثلا قول النابغة الذبياني:
تَعْدُو الذئابُ على من لا كلابَ له *** وتتَّقي مِربَضَ المُستأسِدِ الضَّاري

ينبغي كما قال الإغريقي بوزانياس أن يكون للقانون سلطة على البشر، لا أن يكون للبشر سلطة على القانون، وإلا فما فائدة نصوص قانونية مُفرغة من القدرة على صناعة قرارات حاسمة تستطيع دفع الباطل وإحقاق الحق
ينبغي كما قال الإغريقي بوزانياس أن يكون للقانون سلطة على البشر، لا أن يكون للبشر سلطة على القانون، وإلا فما فائدة نصوص قانونية مُفرغة من القدرة على صناعة قرارات حاسمة تستطيع دفع الباطل وإحقاق الحق

صدق الألماني فريدريك هيجل حين أكد على مسألة توسع حرية الدولة على حساب حرية الفرد، منبّها لآليات تضييق الدولة على الأفراد، مُلمِّحا في نفس الوقت_ قبل الألماني هربرت مركيوز _ بشكل غير مباشر إلى ما عرف فيما بعد بالدولة التوتاليتارية أو الشمولية، حيث لا حرية إلا للدولة، ولا حرية للفرد إلا في الدولة، كما عبرت عن ذلك أدبيات الأنظمة الموسولينية والهتلرية والستالينية عقب الحرب العالمية الأولى، ممهدة الطريق أمام "لا شيئية" الإنسان، وتحوله عبر مجموعة من العوامل إلى إنسان "مهدور" الوعي بالذات ومهدور الإرادة الحرة بتعبير مصطفى حجازي. جملة أسباب جعلت مواطن اليوم، وهو تحت تحكّميّة المؤسسة والنظام، يسعى في أقرب فرصة إلى إفراز سلوكات عدوانية ضد الدولة، ممثلةً في مرافقها العمومية وفي موظفيها، وإلا سعى هذا المواطن جاهدا إلى مغادرة أرض الوطن، هاربا نوعا ما من كل ما من شأنه أن يُحيله إلى كائن من الدرجة الأخيرة في سلّم الكائنات الحية. ولله در الإمام الشافعي قائلا:
ارْحَلْ بِنَفْسِكَ مِنْ أَرْضٍ تُضَامُ بِهَا.. وَلاَ تَكُنْ مِنْ فِرَاقِ الأَهْلِ فِي حُرَقِ فالعنبرُ الخامُ روثٌ في مواطنهِ.. وَفِي التَّغَرُّبِ مَحْمُولٌ عَلَى الْعُنُقِ

فماذا يعني إذن أن يكون رجل الأمن أول من ينشر الرعب بين الناس؟ إذا كان من المفترض في المؤسسة الأمنية، بلا قيد ولا شرط، السعي بكل ما تملكه من ترسانة لوجستية وبشرية إلى حماية المواطنين من كافة أشكال الظلم والاعتداء والتعسف، باختصار، حمايتهم ممن ينتهك ويعبث بحقوقهم وبحرياتهم، وإنصافهم أمام المعتدي والظالم كائنا من كان؛ فكيف تشتغل هذه المؤسسة إذن عكس ما هو منوط بها من مهام؟ وكيف يسمح رجل "الرعب" هذا أن يضرب عرض الحائط بكرامة امرأة عزلاء وسط جموع بشرية كثيفة لا تملك من أمرها إلا أن تحدجها بأبصارها. فإذا كانت هذه المواطنة من المغفلين، فحتما القانون لا يحمى ذاك الصنف من الناس، وإذا كانت من الفقراء _ وهي منهم _ فليس ثمة في بنود الدساتير والنصوص القانونية ما يجعل أمثالها في مأمن من اليد التي تبطش بكل شيء. وإذا كانت الحرية هي الحق في أن تعمل ما يبيحه القانون كما عبر عن ذلك مونتيسكيو، القائل في معرض آخر: "القانون يجب أن يكون مثل الموت الذي لا يستثني أحدا". ففي ظل غياب قانون عادل يحمي المستضعفين، فمن باب أولى أن تغيب الحرية كذلك؛ وفي نهاية المطاف، لمن نشكو مآسينا إذن؟

