شعار قسم مدونات

كي تزهر من جديد

blogs-happy
تتفاوت قدراتنا النفسية على تحمل النوازل التي قد تعصف بها الحياة من حين إلى آخر، البعض يقف بقوة وصلابة أمام أشد الانكسارات وجعاً، وآخرون تنهار أرواحهم تماما أمام أقل الهزائم ضرراً.
       

الحقيقة التي لا يعرفها هذا الصنف الأخير من الناس، أن الحياة لن تتوقف عجلتها خجلاً أمام حزن أحد، وأن الأهل والأصدقاء قد يآزروننا لفترة من الزمن، ثم ينشغل كل بمشاغله. وحده سيبقى في عزلة أبدية يصارع ألمه بمفرده، من يأسر روحه في زنزانة الكدر ومن يزج بحياته في ديماس الاكتئاب، من لا ينهض بقوة وبهمة عالية عازماً على المضي قدماً في الحياة، موقناً بأن أمر المؤمن كله خير.

       

وهذه بالمناسبة ليست دعوة للبلادة أو تخديرا للمشاعر، فالشعور بالحزن دون إفراط أمر طبيعي، ومقاومته بصبر وأمل قد يبني منك كياناً أقوى مما تتخيل، والتاريخ يحفل بأسماء لأناس تعرضوا للفقر والمرض والفقد وغيرها من المعوقات والفواجع، ولكنهم تمسكوا ببريق الأمل وكافحوا لينتصروا على الحياة، ولو أنهم رضخوا لأوجاعهم لماتوا كمدا وقهراً، ولما أصبحوا يوما نماذج تحتذى في الصبر والثبات.

            

بإمكاننا ألا نسمح للحزن بأن يجرفنا في دوامة من اليأس والإحباط، فلا ضعيف إلا من قرر مسبقاً أن الحياة أقوى منه، وتذكر دائما أنك مادمت تحمل في أضلعك قلباً ينبض وروحاً عامرة بالأنفاس فلا زال أمامك متسعاً للحياة

ولك في الأنبياء خير أسوة، لك أن تقرأ أيضا سير المشاهير، ستجد مثلاً "هيلين كيلر" وهي فاقدة للسمع والبصر تسخر كتاباتها لإلهامك، "فريدا كاهلو" تقاوم أوجاعها بالرسم، "نزار قباني" يفقد أخته وابنه وزوجته ومع ذلك يكتب، الرافعي والبردوني وطه حسين مع معاناتهم إلا أنهم أثروا أدبنا العربي بكتابات من ذهب.

     

لذا إن خير ما تفعله يا صديقي في شدتك هو أن تطرق باب خالقك، وأن ترفع كفيك ملحاً بالدعاء، فربك وحده أعلم بمكنونات صدرك وأوجاعك. أن تتمسك جيداً بأصدقائك المخلصين، فأكفهم هي أول ما يربت على كتفيك عند الضيق، وأن تجعل كل ما مررت به حافزاً تبني به ذاتاً أكثر خبرة وحكمة من ذي قبل. إن خير ما تفعله أيضاً في خضم معركتك مع الحياة هو أن تواجه مشكلاتك، تبحث عن حلول لها وتقاوم، أن تعي في الوقت ذاته بأن الرضا بأمور لا قدرة لك على تغيير مجراها باب من أبواب السعادة، وأن من أعدائك من يفرحون لهشاشتك وضعفك فلم تسمح لهم بذلك!

        

يقول الكاتب المصري عبد الوهاب مطاوع:" إنما هكذا هي الحياة لوحة لا تتم وأنشودة لا تكتمل، وسيمفونية مبهجة أحياناً، وشجية أحياناً، وناقصة غالباً، لكن الأمل في الله وفي رحمته لا ينقطع أبدا."هذا الفهم للكيفية التي تجري بها أمور الدنيا، سيخفف من حدة الألم الذي يؤرقك، فلا يزيد من وطأة القلق داخلنا إلا الجهل بأن تقلبات الحياة هي سنة من سنن الله الماضية في الكون حتى تقوم الساعة.

        

خسارة أن يفر الناس من كآبتك وكأنهم يفرون من مجذوم، خسارة أن تمضي بك الأيام دون أن تتذوق لذتها، بإمكاننا جميعاً أن نصفع وجه الحزن، لم لا؟ بإمكاننا ألا نسمح له بأن يجرفنا في دوامة من اليأس والإحباط، فلا ضعيف إلا من قرر مسبقاً أن الحياة أقوى منه، تذكر دائما يا صديق أنك مادمت تحمل في أضلعك قلباً ينبض وروحاً عامرة بالأنفاس فلا زال أمامك متسعاً للحياة.