ميراث الأنثى.. دين الله أم دين الدولة والعابثين؟!

تحدث الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي عن عزمه تغيير التشريعات القائمة المتعلقة بميراث المرأة والرجل وزواج المسلمة من غير المسلم، وقد أثار ذلك نقاشًا وجيهًا حول أهدافه من هذا الطرح في هذا التوقيت بالذات، وإن كانت هذه المسألة أولوية تونسية أم لا، بالنظر إلى الأولويات الاقتصادية والسياسية الراهنة، وإن كان السبسي يملك رؤية لنظام اجتماعي متكامل يستوعب هذا التغيير أم لا، بيد أن هذا الأمر، الذي وجد صداه عربيًّا في النقاشات الجارية، يفتح على جملة أخرى من الأفكار والنقاشات.
حين كتابتي هذه المقالة، يحضرني موقفان متعارضان قرأتهما لشخصيتين علمانيتين غير تونسيتين، يتيح موقف كل منهما، مناقشة الأمر من جانب غير الآخر، ورغم ما بينهما من تعارض، فإن موقف كل منهما مُشْكِل، إذ ذهب الأول إلى إبداء سعادة واضحة بالقرار لا تخلو من مناكفة تافهة ورخيصة للإسلاميين ودون الخوض في عمق المسألة أو البحث في ادعاء السبسي بأنها مسألة بشرية صرفة لا دور للدين فيها.

وأمّا الثاني فهو مع تغيير تلك الأحكام، ولكن ليس على طريقة السبسي، أي ليس عن طريق تدخل الدولة، أو عن طريق الانتصار السياسي، وإنما عن طريق انتصار "الأفكار الحداثية" على "الأفكار المستبدة"، زاعمًا أن أحكام الميراث محض أقوال فقهاء سائدة ومستبدة لا تقبل غيرها، وأن إعادة تأويل آيات المواريث لا يُناقض الكتاب، وهو بهذا لا ينفي عن نفسه الإيمان بالكتاب، ولكنه يقوم حرفيًّا بنسخه!

يتبنى العلمانيون أكثر أشكال العلمانية تطرفًا، مما يعني أن تتحول الدولة نفسها إلى إله تفرض على النّاس الدين الذي تقوم باختلاقه، أو إعادة صياغته! ويكون نفي الإسلاميين عن دائرة التداول ضرورة للاستفراد بالتشريع.

1- منطق الانتصار والهزيمة!
بالنسبة للموقف الأول، فهو يُعبّر عن مجمل الموقف العلماني في بلادنا العربية، ذلك الموقف الذي اتضح سياسيًّا تمامًا مع الثورات العربية، إذ رفض من الناحية العملية نتائج الانتخابات التي جاءت بالإسلاميين، كاشفًا عن نزعة كراهية إيديولوجية وحسد سياسي، ترى في الديمقراطية وسيلة إقصاء، أي أداة تداول سياسي على السلطة داخل دوائر محددة يُصرف عنها الإسلاميون أو يجبرون على خلع ثيابهم قبل دخولها!

وهي، أي ديمقراطية هؤلاء، لا تنفي الإسلاميين بما هم كتلة سياسية عن دائرة تداول السلطة فحسب، بل تفرض التشريعات والأفكار دون أي مراعاة لأي اعتبار ثقافي راسخ، هو غالبًا في مجتمعاتنا الاعتبار الديني، الذي يمكن عدّه نموذجًا مهيمنًا.

أي يتبنى هؤلاء العلمانيون أكثر أشكال العلمانية تطرفًا من هذه الجهة، والذي يعني أن تتحول الدولة نفسها إلى إله تفرض على النّاس الدين الذي تقوم باختلاقه، أو إعادة صياغته! ويكون نفي الإسلاميين عن دائرة التداول ضرورة للاستفراد بالتشريع، وبهذا تتحول الديمقراطية إلى أداة قهر واستبداد تستند بذلك إلى الانتصار السياسي.

