شعار قسم مدونات

معذبو الأرض

A picture taken in Cairo on July 20, 2017 shows Egyptian Shoukran Rashwan, 75, sitting on the rubble of her house that was demolished Cairo's Warraq island. As part of a government campaign to reclaim state lands, police had stormed the island on July 16 and demolished several homes, sparking clashes that killed one of the island's residents. About 90 thousand people live on the 1000 feddan (420 hectares) island, according to the government. Originally agricultural land, squatters began settling on the island more than 15 years ago, 'turning it into a slum,' according to a cabinet report. / AFP PHOTO / KHALED DESOUKI (Photo credit should read KHALED DESOUKI/AFP/Getty Images)
حين أثيرت بعض القضايا المتعلقة بالأرض، كقضية تيران وصنافير والجزر النيلية وبعض القرى التي تتمتع بمميزات جغرافية، فظن البعض أنها قد تكون نقلة نوعية وسبيل من سبل الارتقاء والتحضر، في إزالة القرى والعشوائيات وبناء مكانها قرى سياحية وتجمعات سكنيه راقية، مما يخلق فرص عمل وفرصه أفضل لقاطني العشوائيات في مجاورة قاطني الكمبوند. ولكن ليست تلك الحقيقة، الحقيقة أن ما يحدث ما هو إلا إحلال "نوع" إنساني محل "نوع" إنساني آخر، إحلالاً كليا كاملاً مطلقاً، دون مرحلة انتقالية، فأسياد الأرض سيتحولوا إلى خادمين للمالكين الجدد، وحتى هذا ربما لن يحدث.

لم يكن في يوم الصراع بين الشعب، وبين فئة بأفكار استعماريه يساندها نظام سلطوي، خلاف فكري بين وجهتي نظر، بل كان صراع لفرض الهيمنة في كل النواحي. صراع لم يكتفي فيه النظام يوماً بالشرطة أو بالجيش في تنفيذ مطالبه، وإنما استغل الإعلام في تصدير فكرة أن تلك الأحياء والقرى والمدن المكدسة بالأفراد هي في ذاتها روح الشر وخلاصته وأن تلك المجتمعات نزحت منها قيم الإنسانية أو لم تتواجد بينهم يوماً وأن حياتهم خاليه كلياً من التحضر، بل أنهم في الأصل أعداء الإنسانية والتحضر، ولا سبيل إلى نفاذ الأخلاق إلى أنفسهم.

يمكن أن ترى بوضوح طريقة بث تلك الأفكار بين الشعب، في الدراما مرايا الإنسانية كما يطلق عليها البعض، وكيف انتقلت القيم والمبادئ الأخلاقية من حواري القاهرة إلى الكمبوند، فيتم تصدير مواطني تلك الأحياء، كمثال حي عن الفساد الأخلاقي والانحدار الإنساني، على جانب إظهار الفئة الأخرى كمثال للتحضر والرقي والقيم.

في البداية تبدأ الفئة المستعمرة، في تحطيم صور الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ثم تبدأ في نشر ثقافة العنف بين فئات الشعب، من ثم تبدأ في الإشارة إليه، كمستودع للقوى الشيطانية، وقنبلة من الظلام والفقر والمرض توشك على الانفجار، وأنها تستخدم كأداة لقوى خارجية. لذلك كانت حاجة الفئة المستعمرة، إلى بناء أوطان لها بعيدة عن تلك الفئات الملوثة الغامضة، ويمكن أن ترى مخاوفهم من أي اختلاط يجمعهم بهم، حين تسمعهم يستخدمون في وصفهم، لمصطلحات تستعمل لوصف الحيوان "كزحف العشوائيات، أو قطعان الأهالي، أو هؤلاء البشر الذين يدبون على الأرض، أو القطيع الذي لا رأس له، أو حياتهم التي تشبه حياة الحيوانات". وللمصادفة أن معظم تلك الأوصاف كان يستخدمها المستعمر الفرنسي لوصف المواطن الجزائري والمستعمر الإنجليزي لوصف المواطن المصري.

حين يخيب آمال الأفراد في تحقيق الأمل، تبدأ في رؤية أجساد بلا أرواح، أو كما وصفها ابن خلدون في مقدمته
حين يخيب آمال الأفراد في تحقيق الأمل، تبدأ في رؤية أجساد بلا أرواح، أو كما وصفها ابن خلدون في مقدمته "الأمة إذا غلبت وصار ملك غيرها أسرع إليها الفناء.."(أهالي جزيرة الوراق)
 
حين تقاسمت تلك القوى الأرض، وظهر هذا التقسيم جليّاً في المجتمعات العمرانية الجديدة، البعيدة كلياً عن أعين الطامعين المتطفلين. فتوفير الخصوصية والراحة والأمان، يعطي الإنسان الشعور بالقوة وهذا كل ما تحتاجه تلك الفئة للاستمرار. لكن دائماً ما كان الإنسان طامع في الأفضل والتفرد عن الغير، حتى وإن كانوا من نفس فئته، فبدأ التنافس بينهم على الحصول على كل ما هو ممكن أو غير ممكن.

