شعار قسم مدونات

فصل الدين عن الدولة والحياة

blogs - مصاحف
لا أعلم كيف ينادي البعض بفصل الدين عن السلطة، في حين أن الدين والسلطة نموذج متكامل، كل واحد يكمل الآخر، فما نجد في تاريخ المسلمين أن حماية الدين من اختصاصات ولي الأمر، ورغم كون هذه الحقائق التاريخية ثابتة، إلا نجد أن البعض سلك المنحى الآخر يطعن فيه بهذه الثوابت، فيوجِد لنفسه حلقة فارغة تتناغم مع آرائه الشاذة.
هذه الآراء التي كنا نجدها لدى بعض الأفراد، وجدت سبيلها إلى مراكز القرار فأنشأت لنا طبقة سياسية "علمانية الفكر" تؤمن بفكرة فصل الأحكام الدينية عن السياسة، حتى صار الأمر احتقارا للمنهج الرباني في إدارة شؤون الخلق، فيتساءل بعضهم عن سبب ورود آية معينة واضحة الدلالة، حتى صار الواحد منهم يتجرأ على إلغاء أحكام الخالق، وقد يتساءل بعضهم رغم وجود الجواب، فيبين سفاهته بعدم الاقتناع فيتساءل عن سبب إقدام الخالق على سن هذه الأحكام وينسى قوله تعالى: "لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ" الأنبياء 23، فالأية الكريمة رسالة لهؤلاء الذين يرفضون الأحكام القطعية في القرآن بدعوى عدم ملاءمة العصر.

ومن حيل هؤلاء الذين صنعوا لأنفسهم منهجا تغيب فيه الواقعية: "فصل الدين عن الدين ذاته"، أي القبول ببعض الأحكام الشرعية التي هي من الدين دون بعض، إلى أن تتم إلغاء جميع الأحكام الشرعية، وقد عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا بالتفصيل الدقيق في الحديث الشريف عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة". أخرجه الإمام أحمد في المسند وغيره.

فعدم قبول الأحكام الشرعية اليوم، ليست فقط من طرف الطبقة السياسية التي ذكرناها سلفا، والتي تدين بدين الإسلام، ولكن هناك مجموعات وفرقا تعمل بخفاء تحت راية الغرب، لأجل كسر هذه الأحكام، رغم أنها لا تمسهم لوجودهم على الأراضي الغير مسلمة، وهذه الفرق تقود حربا شعواء لا مبرر لها إلا قوله تعالى: "وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً" النساء 89.

الأحكام الشرعية ليست الهدف الوحيد للمتربصين به، فالثقافة والأخلاق التي نشأت في ضوء الإسلام والتي لها الفضل في ترسيخ القيم الإسلامية الإنسانية الحميدة ضحية كذلك.

ويمكن اعتبار هذه الحالة، حالة نفسية ممزوجة بالحقد والكراهية المزروع في قلوب بعض البشر، وتتصف هذه الحالة بكونها تعمل على جعل الغير مقيد بأفكار مشابهة لأفكار "النفس المصابة"، أي رؤية "النفس المصابة" للغير على أنه يشبهها في طريقة الملبس والمطعم والمشرب وأخطر حالات هي تلك الحالة التي يتعدى فيها الأمر إلى المطالبة بتغيير المعتقد فيكون الكيد من الحلول المحبوبة لدى "النفس المصابة"، وكي لا يسقط المسلم في هذا الكيد الذي تتم حياكته، وجب عليه المطالبة المسؤولين عبر التقدم بشكاية للهيئات الساهرة على خدمات الأمن والأمن الفكري والديني، إذ إن الأوطان الإسلامية رغم كل ما يحدث، تمتاز بكونها تحمل بين طيات دساتيرها أنها دول إسلامية والإخلال بهذه الثوابت اعتداء على الوطن وجريمة في حقه، أما على مستوى الشعوب والأمم فيكون الأمر إلى ولي الأمر كي يمنع ما تصبو إليه تلك الفئة التي تعاني مما ذكرت، وهذا ما تدلنا عليه الآية الكريمة.

لم تكن ظاهرة عدم قبول الأحكام الشرعية وليدة اللحظة، بل هي تنبع من تسلسل زمني متعاقب منذ نشأة البشرية، فمنذ خلق الله آدم عليه السلام، بدأ الصراع بين الآدمية وإبليس الذي لم يقبل بأوامر الخالق في السجود لآدم عليه السلام فقال "أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا" الإسراء 61، لذا فإن عدم التشبت بالأحكام الإسلامية العادلة انزواء إلى طريقة إبليس في العناد وتصديق بمنهجه الكاذب.

انتقل الصراع عبر الزمن وتشعب، فكلما ظهرت رسالة سماوية، كان إبليس يترصد لها بغية انقطاع حبل الرباط بين البشر والخالق، إلى أن عجز عند بزوغ النبوة المحمدية، ونزول القرآن الذي فصل كل شيء "وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ" النحل 89.

وفي زمننا المعاصر نعيش حربا على دين الاسلام، وطريقة تعامل الغرب وبعض الأفراد الذي يدينون بدين الإسلام، تثبت أنه شوكة في أعناقهم، ذلك أن هذا الدين أتاح للإنسانية معرفة الإله الخالق، وأجاب عن إشكالات علمية معقدة، وضبط قانون المجتمعات الإسلامية لحماية حقوق المرأة المسلمة باعتبارها عنصرا مساهما في نشأة المجتمع المسلم وتطوره، وفي خضم هذا لم يجد أصحاب التوجهات الشاذة في طريقة تحرير المرأة إلا تعريتها وإلباسها لباس التخلف الذي كانت عليه قبل مجيء الإسلام.

إذن فالأحكام الشرعية ليست الهدف الوحيد لهؤلاء، فالثقافة والأخلاق التي نشأت في ضوء الإسلام والتي لها الفضل في ترسيخ القيم الإسلامية الإنسانية الحميدة ضحية كذلك، أي أن الإسلام ومرتكزاته هدف لهذه الفئة الناشئة التي تحاول تحقيق نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، القاضية بزوال عروة الحكم بشرع الله دون وعي منها. بعد كل هذا أتساءل كباقي أبناء الشعوب المسلمة: بأي ذنب يهان دين الإسلام وأديان الناس تحترم؟