شعار قسم مدونات

الحدود تهذيب لا تنكيل

blogs قانون

من حكمةِ الله في خلقهِ أن شرعَ لهم من الدين ما تستقيم به أحوال البلاد والعباد فلا يستبد ظالم ولا يُظلم ضعيف، فأنزل الله كتاباً محكماً يحمل بين جوانحهِ نظامٌ محكم قادر علي تقويم النفس ومسك لجام غرورها، ومن هذه الأحكام ما تم تعليلهٌ للناس بشكلٍ ظاهر ومنها ما لم يُعلل لحكمةٍ لا يعلمها إلا الله، ومن رحمةِ الله بعبادهِ أن جَعل لهم أغلب الأحكام التي يتعاملون بها مُعلله واضحة الأسباب وما لم يتم تعليله كان جُله في العبادات كعددِ ركعات الصلاة وغيرها.

 

ونحنُ المسلمين نؤمنُ باللهِ إيماناَ مطلق يوجبُ إقرارنا بوجودِ حكمة للأشياء تصديقاَ لقولِ الله تعالي (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) ومع تصاعد الهجمات علي شرائعِ المسلمين واتهامها بما ليسَ فيها كان لزاماً علينا توضيح ما غفلَ عنهُ بعضُ المراهقين، علي سبيل المثال: لقي حد الرجم معارضةَ بغيرِ فهمٍ أو وعي فقط مهاجمة لكونها شريعة تخالف الهوي؟وقالوا بأن القوانين الوضعية أصلحُ للناسِ وأكثر ضبطاً لشئونهم وقالوا كذباً بأنَ بلادهم تنعم بالأمن والأمان في ظلِ تلكَ الأحكام وصفق لهم مراهقي المدنية الحديثة دون أدني وعي أو تفكير في تلك الأقوال.

 

دعنا نري تلك الإحصائيات الرسمية، في عام 2011 سجل مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن أعلي نسب حالات الاغتصاب كانت بالولايات المتحدة والبرازيل وفرنسا وألمانيا. أيضا طبقاً لموقع نومبيو المعني بمعدلات الجريمة في البلدان المختلفة نري كثير من دول العالم (المتقدم) في مقدمة الترتيب. كما أعلي نسب للإنجاب في غير إطار الزواج تكون في هذه الدول، إذاً يظهرُ جلياً للناظرِ فشل تلك الأحكام في تنظيم الحياة رغم رفاهية العيش والترف الحاصل في البلاد. على عكس تلك المعدلات في عصر تطبيق الحدود أو البلاد التي تطبق فيها الحدود.

الباحث في التاريخ الإسلامي يري كم حالة ضبط فيها إنسان تستوجب تطبيق حد الرجم عليه؟.. الإجابة نموذج المرأة الغامدية ونموذج ابن مالك وأما عن 1427 عام فلم يطبق فيه حد رجم واحد بعد وفاة النبي

والسؤال الأهم هل الحدود في الإسلام تتنافي مع حقوقِ الإسلام؟ الإجابة بالتأكيد لا والقائل بهذا الحديث قاصر النظر يفتقر للفهم السليم العقلاني. إن أساس التشريع في الإسلام هو حمايةُ المجتمع ودرء الضرر قبلَ وقوعهِ فنجد أن الأمور التي تضر المجتمع ككل قد غلظت عقوبتها في الدنيا والاخرة كعقوبة الربا لأنها تضر بالنظام الاقتصادي للبلاد وتنشر الكسل والتناحر بين عموم الناس أما الحدود مثل حدود الزنا فجاءت في الأساس للرهبة منها لا تنفيذها، كتب الدكتور خالد محمد خالد كتاباَ في أربعينيات القرن الماضي قال فيه (إن نظام العقوبات في الإسلام يحمل بين ثناياه موانع تنفيذه) والدكتور خالد يقصد تلك الشروط التي تكاد تكون مستحيلة لتطبيق الحد.

 

فالباحث في التاريخ الإسلامي في كل كتبه كتاريخ ابن جرير وابن كثير والجبرتي وكل كتب التاريخ التي رصدت يوميات المسلمين يري كم حالة ضبط فيها إنسان تستوجب تطبيق حد الرجم عليه.. الإجابة نموذج المرأة الغامدية ونموذج ابن مالك وأما عن 1427 عام فلم يطبق فيه حد رجم واحد بعد وفاة النبي حتى أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يتحرى الدقة فلم يطبق الحد إلا على من أتي بنفسه معترفا لا بالشبهةِ والظن فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أتى ماعز بن مالك النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال له: «لعلك قبّلت، أو غمزت، أو نظرت» قال: لا يا رسول الله.

