شعار قسم مدونات

خاتم من حديد

blogs - ring

بات من الطبيعي أن تجد الشاب في بلادنا العربية قد تخطى عمره ثلاثين عاماً، والفتاة تتخطى كذلك سن الزواج دون أن يجد الاستقرار إلى أفئدتهم سبيلاً من خلال الزواج وتكوين أسرة مترابطة متكاتفة، وهذا العزوف الإجباري للشباب العربي عن الزواج ليس نابعاً من إرادتهم الذاتية، وإنما كنتيجة لمتغيرات دخلت على مجتمعاتنا واستوردناها من الآخرين، كانت سبباً حقيقياً في وضع عراقيل جمة أمام كل شابٍ يفكر في الإقدام على هذه الخطوة المهمة من حياته، والتي يتمناها كل شابٍ وفتاة حتى وإن لم يجرؤ الواحد فيهم لإعلان هذه الرغبة للمحيطين به.

في ديننا الإسلامي العظيم الذي رسم معالمه لنا الحبيب محمد "صلى الله عليه وسلم" فاتبعناه، لتكون التحولات التي حدثت لنا أن انتقلنا من رعاةٍ للأغنام وأصبحنا سادةً للأمم، ولما بدلنا وغيرنا بعد عقودٍ على سيرة نبينا محمد كان لا بُد من عودتنا إلى ذات الحالة التي كُنا عليها، بل وأشد من الإهانة التي نحياها هذه الأيام، فشبابنا ضائع وفتياتنا تتلقفهم ذئاب الليل، كنتيجة طبيعية لحالة البطالة التي صنعتها الأنظمة العربية التي تجثم على قلوبنا منذ سنوات طال أمدها، وتصرفاتٍ مجتمعية تلتقي في نتيجتها مع أفعال الحُكام لبلادنا.

في مسألة الزواج كأحد أهم الروابط المجتمعية التي جاء بها الإسلام وأصلَّ بخصوصها نبي الرحمة محمد "صلى الله عليه وسلم" كانت السهولةُ واليسر هي الأداة الأهم لإنجاز هذا العقد الفريد الذي تُبنى عليه علاقة الناس فيما بينهم وتكون النتيجة أبناءً صالحين يحملون لواء الإسلام ويُدافعون عنه في خطوبه المختلفة، وهو يُسرٌ لم يكن بحالٍ من الأحوال ليفتح الباب للشباب للتواكل وعدم العمل لتحقيق دخلٍ مناسب يُعيلُ من خلاله أسرته وأطفاله، إنما تيسيراً يؤدي لراحة في الخطوة الأولى من الحياة ومدخلاً للبحث عن سعادةٍ "بالعمل والإنتاج" في خطواتٍ لاحقة.

في الوقت الذي يعاني الشباب العربي من البطالة المُستفحلة، وبالتوازي مع ترويج السينما العربية الانحلال القيمي والأخلاقي في مجتمعاتنا، يُطبق المجتمع الذي نعيش بأنيابه على ما تبقى من أجساد الشباب الضعيفة
في الوقت الذي يعاني الشباب العربي من البطالة المُستفحلة، وبالتوازي مع ترويج السينما العربية الانحلال القيمي والأخلاقي في مجتمعاتنا، يُطبق المجتمع الذي نعيش بأنيابه على ما تبقى من أجساد الشباب الضعيفة

في ديننا العظيم "الذي تخلى عن حكمه الكثيرين منا"، جاءت الكثير من الأدلة في الحض على تيسير الزواج، كأحد أهم الوسائل لسد الذرائع أمام الشباب للوقوع في الفاحشة إطفاءً لشهوته، فقد أتى إلى الرسول "صلى الله وعليه وسلم" رجلٌ يريد الزواج وليس معه شيء، فسأله الرسول "صلى الله عليه سلم" وقَالَ انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ.

بل إن النبي محمد "صلى الله عليه وسلم" لم يربط الزواج بالمال والجاه بالنسبة للشاب، إنما جعل الأخلاق أساساً لذلك، فقال: "إذا جاءكم مَن ترضون دينه وخُلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض". وواضحٌ بأن الملايين في مجتمعاتنا الإسلامية يحفظون هذا الحديث بالنص، لكن بين الحفظ والتطبيق مسافاتٍ شاسعة للغاية، ولذلك فقد عمَّ "فسادٌ عريض" مجتمعاتنا بعدما أدارت ظهرها لتطبيق حديث النبي "صلى الله عليه وسلم" في الزواج.