المشكلة أن هذا الفريق من العلمانيين؛ في إقصائه للإسلاميين، أو في تحالفه مع قوى الاستبداد ضدّهم، أو في تسويغه استباحتهم واجتثاثهم، غطّى مسلكه السياسي باتهامات يتلبّسها هو، أي باتهامه الإسلاميين استخدام الديمقراطية مرّة واحدة، أو تفصيلها على مقاسهم، أو فرضهم رؤيتهم وتصوراتهم على المجتمع بالاستناد إلى صندوق الانتخابات، وهو في الحقيقة يقترف أكثر مما اتهم الإسلاميين به، إذ قد يجيز لنفسه الدوس على ضمير الناس الديني وخصوصياتهم المنبثقة عن ثقافة مجتمعاتهم الراسخة دون حتى صندوق الانتخابات!

صحيح أن النهضة لم تقص فيزيائيًّا، لكنها أقصيت ثقافيًّا وإيديولوجيًّا حينما غيّرت جلدها، وبالتأكيد لم يكن تغييرها جلدها ليردع هذا الفريق عن غلوه، وإنما كان اللحظة التي ينتظرها هذا الفريق لإعلان انتصاره السياسي.

إن كان هذا هو الموقف الغالب على عموم نخب العلمانيين العرب، أو الموقف الأكثر حضورًا ونفوذًا كما بدا لنا من بعد الثورات العربية، دون إنكار تجليات أقل تطرفًا أو أكثر معقولية واحترامًا لمجتمعاتها ودينها وثقافتها، فهل ثمة إمكانية للتشارك مع هذا الفريق الغالب، أم أنه لا مناص من السعي نحو تحقيق انتصار سياسي واضح، لأجل حسم الخلافات حول المسائل المتعلقة بالدين وحضوره في المجال العامّ والهويّة والقضايا الاجتماعية والثقافية؟

الباجي قائد السبسي ينتمي لهذا الفريق الغالب. صحيح أن النهضة لم تقص فيزيائيًّا، لكنها أقصيت ثقافيًّا وإيديولوجيًّا حينما غيّرت جلدها، وبالتأكيد لم يكن تغييرها جلدها ليردع هذا الفريق عن غلوه، وإنما كان اللحظة التي ينتظرها هذا الفريق لإعلان انتصاره السياسي، ذلك الانتصار الذي رآه في حملة الاجتثاث والإقصاء التي وقعت على الإسلاميين في المنطقة العربية، وانتقلت إلى تونس بثورة ملونة أسقطتهم سياسيًّا، بلوغًا إلى مرحلة التتويج بإعلان النهضة تغييرها نفسها، وحينئذ لم يكن ثمة حجة للتخلص الماديّ منها بالسجون والمنافي!

2- العابثون.. جهاز المستبدين الإيديولوجي:
الموقف الثاني، وإن خالف السبسي في طريقته فقد أيّده في أفكاره، وهذا الفريق كثيرًا ما يتحول إلى جهاز إيديولوجي وثقافي للقوى العلمانية المستبدة التي تريد -بالانتصار السياسي أو العسكري والأمني- اختلاق دين تفرضه على المجتمعات التي تحكمها، دون أن نزعم أن هذا حال كل أفراده.

على خلاف السبسي، الموقف الثاني هذا الذي قرأته، لا ينكر صاحبه أن للدين دورًا في المسألة، فقد ذكر آيات المواريث، وأشار لتخريجات وتأويلات للآيات من داخل المنظومة الفقهية تسعف موقفه دون أن ينصّ عليها أو يحدّدها أو يُعرّف بها أو يذكر سياقاتها، لكن هذا، وإنكاره طريقة السبسي، لا ينفي عن موقفه الاستبداد رغم وصفه للحكم الشرعي القائم بالرواية المستبدة، ووصفه طريقة السبسي كذلك بالاستبداد!

حكاية التأويل وأرخنة النصّ وعمليات الحذف والتعديل لم تقتصر على المدونة الفقهية أو السنّة فحسب، وإنما مشكلتها في الأساس مع الدين، إذ يُثبت أصحابها أن كل شيء خاضع للتعديل البشري.

