شعار قسم مدونات

أيوب "سلطان"

blogs - أيوب

وصلنا متأخرين، شارفت الساعة على الثانية عشر ليلا، أتذكر أننا أيضا لم يكن لدينا حجز مسبق، كان الفندق أشبه بنُزل صغير أو خانٍ أكثر منه فندقا، وجدنا غرفا شاغرة بالفعل، كانت درجات السلم الذى لا يمتد إلا لطابقين هما كل المكان – تحدث طقطقات تُسمع فى سكون الليل، ليست درجات السلم وحدها بل المكان كله كأنه قائم بألواح خشبية ومسقوف بها، الطرز التقليدية فى البُسط الفخمة ولوحات الزيت المثبتة على الحوائط، والثريات المتدلية من الأسقف ذات البلورات الكريستالية والزجاج الملون، كل شىء هنا يشعرني بأنى دخلت فندقا فى أول القرن التاسع عشر لا ينقصه سوى أن يخلع لى الحمّال قبعته فأقذف له بعملة معدنية.

 

من إرهاق الرحلة لم أتوقع أن أستيقظ قبل شروق الشمس، لكن صوتا غريبا أيقظني، وصورة لم تفارق رأسى كأنما كانت فى حلم لا أتذكر منه شيئا، شيخ ذى ثمانين حِجة يؤذن للفجر، أستيقظ لأجد الآذان بالفعل يتسلل صوته من النوافذ الخشبية، لا بد أن المسجد قريب من هنا.

 

ما زالت صورة الشيخ تراودني فى الممر الطويل المفضى للمسجد الذي بدت مآذنه الشاهقة من بعيد، كأنه قادم إلي من البحر يلبس لأمته فى جند عظيم، ليس عليهم سيماء البحر ولا البحارة كأنما يسيرون بالسفن في خضم الصحراء، ويستقرون أسفل أسوار ضخمة لا تنفتح لهم.

 undefined

كان مسجدا ضخما يرقد فى الظلام، كانت الإضاءات خافتة بعض الشىء، باب كبير بدى على ضوء مصباح الشارع الذابل تعتليه البسملة المذهّبة بالطغراء وبالثُلث الجلي "ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ"، يهديك الباب إلى ساحة مكسية بالرخام الأبيض كأنما هى منحوتة فى جبل جليدي، على اليمين واليسار مقاعد من رخام أيضا أمام صنابير نحاسية ونفرا من المصلين يتوضأ، كان كل شىء ساكنا كوقت الفجر لكن ما إن قطعت الصحن إلى باب المسجد حتى وجدت خلقا كثيرا، عبرت بينه لأجد لى مكانا بشق الأنفس فى الصف قبل الأخير.

 

كنا صبيحة الجمعة، المسجد يغص بالمصلين، شيبا وشبانا متجاورين مصطفين يصلون ركعتى الفجر، إضاءة المسجد من الداخل كالخارج خافتة أيضا، كأنما يضاء بقناديل الزيت لا بمصابيح الكهرباء، على الضوء الشفيف ترى المصلين على اختلاف المظهر والملبس يعتمر كل منهم طاقية شبكية بيضاء أو زرقاء أو خضراء، يدخل المرء منهم إلى المسجد فيخرج طاقيته المثنية فى جيبه ويضعها على رأسه ثم يكبر. كلُ ينهى ركعتى النافلة ثم يجلس.

 

"لا إله إلا الله.. حسب ربي جل الله.. ما فى قلبي غير الله.. نور محمد صلى الله.. اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد بعدد كل داء ودواء وبارك وسلم عليه وعليهم كثيرا كثيرا.. اللهم صلى على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم".