في الوقت الذي يعاني الشباب العربي من البطالة المُستفحلة بفعل سياسات زعماء وقادة بلادنا، وبالتوازي مع ترويج السينما العربية الانحلال القيمي والأخلاقي في مجتمعاتنا دون حسيبٍ أو رقيب، يُطبق المجتمع الذي نعيش بأنيابه على ما تبقى من أجساد الشباب الضعيفة والنحيلة، فيضعون الفيتو تلو الآخر في وجهه لتلمس سعادة قد يسعى إليها من خلال الزواج، فالشاب الذي يُقدم على أداء هذه الشعيرة المهمة حفظاً لنفسه من الانزلاق في أتون الانحلال الأخلاقي، لا بُد له من جمعِ أموالٍ لن يُفلح بها بكل تأكيد وإن وصل لوظيفةٍ العمر وبمرتب مرتفع، فالشقة لا بُد منها في ظل ارتفاع السكن الكبير، والمهر بعشرات الآلاف وشبكة العروس وتكاليف العُرس وتجهيزاته وغيرها. وحين مخاطبة المواطن العربي بأحاديث إسلامنا وضرورة المساهمة في تخفيض المهور وتقليل تكاليف الزواج حفظاً للمجتمع من الانحراف، يعقد مقارنة سريعة بين ابنته وابنة عمها أو خالها ومهرها الكبير وأن ابنته ليست بأقل منهما شأنا.

إن شبابنا ومنظومتنا الاجتماعية بحاجة إلى إدراكها قبل فوات الأوان، وهي إجراءات بحاجة إلى المسئول والشيخ والداعية القدوة الذي ينبغي عليه رفض تزويج ابنه وابنته بناء على المعايير المجتمعية الخاطئة

يتابع الشاب في مرحلة الزواج ما يقوم به الأهل والمجتمع من إجرامٍ بحقهم دون أن يجرؤ الواحد منهم على انتقاد هذه الإجراءات، فلا الشاب يتمكن من البوح برغبته في الزواج وحفظ نفسه خشية من وصمه بـ" قليل الأدب"، ولا الفتاة كذلك يمكن لها البوح برغبتها في شابٍ مهذب خلوق يصونها عن الوقوع في مزالق خطيرة، وإن فعلت ذلك فستكون "قليلة تربية وعديمة أخلاق".

إن مجتمعنا هو من يتحمل مسئولية عزوف الشباب عن الزواج وتحمل مسئولياتهم الحقيقية من خلال قيادة أسرة في مجتمعاتهم، فالشاب حينما ينظر إلى تكاليف الزواج الباهظة ستكون وجهته لقضاء حاجته الفسيولوجية واحدة من التالي:

1- العزوف عن الزواج خشيةً من تكدس الديون عليه جراء هذه الخطوة والوقوع في مشاكل جمة نتيجة مطالبته بعد الزواج بتسديد ما عليه من أقساط وفواتير.
2- التوجه للزواج من خارج البلاد الإسلامية والعربية كنتيجة طبيعية لسهولة الزواج فيها وغياب التكاليف مقارنة ببلادنا التي باتت تُعقد هذه المسألة كثيراً، وحتماً فنتيجة ذلك ستكون وخيمة على ارتفاع معدلات العنوسة في صفوف فتياتنا.
3- أما الخيار الثالث والباب الأسود الذي نفتحه أمام شبابنا "وهو أمرٌ غير مبرر" بكل تأكيد، فهو الاتجاه إلى طريق الرذيلة ومنحنياتها القذرة، وبذلك نقتل روح الشباب وعنفوانه في مجتمعاتنا بأيدينا.

إن شبابنا ومنظومتنا الاجتماعية بحاجة إلى إدراكها قبل فوات الأوان، وهي إجراءات بحاجة إلى المسئول والشيخ والداعية القدوة الذي ينبغي عليه رفض تزويج ابنه وابنته بناء على المعايير المجتمعية حتى وإن كان يمتلك الأموال لذلك، بل إنها خطوةٌ لن يقوى عليها إلا رجال قرروا أن يغيروا مجرى مجتمعاتهم ويتحملون فيضان الانتقادات من صُناع القرار لفعلتهم وعيشهم في مستوىً يُناسب تطلعات تلك المجتمعات، لكنهم وإن انتقدهم صُناع القرار سيحفظون أسمائهم في سجل من غير مجرى التاريخ وضحى بمكانته لأجل ذلك.

نحن بحاجة أيها السادة لولي الأمر الذي يقبل بتزويج ابنته بسلسال من ذهبٍ وليس خاتماً من حديد، فهل سيجد شبابنا رجلاً يسعى لعفة أبناء وبنات مجتمعه ويحمل هذا اللواء ليخترق فيه صفوف المتفرجين، ليكون قدوةً بفعلها قبل أقوالها؟