قد نتفق جميعا على سلوك رجل الأمن الذي ألقى ببائعة القفف على الأرض، كونه سلوكا منافيا للقانون وللأخلاق، وقد نتفق كذلك على صمت الدولة المستهجن إزاء ما يتكبده مواطنوها على يد آلتها العسكرية والأمنية من تجاوزات

ينبغي كما قال الإغريقي بوزانياس أن يكون للقانون سلطة على البشر، لا أن يكون للبشر سلطة على القانون، وإلا فما فائدة نصوص قانونية مُفرغة من القدرة على صناعة قرارات حاسمة تستطيع دفع الباطل وإحقاق الحق، دون أن تضع نُصب أعينها درجة المشتكي ودرجة المظلوم في السّلّم الاجتماعي، أو ضمن تصنيفات أخرى تضيع فيها حقوق الأفراد. كما ينبغي أن يُعامل القانون _ بتجرد_ هذا المواطن أو ذاك معاملة لائقة بآدميته، حتى وإن ثبتت عنه على سبيل الافتراض تهمة ما. وهنا تجدر الإشارة إلى ارتباط الأخلاق بالقانون بشكل أو بآخر، بل وتسامي الأخلاق على القانون، أولا بحكم أن البشرية عرفت الأخلاق منذ بداياتها الأولى، وكانت الفيصل في العلاقات البشرية قبل ظهور القانون بشكله الرسمي والمؤسسي في الحضارة الفرعونية والسومرية والبابلية وحضارات شرق آسيا، ثانيا لكون الأخلاق أعمّ وأشمل، و لا نشك أبدا في كون القوانين قد أُنجبت من رحم الأخلاق، وبهذا المعنى يفترض أن تكون كل قاعدة قانونية خُلُقًا ما، وإلا صُنفت ضمن خانة الجور والاستبداد والتعسف، خلاف ما ادعاه أحد فقهاء الرومان زاعما أن ما يسمح به القانون لا يكون دائما موافقا للأخلاق!

رجوعا إلى القرن السابع عشر، تحديدا ونحن نقرأ "الليفياتان"، نجد توماس هوبز يؤكد أن جوهر السلطة هو سيادة الدولة، إذ يعتقد أنه وفي أفضل حالاتها فإن السلطة سوف تُمارس من الموقف المفرد للسيادة، وهو المنظور الذي لم ينكره ميشيل فوكو، لكن مع تحفظ هذا الأخير طبعا على السلطة السيادية حين تجيز لنفسها استعباد الأفراد وانتهاك آدميتهم ؛ في حين يُوجِز الألماني ماكس فيبر سلطة الدولة في "احتكار الاستخدام المشروع للقوة البدنية"، مع عدم المجازفة طبعا بقبول المنظور الفيبري على المطلق هكذا، إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال شرعنة استخدام القوة البدنية بأي شكل من أشكالها مهما كانت الظروف، ومهما كانت درجة اضطرار الدولة لممارسة سلطتها في الشارع أو داخل مؤسساتها. وعليه تكون السلطة _ كما يزعم ميكيافيلي_ خارج المنظور الهوبزي والفوكوي والفيبري المُسالم قاسية وغاشمة وظالمة ومستغلة، هذا من حقها ولو لم تفعل ذلك لاستضعفتها الجماهير وسحقتها ! وهو المنظور المعتمد على نُطق واسعة من لدن أنظمة عديدة، وهو ما دعاه جون كينيث في كتابه (تشريح السلطة) "الكيفية القسرية"، باعتبارها أسهل الأساليب لتكميم الأفواه الناطقة!

قد نتفق جميعا على سلوك رجل الأمن هذا، كونه سلوكا منافيا للقانون وللأخلاق جملة وتفصيلا، وقد نتفق كذلك على صمت الدولة المستهجن إزاء ما يتكبده مواطنوها على يد آلتها العسكرية والأمنية من تجاوزات تتخطى حدود اللاممكن أحيانا. ومن العجب اعتبار هذا العسكري للكائن الآدمي "مخلوقا" معدوم القيمة والأهمية، تماما كأنه أمام حشرة ضارة تستحق الدعس دون أدنى تفكير. هنا أستسلف كلمة صاحبة الأوسكار الأمريكية جين فوندا قائلة: "نحن نتعامل مع عالمنا كأننا نملك آخر في حقيبة السيارة "، وكذلك يتعامل صاحب البزة العسكرية مع الماثل أمامه كأنه يملك آخر في كيسه!