بساط المسجد، قطعة واحدة ضخمة صنعت خصيصا بالتأكيد، مزهاة بالأحمر والزهري على شاكلة أوراق الشجر، وفى المنتصف زخرفة زرقاء ضخمة على هيئة وردة متفتحة

الشيخ يجلس بين الصفوف، يردد ذلك الذكر الجماعي الذى كانت الحناجر تتمتم كلماته فى خشوع مهيب فترتفع فى فضاء المسجد الشاهق، كان صوته المتهدج ناصع العربية كما لم أسمع من أحد قط، مُفارق للمئات الذين يرددون خلفه بصوت واحد يشوبه حرف العين والحاء المملوئين بهواء هاء العُجمية التركية، يردد الجميع "لا إله إلا الله.. لا إله إلا الله" عشر مرات ثم يردفون "حسب ربي جل الله.. حسب ربي جل الله" إلى الصلاة على النبي وآله ثم يهللون من جديد.

 

ظننت أنهم قد فرغوا من المكتوبة وهذا ذكر لما بعد الصلاة، لكن إقامة الصُبح ما لبثت أن رُفعت فسكن الجميع وقاموا، قرأ الإمام نذرا من السجدة والإنسان على سُنة الجمعة، وما إن سلموا حتى انطلق صوت مُعمم فى مكبر الصوت يَسبَحُ ويُسبّح من مقام النهاواند، كانت رُسل النور قد لامست حديد نوافذ الجامع اللامعة من الندى، ثوب الإنارة الخافتة أخذ يتكشف أمامها فيبين لى عن المكان من حولي.

 

بساط المسجد، قطعة واحدة ضخمة صنعت خصيصا بالتأكيد، مزهاة بالأحمر والزهري على شاكلة أوراق الشجر، وفى المنتصف زخرفة زرقاء ضخمة على هيئة وردة متفتحة. الحوائط ذات الحجر الرمادي المميز للصروح القديمة هنا، وأسنة المآذن المدببة كالسنان تستقر واحدة منها فوق المنبر الموشى بالزخرفات الذهبية من جوانبه والأعلام من أمامه معد لاعتلاء خليفة منتصر، القبة البعيدة المطرزة بإتقان.. بدى كل شيء كأنه معد لاستقابالك أنت.. فقط يتزين لك وحدك على وقع الضوء المتزايد فى المكان والتسبيح المستمر من مكبر الصوت: سبحان الواحد الأحد، سبحان الفرد الصمد، سبحان رافع السماء بغير عمد سبحان من بسط الأرض على ماء جمد سبحان من خلق الخلق فأحصاهم عددا سبحان من قسم الرزق فلم ينس أحدا سبحان الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا.

undefined


ناقة تحمل النور وتمشى الهوينى، زمامها غير ملجم تسير كأنها مأمورة، تسير فى طرقات المدينة وتحط أمام بيت من بيوتها، شيخ وزوجه يستبشران ويلهثان بالحمد على الاصطفاء..  ما زال الذكر يصدح فى المكان عاليا والكل منصت فى خشوع: يا الله جل جلاله وعم دوامه ولا إله غيره، الى ليس كمثله شىء فى الأرض ولا فى السماء، وهو السميع العليم، سبحان الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفون أحد سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

 

الشيخ يوغل فى الزمن أكثر، كأنه الآن فقد شطر عمره أو يزيد، أراه أقرب للشباب يمشى فى الصحراء فى سبيعن نفرا، يشارف جبال مكة عند العقبة، يعاهد مع المعاهدين ويضىء وجهه بذلك النور الذي لن يخبو من وجهه بعد اليوم أبدا.. النور عم المكان، الذكر توقف وهب المصلون لركعتي الضحى ثم انصرفوا.

 

خرجت بعد المصلين، بدى لى صحن المسجد من جديد – بعد أن كان معتصما بالدُجى – سافرا، كانت الأعمدة الرخامية التى تحمل قبابا أصغر ملتفة على جوانبه، وعلى طرف منه كان عددا من الزائرين يمسك باب حجرة مسورة، اقتربت لأفهم، صادفت عيني اللوحة البارزة "قبر الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري".