هنا نري استبيان النبي من الرجل ومحاولة رده عن دعواه أنه زنا لكن الرجل أصر وفضل حساب الدنيا على الأخرة، ونظام الحدود قد أَغلق باب أخذ الناس بالظن فاشترط في حد الزنا أربعة شهود رأوا الواقعة رأي العين إذاً فأين الاعتداء هنا؟ وكما تعودنا من أتباع المدنية الحديثة فهم لا ينصروا إلا القوي على الضعيف فنراهم يأمرون بالعفو عن زاني وينسوا الضعيف الواقع عليه الضرر كمثل زوج زنا بامرأة فأصيب منها بمرض فعاد لزوجته فنقل إليها المرض؟ أليس من واجب القوانين درء وقوع مثل هذه الوقائع دون هوادة ولا تمييع.

 

وكما نري في المجتمعات التي لا تطبق فيها الحدود اختلاط الأنساب فربما تزوج شاب أمه دون علمه وعلمها أليس في ذلك فساد عظيم وإن كانوا لم يصدروا للعالم من الحدود إلا قطعُ الأيدي والجلد، فلماذا فعلوا ذلك بهتانا وظلما في سجونهم؟ وجوانتانمو وأبو غريب شاهد علي تلك الوقائع.

 

إن إقامة حدود الله في الأرض رحمة للعباد، فلم يشرع في الكذب قطع اللسان ولا القتل، ولا في الزنى الخصاء، ولا في السرقة إعدام النفس، وإنما شرع لكل ذنب عقوبة من جنسه تمنع تكراره ولتعليم الناس الخوف من الوقوع في مثل تلك الكوارث.

 

إن دعاوي المهاجمين باطلة وأنها لا تحمل في طياتها إلا كذب وافتراء وتحميل دين الله ما ليس فيه واستغلال جهل كثير من المسلمين بدينهم وتشكيكهم فيه

كما أن تطبيق الحدود يردع الغني والفقير، فالكل سواء أمام حكم الله تعالي ولقد أقر ذلك رسول الله حينما شفع أسامه بن زيد في المرأة المخزومية التي سرقت فغضب النبي صلي الله عليه وسلم «أتشفع في حد من حدود الله؟! ثم قال: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت؛ لقطع محمد يدها) وهنا أغلق النبي صلي الله عليه وسلم الباب على كل غني تسول له نفسه أخذ شيء بدون وجه حق أو فساد في الأرض. فاعلم أن حقوق الإنسان في الإسلام ليست مطلقة وإنما مقيده بعدم الإضرار بمصالح الناس كما أن العقوبة في الشريعة الإسلامية منضبطة بضوابط عدة من أهمها:

إن الشريعة الإسلامية تأخذ بقاعدة "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص" منذ بزوغ فجر الإسلام، أما الأنظمة الوضعية الحديثة فلم تعرف هذا المبدأ إلا في أعقاب القرن الثامن عشر الميلادي؛ إذ أدخلت في قانون العقوبات الفرنسي كنتيجة من نتائج الثورة الفرنسية، وتقررت لأول مرة في إعلان حقوق الإنسان الصادر سنة 1789م، ثم ظهرت التشريعات الأخرى ويروي أن هشام بن عبد الملك قد عطل الحدود في سنة فتضاعفت الجرائم وفشا الفساد حينها قرر هشام عودة تطبيق الحدود فكان مجرد القرار رادعاً لعودةِ الأمور إلي نصابها الطبيعي علي عكس الدول الأوربية والأمريكية التي تكتظ بالمجرمين في السجون دون نتيجة فعليه لذلك حتي عرفت مدن كاملة بالجريمة كشيكاغو ونابولي وغيرها.

 

فاعلم أخي أن دعاوي المهاجمين باطلة وأنها لا تحمل في طياتها إلا كذب وافتراء وتحميل دين الله ما ليس فيه واستغلال جهل كثير من المسلمين بدينهم وتشكيكهم فيه. فاعلم علم اليقين أن شريعتك كاملة ليس فيها نقص وأن ما فرضهُ الله هو صلاح للعالم كله فاعقل وتدبر أحكام الله ومقاصدها.