فلو سلمنا -جدلاً- أن آيات المواريث ليست قطعية الدلالة، فما السبيل وهذا الأمر دين وهذه المجتمعات مسلمة، وأن "الأفكار الحداثية" التي تنسخ الكتاب وتجعله محض نصّ تاريخيّ لن تتفرد بالمشهد، وذلك لأن الإسلام أعمق في هذه المجتمعات من أن تتغلب عليه هذه الأفكار بقوتها الذاتية؟! فما السبيل حين الاختلاف مع أصحاب "الأفكار الحداثية"؟!

أليس السبيل ردّ الأمر إلى الله ورسوله حين الاختلاف، كما قطع بذلك الكتاب نفسه، الذين لا مشكلة لهم معه، كما يزعمون، وإنما مع تراث الفقهاء، أو "السنّة الظنّية التي لا تخلو من احتمالات الاختلاق وفيها ما فيها مما يخالف العقل أو الكتاب"؟!

فإنّ هذا الكتاب الذي يزعمون الإيمان به، نصوصه في الميراث، أوضح وأبين وأجلى من كل تأويلاتهم التي ستظلّ محلّ خلاف، ولن تحقق انتصارًا واضحًا، لأنها هذه المرة تنازع الكتاب في دلالاته لا الفقهاء ولا الروايات كما يزعمون، فكيف والكتاب يقرر أن هذه الأحكام "فريضة من الله" و"وصية من الله" ويؤكد أنها "حدود الله" ويقول في السياق نفسه: "ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذاب مهين"؟!

فطالما أن الأمر دين، وهم يقولونه إنه دين، فلا سبيل إلا الاحتكام للكتاب نفسه، مهما بدا لهم أنهم أمام مهمة "تنويرية وتقدمية عظمى لإخضاع الدين للواقع" بما ينسخ وظيفة الدين نفسه، الذي جاء بكماله ودعا الناس للسعي لبلوغ مراد العليم الحكيم الخبير.

طرحهم يستبطن فعليًّا نفي مرجعية الكتاب، لأنه، أي الكتاب، أوضح من أن يُخضع لتأويلاتهم، وهو بذلك، أي طرحهم، يؤسس للاستبداد، ولا ينفيه، إذ الاختلاف قائم ولا سبيل للفصل فيه إلا بالرجوع لحكم مُرتضى، فإن لم يكن الكتاب، فهو سلطة الدولة، وهذا يعيدنا إلى نظرية حسم الخلاف بالانتصار السياسي!

3- جذور أخرى أسست للعبث:
كلمة أخرى تستحق بسطًا مستقلاً. من الواضح أن حكاية التأويل وأرخنة النصّ وعمليات الحذف والتعديل لم تقتصر على المدونة الفقهية أو السنّة فحسب، وإنما مشكلتها في الأساس مع الدين، إذ يُثبت أصحابها أن كل شيء خاضع للتعديل البشري بحجة التأويل أو احتمال النصّ أو تعلقه بظروف تاريخية، بما في ذلك الكتاب نفسه.

لقد قدّر الحكيم الخبير أسيجة تحمي الدين من هذا العبث، والتي كان منها السنّة ووحدة فهم الأمة، لاسيما في القرون الأولى، ومعاول الهدم لهذه الأسيجة التي ضربت بها أيدي بعض أصحاب المناهج الفقهية المضطربة الحديثة من إسلاميين وإصلاحيين وغيرهم، شكّلت مادة لهؤلاء العابثين الذين كانوا بدورهم جهازًا إيديولوجيًّا للعلمانية المتطرفة!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أثار خطاب الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي بشأن مسألة الإرث -بمناسبة العيد الـ61 للمرأة التونسية- جدلا مجتمعيا واسعا في صفوف الأحزاب ومختلف الأطياف السياسية بالبلاد، وامتد إلى منصات التواصل الاجتماعي.

شهدت المكاسب القانونية للمرأة التونسية بعد الاستقلال تطورا مستمرا، ترسخ بإقرار دستور جديد للبلاد إثر الثورة وقانون القضاء على العنف ضد المرأة الذي أقر مؤخرا، لكن لا تزال ثمة مطالبات.

قال مصدر قضائي تونسي إن القضاء المالي يحقق في ملف فساد يتعلق بمفتي الديار التونسية عثمان بطيخ على خلفية قضية تعود لموسم حج 2015، عندما كان وزيرا للشؤون الدينية.

الأكثر قراءة