 

صورة الشيخ لم تعد غائمة بعد الآن، عرفت إذن سر كل هذا، سر الأذان والفجر والذكر والبيعة والناقة والبحر والأسوار، أسوار القسطنطينية التى دفن تحتها الصحابي الجليل بعد حهاد ودعوة وصحبة للنبي جاوز معها عمرة الثمانين، كنت قد عرفت من الأمس أن المنطقة مدفون فيها أبو أيوب الأنصاري، لم أتذكر ذلك كله إلا الآن.

الحوانيت والبازارات التى أمام شرفة الفندق مباشرة قد فتحت وتلألأت حبات المسابح وألوان الخُمر التركية فيها، وفاحت روائح البخور والعطور من أمامها، وزوار السلطان يقبلون فى بضاعتها ويشترون منها للتذكار أو التبرك
الحوانيت والبازارات التى أمام شرفة الفندق مباشرة قد فتحت وتلألأت حبات المسابح وألوان الخُمر التركية فيها، وفاحت روائح البخور والعطور من أمامها، وزوار السلطان يقبلون فى بضاعتها ويشترون منها للتذكار أو التبرك

لم يكتب لى الله بعد أن أزور نبيه صلى الله عليه وسلم ولا صحابته، كانت هذه هى المرة الأولى التى أقترب فيها ممن اقترب من رسول الله، ربما أدرك الآن لم هذه الوجوه خاشعة تغشاها السكينة ويكأنها فى حَرَم، ولم هذا الحمام الذي ما زال يطير ويحط على كل شىء فى المكان، يشرب من هذه النوافير المنتشرة فى ساحة المسجد الخارجية ويقف على قضبان النوافذ الحديدة وفى زوايا القباب الصغيرة وعلى تلك الدوحة العظيمة المستقرة فى المكان كأن عمرها من عمر أبى أيوب رضى الله عنه.

 

هل الصحابي مدفون هنا حقا يا آق شمس الدين، أم أن هذا مجرد خرص، هل على أن أصدق كشفك كما أصدق ويصدق كل من هنا تلك الروح التى تسري فيهم، لا أدرى، وربما لا يدري أحد على وجه الحقيقة أين قبر الصحابي، هو هنا فى مكان ما على أية حال، بجوار سور القسطنطينية حيث أمر جند يزيد أن يوغلوا قدر طاقتهم ثم يواروا جسده بالتراب، وبعد ثمانية قرون يأتى شيخ محمد الفاتح السلطان المنتصر، ويشير غلى المكان فتُضرب تلك القبة، ويشيد هذا المكان.

 

فى الساحة بدت الشمس كالمحتفية بكل ما فى المكان، لم يغريني طريق العودة إلى الفندق بقدر ما أغراني طريق الصعود إلى الجبل، كان محفوفا بالأشجار والأحجار، تقترب فتجدها شواهد منتشرة بين الخضار فى كل موضع قدم، منقوش عليها تواريخ موغلة فى القدم وأسماء قضاة ومشايخ وأعيان وقادة جيوش ووجهاء وخلق غير ذلك كثير، كل شاهد من هؤلاء نحتت فوقه علامة تميزه من عمامئم أو طرابيش بأحجام مختلفة ربما كانت تنبىء عن مكانة كل منهم فى زمانه.

 

"مدينه لى حاجي عثمان اقفرات أفندي .. يا زائري ! اعلم كنت مثلك فى الأمس وأنت مثلي فى غدٍ من أجل هذا فاجتهد قبل غد لآخرتك. الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .. دوغوم تاريخي هجري 1301" .. استقبلني هذا النقش على أول منحنى الصعود لجبل الموتى، زرت من قبل جبل الموتى فى سيوة كان بالفعل مرتفعا موحشا مليئا بالقبور، أما هذا الجبل فمشرق بالحياة والخضرة كأن باطنه لا يحوى كل هذا الرفات.