كل هذا يحث على مرأى ومسمع عوام الشعب، مما يذكرنا بأحداث قامت في الجزائر على أيدي جنود الاستعمار الفرنسي، حين عزلوا الجزائريين "السكان الأصليين" كما كانوا يسموهم، في مدن أقل ما يقال عنها أنها ليست آدميه، في حين كان يسكن الفرنسيون وكل من هو مختلف عن السكان الأصليين في مدن حديثة نظيفة كاملة الخدمات.

على ذكر الفرق الشاسع بين الخدمات "التعليم والصحة والمرافق والبنية التحتية" التي يمتلكها عامة الشعب والتي تمتلكها الفئة، تتحدث الإحصائيات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فالخدمات التي يمتلكها عامة الشعب تتذيل دول العالم في كل شيء، في حين تتمتع تلك الفئة بتعليم أفضل يبدأ من المدارس الخاصة إلى الجامعات إلا أنها تمتلك من الإمكانيات ما يجعلها ترسل أبنائها للتعلم في الخارج، وقد يكون من باب التباهي وليس الأفضل. وهكذا يمكن أن تستمر في المقارنة، أو يمكنك أن تذهب بنفسك لترى عينيك الحقيقة، فقد لا تصدق أن أرضاً واحدة تحمل تلك المدن وتلك العشوائيات. وهنا قد يتساءل البعض لما تذهب تلك الفئات خارج مدنها لتستحوذ على أرض كالوراق مثلاً؟

الحقيقة أن هذا الصراع سيظل موجود إلى أن ينهي أحد الآخر، فلا يمكن أن تعيش فئة جائعه تريد أن تمتلك كل شيء مادي أو معنوي، وفئه جائعه لا تمتلك شيء سوى الفقر والمرض، ولكن الصراع يكمن في نزال متكافئ بين قوتين، ولكن هل يرى أحد من تكافئ بينهم؟ في كتاب ول ديورانت المسمى "مباهج الفلسفة" وصف ذلك الزحف بأنه عودة الإنسان إلى البربرية "فالشعب الذي تقويه ظروف الحياة، وتسوقه مطالب الحياة المتزايدة، يترك موطنه ويتحرك نحو شعب أقل قوة، فيغزوه، ويذبحه من مكانه أو يمتص خيراته" الاستعمار الخارجي كان يستخدم جيشه ومعداته كوسيط بين إرادة فئة القادة وبين الشعب. الآن حلت الشرطة محل جيش المستعمر، فأخذت تلعب دوره في قمع الشعب والحرص على استمرار كل فئة دون تغيير.

undefined

هذا ما يفسره فرانز فانون في كتابه "معذبو الأرض" فيقول "إنهم أناسا مشاهدين يسحقهم أنهم ليس لهم ماهية، فيأتي الاستعمار فيحولهم أناساً فاعلين مميزين". تبدو فرصة لا يمكن رفضها، وهذا ما يفسر تواجد كليات الشرطة والقوات المسلحة في قمة الكليات التي يتم التقدم إليها سنوياً. وتلك الرغبة الجارفة في الانضمام إلى أكثر فئات المجتمع قوة، قد تفسر لنا ما يحدث بوضوح، فحتى وان كانت المفاهيم التي يتم تعليمها للطلاب قد تغيرت من بعد الثورة، إلا أن النظرة المسبقة والإدراك المتآصل لدى الشعب عن السلطة، جعل أي فرصة للتغير غير مجديه.

والسؤال هنا عن مدى حاجة الأفراد إلى قوانين لا تطبق أو نظام لا يعمل؟ في كتاب "الدولة نظرياً وعملياً" قال هارولد لاسكي أحد أكبر المنظرين السياسيين في القرن العشرين فيقول: "إن الأفراد لا يقومون بإطاعة السلطة من أجل الطاعة ذاتها، إنما يطيعونها من أجل أهداف يعتقدون أنها ستتحقق، عندما تؤدي هذه السلطة عملها. فهم يخضعون للأوامر ويفسروها على أساس الرضى الذي يسعون إلى تحقيقه في هذه الحياة، ومن حين لآخر يرفضون تلك الأوامر على أساس أنها تحرمهم من تلك النواحي المنشودة.

لذلك حين يخيب آمال الأفراد في تحقيق الأمل، تبدأ في رؤية أجساد بلا أرواح، أو كما وصفها ابن خلدون في مقدمته "الأمة إذا غلبت وصار ملك غيرها أسرع إليها الفناء، والسبب في ذلك أن ما يحصل في النفوس من تكاسل إذا ملك أمرها عليها، وصارت بالاستعباد آلة لسواها، فيقصر الأمل ويضعف التناسل، فإذا ذهب الأمل بالتكاسل وكانت العصبية ذاهبة بالغلب الحاصل عليهم، تناقص عمرانهم وتلاشت مكاسبهم ومساعيهم، وعجزوا عن المدافعة عن أنفسهم، فأصبحوا مغلوبين لكل متغلب وطعم لكل آكل".

في النهاية دائماً ما نبحث عن الإجابات، ولكن الأهم هو طرح الأسئلة السليمة للحصول على الإجابات السليمة. فلا تسأل متى يحدث التغيير؟ بل كيف يحدث وهل سيكون خيراً أم شراً؟