 undefined


عندما وصلت للقمة كان المنظر بديعا للغاية، المكان كله يشرف على خليج القرن الذهبي، هنا صورة تختصر اسطنبول كلها، قباب ومآذن آيا صوفيا والمسجد الأزرق تتلألأ من بعيد بألوانها الذهبية، والماء يصنع منه الريح الزرد المنتشر على طول الخليج، والأشجار عندما تنظر للأسفل تلف السلطان أيوب الذى يظهر لك بكله للمرة الأولى، وفوق كل ذلك يشخص أمامك شاهد قبر لا يكتب عليه صاحبه موعظة عريضة كالتي قابلتني فى طريق الصعود، فقط كتب كلمتين: هو الباقي.

كم من سلاطين ووزراء وصدور عظمى جاءوا إلى هنا فى أول أمرهم يتوجون فى هذه الساحة العظيمة عند السلطان أيوب، ثم يُاتى بهم غلى هنا مرة أخرى فى سفح الجبل يرقدون فى مثواهم الأخير، خارج أسوار الملك والحكم، خارج أسوار السطنطينية، هو الباقي.

نزلت الهوينى أتقى الشمس التى أصابت شيئا من كبد السماء فى تلك الساعة، سُبل الماء هنا منتشرة، بصنابيرها النحاسية التى تنفتح بصرير صغير كأنك تفتح بوابة الزمن، شربت الماء من إحداها ونزلت أتلمس طريق الفندق أخيرا، أمر على ساحة المسجد فإذا بها قد دب فيها نوع آخر من الحياة، باعة متجولون بعربات مزينة يبيعون الذرة المشوية أو المثلجات وأطفال تلهو ونساء كثر يتوافدون على الضريح والحمام قد لازم النوافير يتقي ببرد مائها حرارة النهار المشمس.

undefined


أشباح الأبواب الصغيرة التى قابلتني فى طريقا الذهاب تبدى لى الآن أنها أحواش مقابر ايضا لكن الاختلاف فى اتساعها وأسوارها والأبواب المذهبة التى تقف أمامها عليها والقباب الملونة التى ضربت عليها، كل قبر منهم تحسب أنه روضة من الرياض إذا دخلته ورأيت ما يصنع الرخام الفخم مع الخطوط الزاهية ع الأشجار المورقة والأزهار المفتحة من فتنة، وإن كان كل ذلك من أجل قبر.

الحوانيت والبازارات التى أمام شرفة الفندق مباشرة قد فتحت وتلألأت حبات المسابح وألوان الخُمر التركية فيها، وفاحت روائح البخور والعطور من أمامها، وزوار السلطان يقبلون فى بضاعتها ويشترون منها للتذكار أو التبرك، هذا السوق الصغير أكمل لوحة المكان بكل براعة.

كان على أن أتناول الفطور سريعا ثم نتحرك من المكان، الشيخ ذى الثمانين حجة يقدم عزقا من نخل فيه رطب وبسر إلى أصحابه ومعهم النبي فى يوم ضربوا فيه حجرا على بطونهم، وأنا أتناول شطيرة صغيرة من زبد ومربى وأحتسى شايا إنجليزيا فى حديقة الفندق الذى بدى هو الآخر أكثر مما رأيته فى الليل، أكثر من قطعة فنية لم تدخل إلى القرن الواحد والعشرين قط.

حزمت حقيبتي، تأكدت من أن جميع الصور التى التقطتها سليمة فى ذاكرة الكاميرا من أجل أن تراها العين التى كنت أريد أن تصحبني هنا، أغلقت دفتري وتأكدت أن كل ما شعرت به فى تلك الجولة الصباحية سجلته فى ملاحظات الرحلة هنا، طبقت الحجاب الملون بإتقان، ورسمت لوجه حبيبتي السلطانة به كل الصور، أوليس الحب وحده سببا كاف للسلطنة، نعم هو ذلك وربما من أجل هذا فإن أبا أيوب لم يتسلطن على الحقيقة إلا هنا فى القلوب فكان عند الأتراك: أيوب سلطان.